المشهد اليمني الأول| تقارير

فيما تستمر المفاوضات اليمنية في العاصمة الكويتية، تواكب السعودية الحوار عن قرب من خلال حضور لجنتها الخاصة المكلفة بالملف اليمني، الوفد الذي يمثل حكومة الرئيس اليمني المستقيل والهارب عبد ربه منصور هادي يُطلع اللجنة على كل التفاصيل التي تتواصل معه باستمرار، وعملياً، من يفاوض وفد صنعاء في الكويت هو اللجنة السعودية لا الوفد اليمني.

ووضحت التطورات التی تشهدها المحادثات بأن الریاض تقف حالیاً أمام مسارین متوازیین: الأول، هو الاستمرار بالعدوان الذی جرّبته على مدى 13 شهراً ووصلت به إلى الذروة مع استخدامها المفرط للقوة من دون أن تحقق أی إنجاز عسکری سواء على جبهة الحدود أو على الجبهات الداخلیة. وأظهرت الحرب جیشها فی صور مذلّة ومخزیة، خصوصاً على الحدود، ألحقت الضرر بسمعته أمام العالم وبهیبته الداخلیة أیضاً.

کذلک، إن استمرار السعودیة بالعدوان من دون آفاق عسکریة أو سیاسیة ومن دون أی أمل بالوصول إلى النتائج والأهداف المرسومة یعنی الاستمرار بالنزف العسکری والمالی، بالتزامن مع انکشاف حقیقة السعودیة من ضعف ووهن وعدم القدرة على الحسم فی بلد تعتبره تاریخیاً حدیقتها الخلفیة. یترافق کل ذلک مع ازدیاد التندید الدولی بجرائم السعودیة التی ارتکبتها طائراتها بحق المدنیین. وعلى هذه الخلفیة، أدرجت منظمات إنسانیة دولیة اسم السعودیة فی لوائحها لکونها «تُسهم فی حصار الشعب الیمنی وتجویعه».

أما المسار الثانی الذی تقف الریاض أمامه، فهو إیجاد حلول سیاسیة ضمن خیارات قلیلة، من بینها:

أولاً، التوصل إلى صیغة سیاسیة یجری التوافق علیها بین صنعاء والریاض، تنهی العدوان وتحوّل الصراع المباشر بین الیمن والسعودیة إلى احتراب داخلی، تعمد خلاله إلى مدّ القوى الیمنیة الملتحقة بها بالمال والسلاح وتحاول هی أو حلفاؤها فی مجلس التعاون الخلیجی أن یلعبوا دور الوسیط ظاهریاً.

غیر أن مخاطر هذا الطرح تکمن فی أنه یلزم السعودیة بوقف الحرب الجویة ورفع الحصار البحری والجوی. ومعلوم أن القوى الیمنیة المحسوبة على السعودیة لا تستطیع الصمود أمام الجیش و«اللجان الشعبیة» من دون التغطیة الجویة والبحریة السعودیة والخلیجیة.

هذا الواقع یعنی أن السعودیة، وهو الخیار الثانی، ستضطر مع حلفائها إلى الموافقة على صیغة حل سیاسی وفقاً للنتائج العسکریة والمیدانیة التی تصبّ فی مصلحة الجیش و«اللجان الشعبیة» فی الوقت الراهن.

وفی هذه الحال، لن ترضى صنعاء بأقل مما جرى التوصل إلیه فی الحوار الوطنی برعایة الأمم المتحدة فی صنعاء قبل بدء العدوان، وسیکون من الصعب الموافقة على الشراکة فی حکومة وطنیة مع القوى التی شارکت أو وافقت على العدوان. وسیکون على القوى المحسوبة على السعودیة البحث عن شخصیات یدها غیر ملوثة بدماء الیمنیین. ولکن فی المقابل، لا یبدو أن السعودی لدیه الجرأة لمثل هذا الحل، ولا سیما أن صنعاء لن ترضى بسحب «الجیش» و«اللجان الشعبیة» من المدن أو بتسلیم السلاح الثقیل من دون الاتفاق على حکومة وطنیة تکون ضامنة لهذه العملیة.

أما الخیار الثالث، فهو الدخول فی مرحلة من المراوغة، أی حالة من اللاحرب واللاسلم، وجعل الهدنة بإشراف الأمم المتحدة أو أطراف محایدة أخرى یوافق علیها الطرفان مع تعزیز الاهتمام بالجانب الإنسانی وإعطاء حریة أکبر لحرکة تنقل الیمنیین من الخارج وإلیه والسماح بمرور البضائع التی تلبی حاجة الشعب. ومن المرجح أن یعمد مؤتمر الحوار المنعقد حالیاً فی الکویت إلى إیجاد صیغ من وحی هذا الخیار مع تغلیفه بإطار خارجی تزیینی، لعدم إحراج الدولة المضیفة الکویت ومن ثم إظهارها بمظهر الوسیط النزیه القادر على الاستمرار بتأدیة الدور نفسه فی المستقبل. ویبدو أن هذا الخیار هو حاجة للطرفین کل حسب حساباته، غیر أن الطرف الیمنی لا یستطیع الاستمرار به لأکثر من بضعة أشهر.

التعليقات

تعليقات