العلاقات السعودية «الإسرائيلية» من تحت الطاولة الى التحالف الاستراتيجي

706

العلاقات السعودية «الإسرائيلية» من تحت الطاولة الى التحالف الاستراتيجي..

تطرقنا في الجزء الأول الى خطة الصهيوني عوديد يينون وكيف تسعى السعودية الى تنفيذها، وسلطنا في الجزء الثاني الضوء على المشتركات الفكرية بين الحليفين والأهداف المشتركة.

المشهد اليمني الأول| تقرير – رضا حرب

لا بدّ انّ القارئ يتساءل عن إمكانية نجاح أو فشل هذا التحالف الصهيو – وهابي. في هذا الجزء الثالث والأخير نشرح الأسباب الأربعة الرئيسية التي ستهزم التحالف وتمنعه من تحقيق أهدافه:

1 – الجغرافيا السياسية للمملكة: يُقال انّ الجغرافيا أمّ السياسة، بمعنى انّ السياسة الخارجية للدولة يجب ان تخضع للجغرافيا، ايّ انّ الجغرافيا يجب ان تصنع القرار الاستراتيجي، لا سيما المتعلق بالمصالح المشتركة للمحيط الجغرافي. يُقال انّ نابليون قال ذات مرة «أعرف جغرافية الدولة تعرف سياستها الخارجية».

في إحدى إطلالاته وصف عادل الجبير السياسة السعودية بالبراغماتية، وهو تعريف مثير للجدل لسياسة دولة تحكمها ايديولوجيا منغلقة جمعت بين البربرية والجاهلية. للوهلة الأولى تظنّ انه يعرّف السياسة الخارجية لدولة كالسويد او الدانمارك، وعندما تفيق من الصدمة تجد نفسك أمام غوبلز سعودي.

على العموم، عدم فهم الجغرافيا وأهمية الجغرافيا في صناعة القرار الاستراتيجي يمكن ان تصنع أوهاماً تؤدّي الى كوارث، فما بالك اذا كان هناك عدم معرفة او سوء فهم للعوامل الجيوسياسية التي تحفز القرار الاستراتيجي. من هنا يمكن القول انّ أصحاب القرار في السعودية ارتكبوا الخطأ الذي يهدّد الكيان السعودي بأكمله.

العوامل الجيوسياسية لليمن تؤهّل الشعب اليمني تحقيق النصر والعوامل الجيوسياسية للسعودية لا تؤهّلها خوض الحروب لأنها لا تمتلك أياً من عناصر القوة الذاتية باستثناء براميل النفط.

لم يستند السعوديون على الحقائق الجيوسياسية لكلّ من المملكة واليمن في قرار الحرب فسقطوا في الفخ الأميركي. فضلا عن ذلك، الجهل في فهم العوامل الجيوسياسية يعني الفشل في استراتيجية الدولة، وبالتالي عدم اللجوء الى المعادلة الاكثر أهمية في صناعة الحرب والسلام وهي «المكاسب الخسائر المخاطر». كما كان على آل سعود ان يفهموا انّ القدرات العسكرية في الحروب اللاتماثلية لا تشكل دليلاً على تحديد هوية المنتصر وهوية المهزوم استطاع أنصار الله رغم فقرهم وضعف إمكاناتهم نقل المعركة إلى الأراضي السعودية أو بالأحرى المحافظات اليمنية المحتلة .

الحروب اللاتماثلية تقلّص الفجوة بين الطرف الأقوى والطرف الأضعف لدرجة انّ الاستراتيجيين يقولون بأنّ القدرات العسكرية تأتي في المرتبة الثالثة بعد الإرادة والمعنويات، بل في المرتبة الخامسة بعد الإرادة والمعنويات والاستراتيجية والتكتيك.

هناك نقطة مهمة سيكون لها الأثر المهمّ على مستقبل المملكة. العوامل الجيوسياسية للمملكة تنتج تناقضات لا تحتاج إلا لأدوات الصدام.

اليوم، لو عاينا الوضع السعودي العام، سنرى انّ الحروب التي أشعلوها في العراق وسورية استنزفتهم مادياً، وحرب اليمن استنزفتهم عسكرياً ومعنوياً، والرأي العام العالمي يراها الأمّ البيولوجية والراعية للإرهاب.

