كتب/ جميل أنعم: شهر على الإنقلاب التركي .. اهتز عرش أردوغان والإخوان أم تثبّت ؟
 

بكل المقاييس فإن ما حدث في تركيا في الليلة المعروفة بالإنقلاب العسكري لمدة ساعتين هز عرش اللا طيب أردوغان، قاتل مئات الآلاف ومهجِّر الملايين من الشعوب العربية من تونس حتى سوريا واليمن مروراً بمصر وليبيا، وخلال ساعتين فقط أهتز عرش “عواد العثماني” وترسخت تركيا الإخوانية، وبأي قراءة ومن أي زاوية كانت، فتلك هي النتيجة المؤكدة اهتزاز للعرش وترنح لكيان الإخوان العالمي، والذي سيسقط في نهاية المشوار بعد توالي دق المسامير في نعش تركيا الإخوان .

 
فكان أول مسمار ديمقراطي عندما خسر أردوغان الإنتخابات ما قبل الأخيرة، وعجز عن تشكيل حكومة منفرداً، وحتى بالتحالف، فتم حل البرلمان والدعوة إلى إنتخابات مبكرة، وبديمقراطية الخوف من الآخر ربح أردوغان ديكتاتور تركيا الإخوان، بتغيير الدستور وبنظام رئاسي ترسخ الحاكم المطلق وبصلاحيات واسعة .
 
فكان إنقلاب عسكري المسمار الثاني بمطرقة ضباط وجنود إنتفضوا وثاروا لإنقاذ وطنهم من ديكتاتور قادم يفصّل دستوراً على مقاسه، ووطن أصبح وكراً ومحطة لتجميع التكفيريين وتوزيعهم على الأقطار العربية والأوروبية، ونجح الإنقلاب العسكري من الدقائق الأولى بالسيطرة على الإعلام الرسمي والانتشار بالعاصمة واسطنبول، بل وأُذيع البيان رقم واحد بالعودة للديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان ودستور جديد وانتخابات، وتفاجئ الإنقلابيون وذهل من سعار الإخوان الأتراك للساحات وسط تكبير المساجد وتجوال السيارات في الحواري، وتوالي ظهور المسئولين الإخوان على التلفزة الإخوانية، فملئت الساحات بالمواطنين ومن لون واحد، في حين أعلن الإنقلاب منع التجوال.
 
وأمام هكذا مشهد ينذر بحمام دم بل شلالات من الدماء، رفض قادة الإنقلاب استخدام السلاح وسفك الدماء، في حين أعلن أردوغان في أول خطاب له بعد الإنقلاب، إستعداده لسفك الدم لإستعادة السلطة، كما هو طبع الإخوان، إما السلطة وإما الدم، ففشل الإنقلاب وبغض النظر عن هويته وأهدافه ومن يقف خلفه، وأمام إلقاء القبض على آلاف الضباط والعسكريين، من الذين قاموا بالإنقلاب والرقم مرشح للارتفاع .
 
وأمام هكذا رقم ومن الضباط فإن عرش أردوغان وحزبه وأعوانه سيسقط بالمسمار الثالث والأخير، في نعش الكيان الإخواني، الذي لم تشفع له صهيونيته في تدمير الأوطان العربية، وفشل إنقلاب جزء من المؤسسة العسكرية التركية، وبمعزل عن الشعب التركي، وبمعزل أيضاً عن الأحزاب التركية المعارضة لحكم أردوغان، ولذلك فشل الإنقلاب العسكري، بعكس الإنقلاب المصري، لأن المؤسسة العسكرية المصرية موحدة، بل وقوى الأمن والشرطة والشعب المصري أيَّد الجيش المصري، والأحزاب الوطنية والقومية ساندت الجيش المصري، وسقط نظام الإخوان بمصر، وبالوصاية القطرية وقناة الجزيرة، وتربع السيسي على عرش مصر وبوصاية سعودية إماراتية وبقناة العربية، وتعددت الوصاية من قطر إلى السعودية، والهدف واحد خدمة المشاريع الإستعمارية والصهيونية .
 
وبالمثل فإن الإنقلاب العسكري في تركيا لو نجح، فلن يغير شيء بالنسبة للوطن العربي، فتركيا عضو بالحلف الأطلسي، وبها قواعد عسكرية إستراتيجية للحلف، وتركيا تعترف بإسرائيل، وتلك ثوابت لدى الجيش التركي والنظام السياسي، والشيء الوحيد الذي كنا سنجنيه من نجاح هذا الإنقلاب، هو تشتيت وشتات قوى التكفير والتدمير والخيانة لإخوان اليمن ومصر وغزة، قتلة الشعوب العربية المسلمة والمؤمنة، بعد إنتهاء مهمتها القاتلة في الأنظمة الوطنية الجمهورية .
 
