كتب/ ناصر قنديل: خلف المشهد الإقليمي: إنهيار السعودية
– يدق التصويت المتتابع في مجلسَي الشيوخ والنواب الأميركيين لإسقاط الفيتو الرئاسي على قانون جستا، جرس الاستيقاظ للغافلين عما يجري للسعودية ووضعه في سياق مناسب للمساعدة على فهم ما يجري في المنطقة، فتتبدّد حيرة الكثيرين، وخصوصاً النائب وليد جنبلاط، في تفسير مسارعة الرئيس سعد الحريري لتموضع غريب عجيب في رأيه، يشبه برأي جنبلاط تموضع والد الشيخ سعد الرئيس الراحل رفيق الحريري مع خيار التمديد للرئيس إميل لحود قبل إحدى عشرة سنة، كما يفسّر ما يجري للسعودية للذين يتساءلون بحيرة عن سبب تسارع التنازلات بحثاً عن حلّ سياسي من جانب حكومة منصور هادي في اليمن، ويمكن أن يفسّر الكثير مما يجري حول سورية، والكلام عن التركي عن تفسير توجه الرئيس رجب أردوغان نحو موسكو وطهران بعدما انتظر شهوراً تحقيق وعد سعودي بتعويض الخسائر الناجمة عن العقوبات الروسية، على الأقلّ في القطاع الزراعي، ولكن دون نتيجة.
– ذهب أردوغان إلى موسكو وعينه على جرابلس، بعدما خفض سقوف توقعاته ولو بقي صراخه عالياً، وما يجري في شرق حلب تحت عينيه أدق تعبيراً عن حقيقة حدود قدرته على الحركة وحجم الخطوات المتاح له القيام بها قياساً بما كان يمكن أن يفعله ويقوله لو حدث شيء مشابه قبل عام، وفي ذاكرة أردوغان فتح الله غولن الواقف وراء الانقلاب العسكري عليه والقابع في واشنطن، فيما يذهب الحريري إلى حارة حريك بعدما يطوف جولة العروس من بنشعي إلى الرابية وعين التينة، وعينه على طرابلس، حيث الشريط السياسي الذي يستهدف تيار المستقبل، وفتح الله غولن ريفي الذي وقف وراء الانقلاب البلدي على الحريري ويستعدّ للانقلاب النيابي عليه، والقابع في الحضن السعودي، وهذا كله من جرابلس إلى طرابلس ومن غولن إلى ريفي، يمكن فهمه في معرفة ماذا يجري للسعودية، حيث تبدو الديمقراطية الأميركية والقضاء الأميركي آلتين لتصفية الحساب بنسختيه الأخوانية والوهابية، بعد زواج عقود ورهانات على خيارات مصيرية واستراتيجية، خابت جميعاً وجلبت الكوارث.

– البداية من الفشل التركي السعودي في تطويق الثلاثي سورية وإيران وحزب الله، ومن ثم الفشل المكرر والذريع في الفوز بحرب إسقاط هذا الثلاثي في الحرب السورية، والتتمة بالعقوبة الأميركية للثنائي التركي السعودي، والتموضع عند خطوط المصالح المباشرة المحمية بقوة ما تملكه أميركا في حقول المال والسلاح وأنابيب المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، وصولاً للمكانة الحتمية في صناعة الشرعية الدبلوماسية والقرارات الأممية لمفاوضات تفرضها حكماً شريكاً لا يمكن أن تستغني عنه روسيا ولا الصين ولا إيران، جدار أميركي من أنابيب المال والمعلومات والتكنولوجيا والطاقة، تحتمي وراءه أميركا يشبه جدار الاسمنت الذي قرّرت القيادة الإسرائيلية الاحتماء خلفه وتستعد ربما لخطوات دراماتيكية لتحويله جداراً دبلوماسياً سياسياً قانونياً، تحت شعار الدخول في مفاوضات لعملية سلام برعاية أميركية روسية.