التحالف مع الكيان الصهيوني يزيد من أوهام آل سعود

2 – حدود القوة الاسرائيلية: بسبب حرب تموز 2006 وتداعياتها على قوة الردع الاسرائيلية بات الاسرائيليون اكثر ادراكاً بحدود قوتهم في الحروب اللاتماثلية، وبالتالي أقصى ما يمكن ان يفعلوه في هذه المرحلة الشديدة الحساسية هو القيام بما يطلقون عليه في عرفهم العسكري «اشتباكات بين الحروب».

الردع المتبادل يحكم الواقع الراهن والتدمير المتبادل بات أمراً واقعاً لا يمكن للإسرائيليين تجاهله، وهم فعلاً من الناحية العملية لا يتجاهلونه.

فكما قلبت حرب نيسان 1996 الوضع في منطقة المواجهات رأساً على عقب وخلقت معادلة أسّست للانسحاب الإسرائيلي عام 2000، جاءت حرب تموز 2006 بنتائجها وتداعياتها على مفهوم الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي لتخلق واقعاً إقليمياً جديداً عنوانه «الردع الاستراتيجي»، لذا يمكن القول بأنّ ما قبل حرب تموز ليس كما بعدها. قوة الردع الاسرائيلية تآكلت أمام تنامي قوة الردع عند حزب الله، خصوصاً، وعلى ما يبدو انّ حزب الله قد حسم أمره في الانتقال من «الردع الدفاعي» الى «الردع الهجومي».

السجال داخل الكيان الصهيوني على مستوى صناع القرار ومراكز الدراسات حول حدود القوة الاسرائيلية ومفهوم الأمن الاستراتيجي يؤكد انّ المواجهة المفتوحة مع حزب الله ومن خلفه محور المقاومة ليست في صالح «إسرائيل». هذا الأمر يصيب السعوديين بهستيريا لانه لا يتلاءم مع أحلامهم وأوهامهم.

السعوديون يريدون هزيمة حزب الله بأيّ شكل ومهما كلف الأمر، والاسرائيليون من جهتهم أذكى من أن يتورّطوا في حرب «الوكلاء». «إسرائيل» قوة كبرى لكن حدود قوتها باتت معروفة، والقوة السعودية مرتبطة بنيوياً بالمظلة الأميركية المتراجعة لاعتبارات تتعلق بالأولويات، ومرتبطة أيضاً بقدرتها على توظيف الإرهاب التكفيري الذي يتراجع على وقع ضربات خصومه. لذا، رغم عنتريات عادل الجبير يمكن عنونة هذا التحالف الصهيو – وهابي «تحالف بين مردوع وعاجز».

3 المقاومة الفلسطينية: دولة غزة المحاصرة براً مصر واسرائيل والمحاصرة بحراً السعودية ومصر واسرائيل ، لن تكون أكثر من معسكر Camp يتمتع بمساحة جغرافية تستوعب أهل غزة ونسبة من فلسطينيّي الشتات الذين سيرفض عرب الاعتدال والغرب استقبالهم بقعة جغرافية لا تتمتع بأيّ من مقومات الدولة السيادية. السؤال: بعد كلّ تلك التضحيات التي قدّمها الشعب الفلسطيني على مدى عشرة عقود او ما يزيد، هل ترضى المقاومة الفلسطينية الحلّ الذي تريد المملكة الوهابية فرضه كأمر واقع؟ وهل يرضى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية ان ينال الكيان الصهيوني «شرعية سُنية» فتضيع فلسطين التاريخية؟ الجواب بكلّ بساطة «لا» وألف «لا»، المعطيات والحقائق التاريخية تؤكد ذلك.

المؤامرة لن تمرّ

رغم اجتياح الإرهاب الوهابي للعراق لخلق كيان عازل في نينوى والأنبار يقطع الاتصال بين غرب محور المقاومة وشرقه، كان يوم القدس العالمي في العراق رسالة بليغة تقول انّ فلسطين ليست قضية شعب بل قضية أمة. ورغم محاولات الإرهاب الوهابي وعرب الاعتدال تقطيع أوصال سورية وتفتيتها الى كيانات طائفية، ورغم الغدر وعدم الوفاء من حماس، لم تنس القيادة السورية للحظة واحدة القضية الأمّ.