وكما علّمنا الأجداد والآباء والوطنيين الشرفاء، بأنه إذا لم يحتوي البيان رقم (1) لأي ثورة وطنية أو حركة انقلابية وفي البند رقم (1) على هدف تحرير فلسطين والتحرر من الإستعمار سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ومحاكمة مراكز الفساد، فإن هذه الثورة أو الإنقلاب “مشبوه” في الشكل والمضمون، وكفى .
 
وأثناء الإنقلاب إبتلع إخوان اليمن ألسنتهم واختفوا من قنوات التلفزة، وحال إخوان اليمن في تركيا أكثر بؤساً وزاد البؤس بؤساً ضبابية المواقف العالمية فانغلقت كل أبوب العواصم العربية أمام الإخوان بعد وضع كل البيض الفاسد، في سلة أردوغان وبن سعود، وتبقى قطر الوحيدة عربياً إلى جانب بريطانيا خالقة وصانعة الإخوان من نجد والقاهرة وأنقرة تركيا أخيراً .
 
 
وكما أسلفت في مكان ما، بأن رئيس وزراء تركيا السابق زعيم حزب الرفاة الإسلامي “نجم الدين أربكان” حذر أعضاء حزبه من عمالة أردوغان للصهيونية، ولأن تركيا علمانية، تم حل حزب الرفاة الإسلامي، وسجن أربكان وسطع نجم أردوغان، وعلى أنقاض حزب الرفاة الإسلامي تم إخراج وتأسيس حزب العدالة والتنمية الإخواني، الأمر الذي يتعارض مع علمانية تركيا، وكان من المتوقع أن يتدخل القضاء التركي أو الجيش بحل حزب العدالة الإخواني، وسجن زعيمه كما حصل مع سلفه “أربكان” والرفاة الإسلامي للحفاظ على دستور تركيا العلمانية، وتُرك أردوغان وحزبه لغرض في نفس صهيون وأمريكا، فكان تدمير الأنظمة الجمهورية الوطنية بالإخوان، تحت مظلة النموذج التركي الإخواني أردوغان، وبعرض استعماري وهمي الخلافة الإخوانية على أنقاض هذه الأنظمة، وأنجزت المهمة بالدمار والتهجير للملايين من سوريا والعراق ومصر ولبنان وفلسطين المحتلة، هي نفسها جغرافية يهودية إسرائيل أو ما يسمى بإسرائيل الكبرى، ونشر الدواعش والقاعدة لتلك الجغرافيا، وعلى ما يبدو فإن مهمة الإخوان إنتهت بتلك الإنجازات.
 
والمهمة الإستعمارية الجديدة لأردوغان هي تصفية الإخوان والدواعش من جغرافية إسرائيل الكبرى من الفرات للنيل وبالجيش التركي .. وتلعثم وتلكأ أردوغان فكيف يتهم حلفائه من الدواعش والإخوان بالإرهاب ويطلق الجيش لمحاربتهم، وبالأمس كان يدربهم ويوزعهم في سوريا وغيرها، ولم تشفع له خطواته بالتخلي عن كسر حصار غزة، والاعتذار لروسيا عن حادثة الطائرة، ومغازلة مصر وسوريا بتطبيع العلاقات !!
 
فكان إنقلاب جزء من الجيش التركي وبدون غطاء شعبي وحزبي، وبذلك يكون ليس إنقلاب عسكري، وإنما وخزة ولطمة ولدغة في جحر أردوغان، بل رسالة على شكل حركة شبه انقلابية، موجهة مع اللا تحية من أمريكا واسرائيل مفادها إما محاربة داعش والإخوان وتحجيمها أو طردها إلى جغرافيا الخليج، أو أن الجيش التركي العلماني والعضو في الحلف الأطلسي سيتولى المهمة بعد إزاحتكم من العرش التركي وإلى الأبد، وتركيا تأسست علمانية وستبقى كذلك .
 
وبعد ثلاث ساعات من الإنقلاب، ظهر أردوغان في مطار إسطنبول ليعلن فشل الإنقلاب واصفاً الإنقلاب بأنه ابتزاز، وأضاف بأن الطائرات قصفت منزله في مرمرة بعد خروجه من المنزل، وأضاف بأن أنصار المعارض التركي “فتح الله جولن” تقف وراء الإنقلاب، وجولن هذا يمارس نشاطه السياسي من مقر إقامته في أمريكا .
وبالتالي فإن أردوغان أمام طريقين لا ثالث لهما..
 
الأول الإستمرار في خدمة الإستعمار والصهيونية، بتنفيذ المهام الموكلة إليه من أمريكا وإسرائيل فكانت الأنظمة الجمهورية ثم الدواعش ثم الشيعة، ثم الحرب ضد كل من يناهض أمريكا واسرائيل، حرب بالوكالة لا تنتهي .. والقضاء على داعش والقاعدة أو تحجيمها سيخدم البيت الأبيض مع إقتراب موعد الإنتخابات الامريكية، من جهة أخرى إذا لم تنخرط الولايات المتحدة بالحرب على داعش والقاعدة مع الجيش العربي السوري وحلفائه، ستكون خسارة الولايات المتحدة وحلفائها لا تحتمل في سوريا والعراق، والنصر العريض والكامل لسوريا وحلفائها .
 
