كتب/ محمود عبد اللطيف: السعودية تخرج قطر من الساحة الجهادية

أسس أبو عبد العزيز القطري بالتعاون مع مجموعة من الشخصيات الجهادية تنظيم جبهة النصرة، إلا أن عدداً كبيراً من الخلافات التي كان من أبرزها العلاقة مع تنظيم داعش، دفعت القطري إلى التعاون مع “أبو مصعب الأنصاري” لتأسيس “سرايا القدس”، التي تحولت لاحقاً لمسمى “جند الأقصى”، وأصبحت بذلك الفصيل الذي يعد أكثر الفصائل الجهادية جدلية في المنطقة الشمالية من سورية، إذ كانت الجند أولى الفصائل الرافضة للقتال خارج مناطق جنوب إدلب وشمال حماة لصالح أي معركة، وتعتبر إن التعاون مع أحرار الشام والنصرة من دون التنسيق المباشر مع “داعش” مسألة خارجة عن قواعد الجهاد، ومنذ انشقاق “الجند” عن تنظيمهم الأساس، أصبحت العلاقة مع بقية الفصائل متواترة بشكل علني وصلت إلى مرحلة الاشتباك في أكثر من مرة ومع أكثر من فصيل بما في ذلك جبهة النصرة.

في الـ 11 من شهر تشرين الثاني من العام 2014 عثر على جثة “أبو عبد العزيز” في بئر ببلدة “دير سنبل” التي كانت مقراً لميليشيا “جبهة ثوار سورية” التي كان يقودها “جمال معروف” المتهم الأساس في مقتل القطري، وشكلت هذه الحادثة منصة لصعود السعودي “أبو ذر النجدي” ليتسلم قيادة الجند بشكل غير رسمي من خلال تحكمه بكل مفاصل التنظيم برغم تسلم “أبو دياب السرميني” القيادة العامة للجند، وذلك ليكون التنظيم غير مرفوض من “الجهاديين السوريين”.

وكان للنجدي – المعروف أيضاً بلقب الحارثي- ويعد العقل المدبر لكامل تحركات الجند الفضل الكبير في تطبيع العلاقة أكثر مع تنظيم “داعش”، إذ تفيد المصادر الجهادية بأن الجند تعتبر بمثابة “كراج الرقة في مناطق الشمال”، بمعنى آخر إن أيا ً من العناصر الذين يرغبون بالانضمام إلى داعش، يتواصلون مع “الجند للانتقال من خلالهم إلى الرقة عبر شمال شرق حماة، وأبرز الشخصيات التي يتواصل معها “أبو ذر” من تنظيم “أبو بكر البغدادي” هي “أبو الفاروق المصري” الشخصية التي تلعب دور “نائب والي الشام”، أي نائب “أبو حمزة العراقي” الذي يعد ممثل للبغدادي في سوريا، ويساعد النجدي في تفعيل العلاقة مع “داعش” وقيادة المعارك “أبو أحمد القطري”، الشخصية التي تمتلك صلاة مباشرة مع رجال أعمال قطريين وكويتيين يقومون بتمويل التنظيم تحت مسمى “الزكاة”.

ونتيجة للخلافات العميقة مع “جبهة النصرة” التي وصلت إلى حد الاشتباك واقتحام النصرة لمقرات الجند في منطقة “قصر ابن وردان” بريف حماة الشمالي الشرقي خلال شهر حزيران الماضي، بحجة إن هذه المقرات هي معابر آمنة لداعش نحو غرب سورية، فمن غير المنطقي القبول بـ “بيعة السرميني” لـ “الجولاني”، خاصة وإن الأخير كان قد طلب في الشهر الماضي إحالة ملف اعتقال النصرة لـ 50 جهادياً في شمال شرق حماة من قبل “النصرة” بحجة ارتباطهم بداعش ومحاولة وصولهم إلى الرقة بمساعدة “جند الأقصى” إلى المحكمة الشرعية، كما إن رفض “الجند” القتال في حلب، واتهامها لـ “النصرة والأحرار” بتعطيل معركة حماة أكثر من مرة وصولاً إلى الاتهام المباشر للأحرار بـ “تعطيل معركة مروان حديد”، فإن بيان البيعة يشوبه الكثير من الصدقية، خاصة وإن “قاطع حماة ” في تنظيم الجند يرفض هذه البيعة، ويصر على تنصيب “أبي ذر” لقيادة التنظيم، ويقود هذا التيار شرعي الجند في “قاطع حماة” المدعو “أبو عبد الله كفروما”، الذي كانت الأحرار قد حاصرت منزله قبل أيام.

