سلط الصحافي الفلسطيني البارز عبد الباري عطوان الأضواء على أسباب انقلاب السياسة السعودية في اليمن ، و كتب ان تصريحات عادل الجبير وزير الخارجية السعودي تستحق اهتماما خاصا من اي محلل سياسي يريد فهم توجهات السعودية الاقليمية والدولية تجاه العديد من الملفات الباردة والساخنة ، على حد سواء ، لان الرجل يمكن النظر اليه كلسان حال الامير محمدبن سلمان ولي ولي العهدالسعودي ، والحاكم الفعلي للمملكة ،وصاحب القرار الاقوى فيها .

و اضاف عطوان : اذا کانت تصریحات السید الجبیر تصیب البعض بالملل والکآبة لطابعها التکراری ، خاصة عندما یتعلق الامر بسوریا ، وتأکیداته على رحیل رئیسها بشار الاسد ، سلما او حربا ، فإن تلک التی ادلى بها الى صحیفة “لوفیغارو” الفرنسیة ، ونشرتها امس ، وتحدث فیها عن تطورات الاوضاع فی الیمن، جاءت مختلفة، وتتضمن الکثیر من المواقف الجدیدة والمفاجئة فی الوقت نفسه، لانها تعکس تغییرا جذریا فی اولویات بلاده فی هذا البلد، الذی تقصفه طائرات “عاصفة الحزم” منذ اکثر منذ عام، وتقتل وتدمر کیفما تشاء (خلا لک الجو فبیضی واصفری) .

السید الجبیر قال للصحیفة الفرنسیة “ان تنظیمی داعش والقاعدة هما اول اعداءنا فی الجزیرة العربیة، فهؤلاء هم الارهابیون الحقیقیون، اما الحوثیون فهم یمنیون وجیراننا، ونحن نتفاوض معهم فی الکویت،  وجرى تقدم فی المحادثات حول بعض القضایا، ولا تزال هناک بعض الخلافات حول الاخرى”.
الحرب ضد تنظیمی “القاعدة” و”داعش” فی الیمن لم تکن فی قمة اولویات المملکة العربیة السعودیة او ذیلها، وکانت طائرات “عاصفة الحزم” تمر فوق تجمعاتهما فی ابین والمکلا وعدن مرور الکرام، ولم یحدث مطلقا ان شنت ای غارات علیها، حتى بعد استیلاء الاولى، “القاعدة”، على مدینة المکلا، عاصمة محافظة حضرموت، واقامت “امارة” اسلامیة فیها.

هذا التغییر فی سلم الاولویات فی الجبهة الیمنیة، أملته عدة اعتبارات نوجزها فی النقاط التالیة :
اولا: بعد دخول “عاصفة الحزم” عامها الثانی دون ان تحقق ایا من مطالب ، او شروط، الذین یقفون خلفها، وخاصة عودة القیادة الشرعیة (الرئیس هادی ومعظم وزرائه یقیمون حالیا فی الریاض)، واستسلام التحالف “الحوثی الصالحی”، والانسحاب من صنعاء، وتسلیم الاسلحة الثقیلة للحکومة الشرعیة.

ثانیا: الضغوط الامریکیة المکثفة التی مورست على القیادة السعودیة للبدء فی قصف مواقع التنظیمین المذکورین بشراسة، لان “الحرب على الارهاب” یجب ان تعطی الاولویة القصوى، حتى ان الادارة الامریکیة هددت بإیقاف التنسیق العسکری مع القیادة العسکریة السعودیة، وتبادل المعلومات وتحدید الاهداف، فی حال لم تنخرط الریاض فی مفاوضات الحل السلمی مع التحالف “الحوثی الصالحی”، وتضع الحرب على الارهاب على قمة سلم اولویاتها.

ثالثا: استجابة الادارة الامریکیة لطلب اماراتی بإرسال قوات خاصة للقتال الى جانب قواتها (الامارات) فی الیمن الجنوبی ضد تنظیمی “القاعدة” و”داعش”، وارسلت وزارة الدفاع الامریکیة (البنتاغون) اکثر من 200 جندی من القوات الخاصة الى حضرموت فعلا.

