يبدو أن إسرائيل ستسعى إلى إقناع إدارة ترامب بالدفع نحو معادلة جديدة إزاء إيران. وتهدف من وراء ذلك إلى وضع طهران بين خيارين: إما تقديم التنازلات «الصاروخية البالستية» والإقليمية المتصلة بسوريا وحزب الله مقابل الالتزام العملي بالاتفاق… أو الانقلاب عليه والعودة إلى سياسة حافة المواجهة .

المشهد اليمني الأول| تقرير – علي حيدر

تجددت الرهانات الإسرائيلية إزاء إمكانية تغيير المعادلة الإقليمية والنووية مع إيران، في أعقاب فوز الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، وتعزَّزت هذه الرؤية مع تأكيده المتكرر لموقفه السلبي من الاتفاق النووي، وضرورة مواجهة التهديد الإيراني.
في المقابل، لاقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، توجهات ترامب الإيرانية بالإعلان أنه سيدعو الرئيس الأميركي المنتخب إلى إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، مؤكداً وجود «حلول لإلغاء الاتفاق النووي أكثر من المتوقع»، وكاشفاً عن أنّ لديه «على الأقل خمس أفكار لفعل ذلك، وسأبحثها مع ترامب عند لقائنا». مع أن نتنياهو رفض الإفصاح عن سبل إلغاء الاتفاق النووي، لكن الرفض الإسرائيلي الرسمي للاتفاق، في حينه، والانتقادات التي حددها في أكثر من مناسبة تشير إلى الاتجاهات العامة للطروحات الإسرائيلية التي تهدف إلى محاولة فرض صيغة محددة تلبي المطالب الإسرائيلية، على المستوى النووي، وأيضاً على مستوى خيارات إيران الاستراتيجية الإقليمية.
صحيح أن الاتفاق أطال المدة الزمنية الفاصلة عن إنتاج أسلحة نووية، من نحو 2-3 أشهر إلى سنة، وهو ما رأت فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نوعاً من الفرصة. لكن موقف نتنياهو السلبي جداً في حينه، انطلق من إدراك حقيقة فشل الرهانات على تحقيق ما كانت تطمح إليه تل أبيب بحديه الأدنى والأقصى، خاصة أنها كانت ترى في التلويح بالخيار العسكري الأميركي واستمرار العقوبات فرصة جدية لإضعاف إيران أو كبحها إقليمياً ونووياً. واستند هذا الموقف أيضاً من صدمة إقرار الاتفاق بتحول إيران إلى دولة نووية، باعتراف دولي… وشرعنة حقها بتخصيب اليورانيوم على أراضيها. فضلاً عن أن الاتفاق لم ينطوِ على تدمير أو إتلاف أي منشآت تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، ووضعه سقفاً زمنياً للقيود التي تضمنها الاتفاق. وهو ما أقلق تل أبيب ورأت فيه مصدراً للتهديد على المدى البعيد.
على خط موازٍ، كان للاتفاق مفاعيل أكثر خطورة وفورية، وهي التي حضرت بقوة أيضاً في وعي صانع القرار السياسي الإسرائيلي وحساباته، تمثل بفشل كل محاولات انتزاع أي تنازلات إيرانية تتصل بتطوير قدرات طهران الصاروخية الباليستية، أو أي موقف من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ومن دعم قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، والأمر نفسه ينسحب على سياساتها الإقليمية. ومع أن واشنطن حاولت طرح أكثر من قضية وعنوان في هذا المجال، لكن الخطوط الحمراء التي رسمها مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي للمفاوضات، حشرت إدارة الرئيس باراك أوباما بين خيارين: إما التكيف مع الإطار الإيراني للمفاوضات، أو التسليم بفشل محاولة التوصل إلى اتفاق، وهو ما دفع أوباما إلى إلاعلان أنه لم يكن هناك خيار بديل من هذا الاتفاق.
أكثر ما تجلى قلق تل أبيب من مفاعيل الاتفاق النووي الإقليمية، تمثل بالموقف الرسمي الذي صدر على لسان نتنياهو بنفسه عندما تلا بيان حظي بإجماع المجلس الوزاري المصغر في حينه، وأعرب فيه عن استعداد إسرائيل للموافقة على إيران النووية بشرط اعترافها بإسرائيل. لكن الجمهورية الإسلامية ترى في ذلك انحرافاً عن أحد أهم ثوابتها الذي يتجاوز البعد الاستراتيجي ويتصل بمنطلقاتها العقائدية، كما عبّر عن ذلك السيد الخامنئي.