والطريق الثاني هو التمرد على أمريكا واسرائيل، وخاصة ولديه قاعدة شعبية لا يستهان بها، والظهور بالبطل القومي التركي وبالبطل الإسلامي، لا لا هذه ما تركب كيف بطل إسلامي ويعترف بإسرائيل !
بطل قومي تركي فقط يكفيه، وكيف لا والتاريخ المعاصر سجل لنا ومن بلدان العالم الثالث عامة والعالم الإسلامي والوطن العربي، بأن هناك حكام كانوا عملاء للغرب واسرائيل، قبل أن يتولى الحكم سواء في النظام الجمهوري أو الملكي، وساعدهم الغرب بتولي المنصب الأول في البلد، بعد تنفيذ مهام إستعمارية بإسقاط هذا الملك أو ذاك الرئيس الرافضين للمشاريع الإستعمارية، وبعد تولي هؤلاء العملاء الحكم تتوالى المهام الإستعمارية، ويتولى التنفيذ من الحكام حتى يصحو ضمير هذا الحاكم لسبب أو لغيره، ويقاوم أمريكا واسرائيل، ولكن بعد فوات الأوان، فالشعب كله أو جزء منه أصبح كارهاً له، والجيش كذلك كله أو جزء منه، وكذلك الأحزاب وحتى محيطه الجغرافي دول وانظمة أصبحت تكرهه، وتسعى لإسقاطه نتيجة لمواقفه الخارجية، وممارساته الداخلية بالإقصاء والتهميش للآخر، وسلاح الكفر هو الأبشع إذا حضر الميدان الداخلي .
 
وصحوة الضمير المتأخرة وبعد فوات الأوان وبعد القتل والدمار والتهجير وبالملايين لا تجدي نفعاً لدى الشعوب، شعوب الانظمة الجمهورية خاصة سوريا واليمن، وصحوة الضمير المخلصة والتوبة المخلصة تُقبل من الله سبحانه وتعالى فقط، الذي يغفر الذنوب، أما الشعوب لا تغفر ولا تنسى، وكذلك التاريخ .
 
فأردوغان وإخوانه ومعهم قطر قتلة ومجرمين وعروشهم ستنهار لا محالة عاجلاً لا آجلاً، وهي كذلك لعروش بني سعود وبني زايد والتي ستنهار وبطرفة عين، وفي كل الأحوال وبكل الطرق والسبل فإن أردوغان واخوانه هالكون، هالكون، إن شاء الله تعالى، بالشعوب أو بكؤوس الصهاينة والأمريكان، إلا من رحم ربي وبالعمل الصالح وطاعة الله سبحانه وتعالى، وحقن دماء المسلمين المؤمنين على امتداد الوطن العربي والإسلامي، لكن الله لا يهدي القوم الظالمين.
 
وبالأخير هنالك حقيقة ساطعة وحقيقة أسطع وهجاً ووضوحاً :-
 
1- إذا كان أردوغان صهيوني فإن فتح الله غولن أكثر صهيونية .
2- إذا كان بن سعود سلمان صهيوني فإن محمد بن سلمان والوليد بن طلال وأنور عشقي والخاشقجي أكثر صهيونية .
3- وإذا كان أولاد زايد صهاينة فإن محمد بن زايد وضاحي خلفان أكثر صهيونية .
 
وبإستثناء قطر، مقر قناة الجزيرة العدوانية، ووطن قاعدة العيديد الأمريكية العسكرية لثلث أراضي قطر، التي تجاوزت الصهيونية وما بعد بعد الإستعمار والصهيونية والماسونية، فإن تركيا والسعودية والإمارات مرشحات للتغيير السياسي بالإنقلاب أو بدونه، وإذا حدث ذلك وبتلك الأسماء الأكثر صهيونية أو بأخوانها وأخواتها فإننا نكون دخلنا فصل جديد من فصول مؤامرة القرن الواحد والعشرين “سايكس بيكو 2” بالإنتقال من خطة إلى خطة أخرى، ومن واقع سيء إلى واقع أسوأ، وكل ذلك وللأسف الشديد بالأدوات الداخلية، التي أصبحت تنقاد من إسطبل إلى زريبة، ثم إلى قن الدجاج وجحور الأفاعي والثعابين .
 

وإذا كان هناك من حسنة لإنقلاب تركيا فهي إنشغال تركيا بالداخل إنشغال يتزايد بإضطراد فكلما ثبّت أردوغان عرشه بإقصاء مناوئيه إزدادت نسبة الإحتقان الشعبي والتكتلات الحزبية عليه، لتصل إلى درجة الغليان عند وصول أردوغان أعلى قمة تثبيت العرش … “رحم الله إمرء عرف قدر نفسه فأراح واستراح” أردوغان والإخوان أمام فوهة البركان وهم اختاروا ذلك وسننتظر إنفجار البركان، آذناً بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر .

 

التعليقات

تعليقات