مصادر جهادية تحدثت عن اتفاقاً ما بين “أحرار الشام” و “جبهة النصرة” لحل “جند الأقصى” وتسليم المتورطين في “قتل عناصر الجند و البيعة لداعش”، وهذه الرواية هي الأقرب للواقع، خاصة وإن الأحرار تشكل القوة الثانية من حيث الحجم العددي والدعم الخارجي في مناطق الشمال، ولا يمكن للنصرة أن تتخذ موقفاً لصالح الجند في صراع تكون فيه طرفاً مع “الأحرار”, ولأن بيان البيعة الذي وقعه “أبو دياب سرمين” عن جند الأقصى كان بمثابة “استسلام من الجند للأمر الواقع” لكون الريح الجهادية ضد “الجند” بعد وصول الصراع إلى حد دفع بـ 16 فصيلاً من بينها فصائل توصّفها أمريكا بـ “المعتدلة”، ولم ينفع الجند في هذا الصراع إعلاناتهم السابقة عن تبعيتهم لـ “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”.

كما إن المنطق يرفض أن تكون “الجند” قد بايعت عن قناعة بمواقف النصرة، إذ إن الخلاف ما بين قيادة التنظيم مع “الجولاني” حول العلاقة مع داعش، ووجوب قتال تنظيم “البغدادي” ناتجة أصلاً عن نظرة الجند إلى “داعش” على إنهم من “أخوة المنهج” والقول بأنهم “خوارج” مسألة غير شرعية، لكون تنظيم البغدادي يبني موقفه مما يسمى بـ “الجيش الحر” على أساس “شبهة التعامل مع أمريكا”، وهي شبهة تجعل من مرتبكها وفقاً لقوانين “القاعدة” المعلنة “مرتداً واجباً قتله” وبرغم إن النصرة تؤمن بذات الفكرة إلا أنها تتعامل وتحمي الفصائل التي تتعامل مع أمريكا للاستفادة منها في جبهات القتال، وهذا الخلاف الجهادي من أكبر النقاط التي ترفض تصديق “البيعة”.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن جبهة النصرة تمكنت عبر “أبو ماريا القحطاني” من أخذ موقف من “أبو دياب السرميني” لأخذ البيعة منه للجولاني مقابل ضمان حياته مع المقربين منه، وحل تنظيم “جند الأقصى” قبل أن تصل المعارك مع “حركة أحرار الشام” إلى مرحلة تفتح احتمالات سقوط مناطق وتفسح المجال للجيش السوري للوصول إلى عمق إدلب بالاستفادة من جو الاشتباك الميليشياوي، وهو ما يحدث في شمال حماة بالفعل.

إلا أن المشهد الجهادي في الشمال السوري حالياً، يحيل إلى الوقوف على المشهد العام للمولين، إذ يعتبر “جند الأقصى” آخر الفصائل القطرية في الشمال السوري، بعد أن تمكنت السعودية من “ترويض” جموح النصرة ودفعها إلى إعلان فك الارتباط عن القاعدة، ووصل الأمر حد قبول النصرة بالتخلي عن القيادة العامة لـ “الفصيل الواحد” لصالح أحرار الشام، على أن تبقى القيادة العسكرية مشتركة، ولكون الأحرار ممولة سعوديا بشكل واضح، فإن “جند الأقصى” التي تحركت تحت ظل “المسميات الإخوانية” نحو “شمال حماة” بدفع قطري، الأمر الذي يعد بمثابة أكبر صدامات “قطر والسعودية” الجهادية في سورية، لكن رفض “قاطع حماة” من الجند لـ “البيعة”، فإنها تدفع المنطقة الشمالية نحو حرب جهادية ولكن بصورة أصغر من لو إن الجند بقية على قلب رجل واحد، وتمكن السعوديين من الوصول إلى هذه النقطة في سحب البساط الجهادي من تحت أقدام القطريين، يشير إلى أن الولايات المتحدة تتجه لتصعيد القتال وتضع الميليشيات أمام خيار “الفصيل الواحد” مجدداً.

التعليقات

تعليقات