مع ذلك، أوحى موقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي رأت في إطالة المسافة الفاصلة عن إنتاج الأسلحة النووية، وفق مضمون الاتفاق، فرصة فعلية، كما لو أن هناك تعارضاً مع تقدير المؤسسة السياسية وموقفها. لكن الحديث عن هذه الجوانب الإيجابية لا يعني أن المؤسسة الأمنية تنكر المفاعيل الاستراتيجية والإقليمية السلبية على إسرائيل وأمنها القومي. أيضاً، لا يعني رفض الاتفاق من قبل المؤسسة السياسية، وعلى رأسها نتنياهو، أنه ينكر التراجع النووي الإيراني الذي رأى فيه الجيش فرصة… بل المشكلة كمنت في جوانب أخرى من الاتفاق، نووية واقتصادية وإقليمية. وفي كل الأحوال، شكّل الاتفاق، من منظور إسرائيلي، إحدى أهم المحطات الأساسية التي بلورت واقعاً ومعادلات إقليمية لم تنكرها حتى واشنطن، في ظل إدارة أوباما التي عقدت الاتفاق. وتجلى ذلك في حجم المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي رصدتها لتل أبيب.
وعلى قاعدة التعامل مع الواقع، رسمت حكومة نتنياهو في حينه سياساتها وخططها واستعداداتها استناداً إلى أولوية مواجهة محور المقاومة في سوريا والمنطقة، وفي الوقت نفسه التسليم بأن الاتفاق بات واقعاً مفروضاً. لكن فوز دونالد ترامب بالرئاسة أوحى للقيادة السياسية في تل أيبب بإمكانية تجدد الرهانات وإمكانية إعادة لعب ورقة الاتفاق النووي للضغط على إيران بهدف الدفع نحو إعادة إنتاج صيغة ومعادلة جديدة تعزز موقع إسرائيل الإقليمي، وتضعف موقع إيران وحلفائها الإقليمي.
مع ذلك، يمكن الافتراض أن نتنياهو استخلص العبر من فشل رهاناته، وأيضاً، النتائج التي حصدها عندما حاول أن يغرّد بعيداً عن خيار إدارة أوباما، الذي برّر الاتفاق بعدم وجود بدائل تسمح بكبح تقدم المشروع النووي الإيراني. لكن مواقف ترامب المتشددة ضد إيران، أعادت إحياء الآمال في تل أبيب. ومع أنّ نتنياهو حاول التذاكي عندما تجنب الإفصاح عن السبل التي سيقترحها لإلغاء الاتفاق، لكن ليس من الصعوبة توقّع أنه سيحاول مباشرة، ومن خلال مبعوثيه، خلال المباحثات مع الإدارة الأميركية الجديدة، بحث سبل مفاقمة الضغوط الأميركية على إيران، لثنيها عن خياراتها الإقليمية في سوريا ولبنان وفلسطين، وأيضاً لجهة تطوير قدراتها الصاروخية البالستية واعتبار كل من هذه الساحات مبرراً ودافعاً للانقلاب على الاتفاق ورمي الكرة في الملعب الإيراني. وفلسفة هذا السيناريو أنه يقوم على وضع إيران بين خيارين: إما تقديم التنازلات مقابل الالتزام الفعلي بالاتفاق، وتحديداً ما يتصل بالاقتصاد، أو الانقلاب عليه بحجة خرقه من قبل إيران عبر سياساتها الإقليمية وتطوير صناعاتها العسكرية.
لكن المشكلة أن الطريق إلى ذلك محصور بأحد خيارين: إما الردع والتلويح بالخيار العسكري أو من خلال العقوبات الاقتصادية والمالية. ومع أن هذه السبل اختُبرَت خلال السنوات الماضية، تبقى حقيقة أن أي محاولة أميركية لخرق الاتفاق النووي قد تقابل بردود تناسبية من إيران، وهو ما سيضع الإدارة الجديدة، ومعها تل أبيب، أمام تحدي الخيار البديل، والسؤال عن الخطوات التالية. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن تل أبيب «تستدرج» واشنطن نحو سياسة حافة المواجهة مع طهران.
والسؤال الآخر حول كيفية ملاءمة هذه السياسة مع ما أعلنه من مواقف وخيارات تتصل بأولوية مواجهة الإرهاب في سوريا والعراق. في كل الأحوال، توحي المواقف الإيرانية التي بدأت بالتوالي محذرة من خرق الاتفاق، ومفاعيل وتداعيات ذلك على إسرائيل ودول الخليج، تشكّل مؤشراً كافياً على القراءة الإيرانية لمسار التطورات في المرحلة المقبلة.

التعليقات

تعليقات