– تدخل السعودية المرحلة الأخيرة من مسار الانهيار الذي كانت حلقته الأولى بتكسر رماح التفوق الإسرائيلي العسكري في الشرق الأوسط، الذي منح السعودية بعد العام 1967 وهزيمة مشروع القائد التحريري العربي الكبير جمال عبد الناصر، فرصة تثبيت زعامتها للعالم العربي منذ العام 1970 وتوطيدها بقوة ارتفاع أسعار النفط بعد حرب تشرين العام 1973، ومنذ سقطت الهيبة الإسرائيلية وظهرت أوهن من بيت عنكبوت، بدأ تداعي الزعامة السعودية، في مسار بدا عام 2000 بالانسحاب الإسرائيلي القسري من جنوب لبنان وصولاً لحرب تموز 2006 التي استهدفت لبنان لسحق المقاومة وانتهت بهزيمة إسرائيلية مدوية. وجاءت الحلقة الثانية مع الفشل السعودي في إسقاط سورية ووضع اليد عليها رغم حجم التورط المالي والمخابراتي وتوظيف تنظيم القاعدة بتفاهمات مباشرة ليتحوّل إلى الجيش المعتمد الوحيد لإسقاط سورية ورئيسها، وفق وصف نائب الرئيس الأميركي جو بايدن أمام جامعة هارفرد. وجاءت الحلقة الثالثة للانهيار في الفشل السعودي بإيقاف الاندفاعة الأميركية نحو توقيع التفاهم حول الملف النووي الإيراني، بعد العجز عن الضغط على الأميركيين لتنفيذ الضربة العسكرية التي جاؤوا بأساطيلهم لتنفيذها ضد سورية، وصولاً لفشل سعودي غير متوقع في حساباتهم في حربهم على اليمن وتحولها بالتتابع إلى مأزق أمني استراتيجي ووجودي، يستنزفهم مالياً، ويهدّد وحدة النسيج الاجتماعي والجغرافي الذي يشكل اليمينون جزءاً عضوياً منه، لتصل الحلقة الأخيرة مزدوجة.

– يواجه السعوديون أول تحدّ من نوعه منذ دخولهم كقوة مهابة الجانب بورصة القدرات المالية، فهم أمام متغيّر لم يكن في الحساب، فللمرة الأولى يصوّت مجلسا النواب والشيوخ الأميركيين لإسقاط الفيتو الرئاسي على قانون يخص السعودية، وبغالبية تصل حدّ الإجماع، والقانون يتيح لأهالي ضحايا أحداث الحادي عشر من أيلول مقاضاة حكومات الدول التي يحمل الانتحاريون جنسياتها طلباً للتعويض، والأمر ليس بالتعويض، ولا برمزية التخلي السياسي فقط، ولا بالمهانة المعنوية وحسب، إنه بما سيحدث من تجميد لكلّ الأرصدة السعودية في البنوك الأميركية مع رفع أول دعوى بموجب القانون، ريثما يبت بالدعوة، التي تليها دعاوى، وهذا يعني الاستعداد السعودي لبقاء قرابة السبعمئة مليار دولار هي كل ما تبقّى من ثروتهم، والموجودة في المصارف الأميركية، مجمّدة إلى أجل غير مسمّى، بعدما تورّط السعوديون كيداً في حرب أسعار لدفع روسيا وإيران للإفلاس خلال عامين ماضيين، او الاستسلام السياسي، ما أدّى إلى انخفاض الدخل السعودي سنوياً قرابة الثلاثمئة دولار بهبوط سعر البرميل من مئة وأربعة وعشرين دولاراً ليلامس سعر الثلاثين ويستقرّ بين الأربعين والخمسين، بالنسبة لدولة يشكل النفط مصدر دخلها شبه الوحيد وتبيع اثني عشر مليون برميل يومياً، وترتب مع تدني الدخل وإنفاق الحربين السورية واليمنية، المباشر وغير المباشر، تسجيل عجز سنوي يقارب المئة مليار دولار في الموازنة السعودية، من دون أمل سوى الإنفاق من الأرصدة المودعة في البنوك الأميركية والعودة لسياسة رفع أسعار النفط بضبط السوق بالتعاون مع روسيا وإيران.