المؤامرة التي يحيكها التحالف الصهيو – وهابي ومعهم «عرب الاعتدال» لن تمرّ للأساب الرئيسية التالية:

اولاً الشعب الفلسطيني أكثر إدراكاً من ايّ وقت مضى انه ليس وحيداً في المعركة، وانه قادر على ابتكار أنماط جديدة في المواجهات تثير الرعب في «إسرائيل». انتفاضة السكاكين التي أثارت الرعب على امتداد جغرافية الكيان يمكن ان تتوسع في مرحلة مقبلة او تتحوّل الى انتفاضة الاستشهاديين والسيارات المفخخة.

الخيار الوحيد للشعب الفلسطيني هو المقاومة، وخيارات المقاومة متعدّدة، وطالما العدو معروف والهدف معروف، فالاستراتيجية والتكتيكات الميدانية لها كلمة الفصل.

ثانياً – إذا قرّرت حماس ان تغيّر جلدها بعد ان استهوت القادة السياسيين الشيكات وفنادق الخمس نجوم، سيخرج من رحمها فصيل لا يتكلم سوى لغة البندقية ولا يفهم سوى الخنادق. كما يجب ان لا ننسى انّ كلّ قدرات حماس تأتي من مصدر معروف وهو محور المقاومة، فمن الطبيعي ان ينتقل الدعم الى الفصائل التي تحافظ على هويتها ونهجها كمنظمة الجهاد الإسلامي التي يمكن ان تقود المرحلة المقبلة.

ثالثاً بحكم الجغرافيا، الضفة الغربية تشكل تهديداً أكبر على حاضر ومستقبل الكيان لأنه يفتقد الى العمق الاستراتيجي. كما يشكل التداخل بين المناطق والناس حافزاً للفلسطينيين لابتكار وسائل جديدة في المقاومة، فإنه يولد ارتياباً وخوفاً دائماً لدى الاسرائيليين.

رابعاً – ثقافة المقاومة في الضفة الغربية تتقدّم أمام تراجع ثقافة الاستسلام والانهزام. التمدّد السريع لانتفاضة السكاكين تؤكد انّ الشعب الفلسطيني، رغم انخراط فئة شاذة ومنحرفة دينياً وأخلاقياً في الإرهاب التكفيري، لا زال بأكثريته مقتنعاً بأنّ التاريخ تصنعه الخنادق وليس الفنادق، لا أوسلو ولا مدريد ولا كامب ديفيد.

4 الوعي السّني: هل يقبل «السّنة» ان تكون «إسرائيل» التي طردت الشعب الفلسطيني من أرضه وسلبته كافة حقوقه الطبيعية ان تتحوّل من عدو استراتيجي وايديولوجي الى صديق وحليف على حساب القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وضحايا المجازر الاسرائيلية؟ والسؤال الثاني لا يقلّ أهمية عن السؤال الأول: هل يقبل «السّنة» ان يكونوا وقوداً لحروب الوهابية؟

المؤشرات تؤكد انّ الوعي «السُني» خالف التوقعات السعودية وجاء على غير ما ترغبه المملكة الوهابية، فأصابها بإحباط وتخبّط دفعها الى محاولة فرض أمر واقع من خلال الإعلان عن تحالف «سني» لم تستجب له سوى دول فاشلة ودول مفلسة ودولة سبقت السعودية بارتكاب جرائم حرب، واللافت انّ الدول «السنية» الكبرى والفاعلة اُضيف اسمها الى قائمة تحالف محمد بن سلمان من دون علمها وعلى غير رغبتها.

رغم صرف السعودية لأموال هائلة على زرع بذور الفتنة الا انها لم تحصد سوى الخيبة وراء الخيبة لسببين رئيسيين هما «الوعي السني» وعدم انجرار محور المقاومة الى الفتنة. هذا الوعي المشترك استطاع لحدّ الآن تحجيم، او بالأحرى إفشال المخطط الصهيو – وهابي. لكن يجب ان نعترف انّ هناك تقصيراً واضحاً في فضح الوهابية وفضح خطرها على الإسلام والمسلمين لا سيما على «السّنة».

العالم «السّني» بحاجة الى المزيد من العلماء كفضيلة الشيخ ماهر حمود وفضيلة الشيخ الدكتور خالد الملا بصوابيتهم وجرأتهم وشجاعتهم.

المركز الدولي للدراسات الامنية والجيوسياسية

التعليقات

تعليقات