الحجُ هذا العامُ في الجبهاتِ

737

المشهد اليمني الاول_ كتب/ أسامة بن محمد الجنداري

الحجُ هذا العامُ في الجبهاتِ

عندما يحينُ موسمُ الحج كانت عيناهُ ترافقُ قوافلَ الحجاجِ حتى يغيبُ أثرهم في الأُفقِ البعيد ، كان يُراقبهُم في لهفةٍ وشوق وعيناهُ تذرفُ الدمع في لحظاتِ توادُعِهم وهو يسألُ نفسهُ “متى أصيرُ رجلاً حتى أذهبَ للحج” فقد كانَ حينها فتىً لم يتجاوزِ الثانيةَ عشرَ من العُمر.

وفي نفس الموعدِ من كل عام تزدادُ شجونُهُ وتتجدّدُ آمالُهُ بالإلتحاقِ بتلكَ القوافل ، مرّتِ الأعوامُ وها قد صارَ رجلاً متزوجاً وفي تلك الفترة بدأ بتجميع الأموال التي يكتسبُها من تجارتِه لتحقيقِ أمنيتِه ، تلكَ الأمنيةُ التي رافقتهُ منذُ طفولتِه “الحجُ إلى بيتِ اللهِ الحرام”.

مضت الأيامُ وهو يدّخرُ من طيبِ مالِه وفي السنةِ المطلوبة وبعد أن استوفى المبلغَ الكافي وفي حينِ لم يتبقى لموسمِ الحجِ سوى خمسةَ أشهُر حدثَ ما لم يكنُ في الحسبان ، فقد قامَ النظامُ الحاكم لنجد والحجاز والمتمثل بأسرة آل سعود وبالتحالفِ مع قوى البغي والإستكبار العالمي كأمريكا وإسرائيل وبريطانيا وبمشاركةِ بعض الدول العربية ، قاموا جميعاً بشنِّ حربٍ ظالمة وعدوانٍ غاشم على اليمن كل اليمن أرضاً وإنساناً.

حاول أن يلتحق بالحجاج في ذلك العام رغم العدوان والحصار مُبرراً لنفسِهِ بأن الحرب قامت لأسبابٍ “سياسية” وأن أداءَ فريضةِ الحج هو أمرٌ ديني لا علاقةَ لهُ بما يدورُ في دهاليزِ السياسة وأن من حق كل مسلمٍ أن يقومَ بزيارةِ بيتِ اللهِ الحرام ، هكذا كان يعتقد ولكن ما حدث في الواقعِ كانَ على خلافِ ذلك حيث وأن ملوكُ الشرِّ والطغيان وخُدّامُ الصهاينةِ والأمريكان قاموا بمنع وعرقلةِ الشعب اليمني المسلم من أداءِ الركنِ الخامسِ من أركانِ الإسلام.

مضى موسمُ الحج وهو يذرفُ دموعَ الشوق الممزوجةِ بالحسرةِ والألم ويُسلّي نفسَهُ على أملِ أن ينتهي العدوانُ قبل مجيءِ الموسمِ القادم ، واستمرَّ الحال كما هو ومع اقترابِ موسمِ الحج للعامِ الثاني من العدوان ازدادت الجرائم والمجازر التي ترتكبها قوى البغي والظلم بحق الشعب اليمني فلا يكادُ يخلو أسبوعٌ من ارتكاب مجزرتين أو ثلاث بحق المدنيين وبالخصوص النساءُ والأطفال.

قضى أيامَهُ ولياليهِ في تفكُّرٍ وحيرة وهو يعلمُ أن لا سبيلَ للحجِ وآل سعود في الوجود يصدونَ عن المسجدِ الحرام وباتَ متيقناً بأن السبيلَ الوحيد هو اقتلاعُ هذه الشجرةِ الملعونةِ الخبيثةِ من جذورِها ، وفي تلكَ الليلة قام ليتوضئ ثم صلّى ركعتين واستخار الله عمّا قرر أن يقوم به ونام هانئاً ونفسُهُ تجوبُها طمأنينَةٌ عجيبة.

نهضَ من فراشِهِ مبكّراً وودّعَ زوجتَهُ وأهلَه وأخذَ الأموالَ التي جمعها للحج وجمعَ حاجيّاته في حقيبة وخرجَ من منزلِهِ مولياً وجهَهُ شطرَ أطهرِ الساحاتِ مُنشداً:

يا راجياً للحجِ في عرفاتِ الحجُ هذا العامُ في الجبهاتِ فلتلتحق بقوافلِ الحجاجِ في ساحِ الوغى واحرِم من الميقاتِ واجعل من الأكفانِ حولَكَ مئزراً وأصدح بتلبيةٍ من الميقاتِ فثيابُ إحرامِ المجاهدِ “جُعبةٌ” وبنادقٌ تهوي على الجمراتِ جيزانُ مِشعَرُ حجِّنا وعسيرُنا وجبالُ نجرانٍ وكُلُّ فلاةِ لبيكَ من تحتِ الركامِ نقولها والنصرُ للمظلومِ وعدٌ آتِ

نعم لقد أخذ بندقيتَهُ على كتفِه والتحفَ جعبتَهُ المليئةَ بطلقاتِ الرصاص بالإضافةِ إلى مصحفٍ صغير كتابِ الله الذي هو سرُّ إنتصاراتِنا وجعلَ من كفنِهِ إزاراً ومضى مُحرماً مُلبياً صوبَ جبهةِ القتال صوب ساحات الشرف والبطولة خرجَ لقتالِ من قاموا بالصد عن سبيل الله لقتال من قاموا بالصد عن المسجدِ الحرام إستجابَةً لقولِهِ تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ ، وأنفقَ أموالَهُ على المجاهدين في سبيل الله ، تلكَ الأموال التي ادّخرها لزيارةِ بيتِ اللِه الحرام هاهو اليومَ ينفقُها في سبيل تحريرِ بيتِ الله من رجسِ آل سعود.

فهاهوَ يطوفُ بمواقِعِ العدو لتطهيرِها ساعياً بين صفا تلكَ الشعابِ ومروتها لتحريرها واقفاً بشموخٍ على صعيدِ قمم الجبال يبيتُ مرابطاً في الوديانِ والسهول رامياً معسكراتِ العدو بالقذائفِ والصواريخ مُضحّياً بمدرعاتِهم ودباباتِهم ، الله الله ما أعظمَ هذهِ الشعائرِ لو تفكرنا فيها ، ولو تدبرنا لعرفنا أن أعظمَ الحج هو الحجُ في جبهات القتال وفي ميادينِ الجهادِ المقدّس.

صنعاء الأحد التاسع من ذي الحجة 1437هـ الموافق 11 / سبتمبر / 2016م #أبوالليث_اليماني

التعليقات

تعليقات