– عرض السعوديون على الروس التعاون فطلبوا صفقة متكاملة سياسية نفطية تبدأ من سورية، وذهبوا إلى الجزائر في اجتماع أوبك يطلبون تعاوناً إيرانياً، فكان الجواب أنّ إيران بعد التفاهم استعادت مكانتها في الأسواق النفطية ولن ترتضي السير بتخفيض إنتاجها مقابل تخفيض سعودي لرفع الطلب على النفط ورفع أسعاره، فقد جاء دور إيران لردّ الصاع صاعين، وقالت إيران إنّ من حقها أن تطلب رفع حصتها إلى سبعة ملايين برميل يومياً لعشر سنوات مقبلة لتعويض ما فاتها من حصتها المتفق عليها بسبب العقوبات واستعمله الآخرون وأولهم وأهمّهم السعودية، وصولاً لاقتراح أن تخفض السعودية إنتاجها إلى خمسة ملايين برميل يومياً مقابل خمسة مثلها إيران. وهذا يعني عدم تحقيق السعودية لأيّ تحسين في دخلها، بل المزيد من الخسارة أملاً بأن يترتب على الخفض تحسّن في السعر يعيد لها ما تناله اليوم، ولكن بعدما يبلغ السعر قرابة المئة دولار للبرميل، وتحمل نزف مالي إضافي قد يتواصل لسنة وأكثر، وبمجرد فشل اجتماع الجزائر لمنظمة أوبك تراجع سعر برميل النفط 10 وبدأ الإنهيار في بورصات الخليج وأسعار الأسهم بنسب تراوحت خلال ساعات بين 5 و10 .

– السعودية وفقاً لوصف المرشح الرئاسي الأميركي دونالد ترامب كيس مال فقط، وبالمناسبة تلاقى ترامب مع منافسته هيلاري كلينتون، في دعم التصويت ضدّ الفيتو الرئاسي ما يسقط أيّ آمال سعودية في تحسين أوضاعهم المالية ما بعد انتخابات الرئاسة الأميركية، ويبقي لهم أملاً وحيداً، بوابته التفاهم مع إيران في سوق النفط وأشياء أخرى.

– الشيخ سعد الحريري واحد من العائلة ويعرف ما يناقش من هموم واهتمامات في سهرات دواوينياتها وأمام حجم الكرب والندب لا مكان للحديث عن همومه، إلا بالانصراف لقلع شوكه بيديه، فكلّ شيء في السعودية مال، وكيس المال ينضب، وتعويم الحريرية له بوابة واحدة هي السراي، ومفتاحها في حارة حريك مروراً بكأس الرابية المرّة، مثلما هي بوابة الأمان التركي في موسكو وطهران، وبوابة الأمان العدني في صنعاء، كيف وأنّ الضغوط تتسارع، فماذا لو تأخر أردوغان عن التموضع وتواصل الشريط الكردي، وماذا لو تأخرت جماعة منصور هادي عن التسوية وفاجأهم السعوديون بعدما طردوهم من الرياض إلى عدن، بإعلان وقف الحرب من طرف واحد ودون تنسيق، وماذا لو تأخر الحريري ونزل العونيون إلى الشارع، وقرر أشرف ريفي أو غيره توريط الحريري بنزول شارع، واضطر حزب الله للتحرك؟

– زمن الحقبة السعودية ينتهي، وعلى الجميع ترتيب أمورهم على هذا الأساس عاجلاً أم آجلاً.

التعليقات

تعليقات