رابعا: تعاظم قوة التنظیمین المذکورین، وقدراتهما العسکریة والتسلیحیة بفضل انهیار الحکومة الیمنیة، وتجنب الصدام معهما من قبل قوات وطائرات “عاصفة الحزم”، ووصول معدات حربیة حدیثة من الدول المنخرطة فی هذه “العاصفة”، سقطت کمیات کبیرة منها فی ایدیهما، مما جعل عملیات قواتهما فی عدن وحضرموت اکثر فاعلیة، ومن بینها اغتیال العدید من الشخصیات السیاسیة والعسکریة، ومهاجمة معسکرات للجیش والتحالف العربی.

واذا تأملنا هذه العوامل الاربعة منفردة، او مجتمعة، یمکن فهم التحول الکبیر والمفاجیء فی الاستراتیجیة السعودیة فی الیمن، وانقلاب سلم اولویاتها رأسا على عقب، ولکن نجاح هذه “المقامرة” محفوف بالمخاطر، فشن حرب ضد عدوین قویین فی الوقت نفسه، وفتح جبهة جدیدة دون حسم الجبهة الاولى، ربما یؤدی الى تشتیت الجهود، وتکبد خسائر کبیرة.

ربما یجادل البعض، وما اکثر المجادلین هذه الایام ، بأن السعودیة وحلفاءها لم یغیروا هذه الاولویات الا بعد الانخراط فی مفاوضات الحل السیاسی مع التحالف “الحوثی الصالحی” فی الکویت ، وهذا جدل ینطوی على بعض الصحة ولیس کلها، فماذا لو انهارت هذه المفاوضات، واحتمالات الانهیار کبیرة، لان کل التقدم الذی تم تحقیقه انحصر فی الافراج عن نصف المعتقلین فی غضون عشرین یوما، ولم یتم تحقیق ای تقدم على صعید الملفات الامنیة او السیاسیة، حسب ما اکدت لنا مصادر مطلعة تشارک فی هذه المفاوضات وجلساتها.

ولعل التصریحات التی اطلقها العمید رکن احمد عسیری المتحدث باسم “عاصفة الحزم” (این کان مختبأ طوال الایام الماضیة) یوم امس وهدد فیها باقتحام العاصمة صنعاء، تؤکد ما ذکرناه آنفا حول هشاشة هذه المفاوضات، ودورانها فی دائرة مفرغة ، واستمرارها حتى الآن یأتی بسبب التدخلات الکویتیة على اعلى مستوى.

تهدیدات الفریق عسیری فی الملف الیمنی ، مثل تهدیدات نظیره الجبیر فی الملف السوری، فقد سمعنا هذه التهدیدات عن اقتحام صنعاء اکثر من عشر مرات، ان لم یکن اکثر، منذ بدایة الازمة وحتى الآن، وها هو یمر اکثرمن عام وقوات الفریق، ما زالت تقاتل فی مأرب وتعز، ولم تستول علیهما کلیا.

ما دمنا نذّکر الفریق عسیری بتصریحاته التی ربما یکون نسیها حول اقتحام صنعاء، فانه بات لزاما علینا ان نذّکر رفیق دربه السید الجبیر حول الحوثیین، الذین اکد مرارا ان التفاوض معهم “خط احمر”، وان علیهم الاستسلام کلیا لشروط “عاصفة الحزم” الخمسة، وهی معروفة على ای حال، ولا داعی لتکرارها.
بمعنى آخر، لم یعد الحوثیون، وحسب السید الجبیر، رافضة ومجوس وراس حربة للخطر الفارسی ، وتحولوا بقدرة قادر ، وفی لمح البصر ، الى یمنیین ، وجیران ، وبشر ، ولیس لهم ای علاقة بالفرس الاعداء ، وسبحان مغیر الاحوال .
هل سنسمع السید الجبیر یقول الکلام نفسه عن السوریین الذین یقاتلون فی الجانب الآخر، ویطالب برحیل رئیسهم سلما او حربا فی “یوم ما” فی المستقبل المنظور ؟

لیس هناک ای شیء مستبعد على السید الجبیر او قادته، فالوقائع على الارض تغیر الاولویات، وتحول الاعداء الى جیران، وما علینا الا الانتظار.

التعليقات

تعليقات