«ذا نيويوركر»: ثورة مصر الفاشلة.. كيف حول «السيسي» مصر إلى «أشباه دولة»؟

1557

المشهد اليمني الأول |متابعات 

يملك الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، والذي جاء إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري أسفر عن قتل ما يقارب الـ 1000 شخص من أنصار سلفه، سمعة التحدث بهدوء جدًا وبكلام ناعم منمق. وهذه الطريقة غالبًا ما تسحر الأجانب. وتحدّث العديد من الأجانب الذين قابلوه كيف أنّه مختلف، وأنه مستمع، وودود.

غالبًا ما يبدأ الثورات أصحاب الجرأة والصراحة، ثم يجني ثمارها الذين يتحلّون بالهدوء والحذر. وفي فبراير/ شباط عام 2011، عندما أجبرت الثورة الرئيس السابق «حسني مبارك» على التنحي، كان «السيسي» رئيسًا للمخابرات الحربية، ولم يكن معروفًا أو مشهورًا للعامة. ورغم حصوله على دورة عسكرية في الولايات المتحدة، لم يكن هناك أحد يعرفه جيدًا، كما صرّح بذلك «تشاك هاغل» و«ليون بانيتا»، وزيرا الدفاع الأمريكيان.

حكم «حسني مبارك» مصر لمدة 30 عامًا دون تسمية نائب له. وبعد الإطاحة به، تولّى المجلس العسكري شؤون البلاد، وكان من المفترض أن يشرف على نقل السلطة لحكومة مدنية. وكان «السيسي» أصغر عضو بهذا المجلس. وأخبرني أحد المسؤولين بوزارة الخارجية الأمريكية أنّ «السيسي» كان مسؤولا عن التفاوض مع جماعة الإخوان المسلمين التي صعدت إلى السلطة فيما بعد عن طريق انتخابات ديمقراطية شعبية. وبعد تولّي الرئيس «محمد مرسي» الرئاسة عن الجماعة، قام بالإطاحة بالعديد من قيادات المجلس العسكري، وأطاح بوزير الدفاع أيضًا. وعيّن«السيسي» صاحب الـ 57 عامًا ذلك الوقت بدلًا من الجنرال البالغ 766 عامًا، ووثق الإخوان بـ«السيسي» باعتباره مسلمًا متدينًا. ونال ذلك ترحيبًا من الشباب الذين اعتبروه تحولًا إلى قادة شباب أكثر استنارة.

لم يمض وقت طويل قبل أن يخطو «مرسي» خطوة جريئة بإصدار إعلان دستوري يستبق المحكمة الدستورية العليا يحصن اللجنة التأسيسية للدستور ويعطيه بعض الصلاحيات الكبيرة. هي الخطوة التي دقّت أول مسمار في نعش وجود جماعة الإخوان في السلطة، حيث انقلبت الحركات الثورية وشباب الثوار على الجماعة والرئيس. كما نمت المعارضة بشكل كبير حتّى بين مؤسسات الدولة، حيث رفضت الشرطة العمل لصالح حكومة «مرسي». ولم يكن للسيسي تصريحات علنية كثيرة، لكن مع اشتداد الأزمة، كان «هاغل» هو الوحيد تقريبًا من الإدارة الأمريكية الذي يتواصل معه «السيسي»، وقد تواصلا معا أكثر من 50 مرة. ورغم أنّ الكثيرون يعتقدون أن الجيش كان يخطط للاستيلاء على السلطة، يرى «هاغل» أنّ «السيسي» لم يكن ينوي الاستيلاء على «السلطة». ويقول دبلوماسيون آخرون في أوروبا تواصلوا مع السيسي عشرات المرات أنّ «السيسي» لا يبدو من هذا النوع الذي قضى حياته في السعي ليكون رئيسيًا.

حتّى النهاية اعتقد الإخوان أنّ «السيسي» في صفهم. وأخبرني مسؤول بارز بوزارة الخارجية الأمريكية أنّ «مرسي أخذ على حين غرّة حين انقلب السيسي ضده». وبعد الإطاحة بـ«مرسي»، كان «السيسي» يتمتّع بشعبية جارفة، ولم ينضم لحزب سياسي وترشّح عام 2014 بنفسه وفي صمت. لكن بعد توليه الرئاسة ظهرت العديد من التسريبات تظهر «السيسي» يتحدّث عن أمور حساسة في الدولة ويطالب أيضًا بالضغط على دول الخليج من أجل الأموال. وزادت في حكمه انتهاكات حقوق الإنسان وتكميم الإعلام أكثر من عهد «مبارك». كما تراجعت الأحوال الاقتصادية بشدّة، ولا يبدو أنّ الرجل يمكنه إحداث تغيير لهذا الوضع.

السيطرة على الإعلام

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، طار «السيسي» في زيارة للمملكة المتحدة، أكبر مستثمر أجنبي غير عربي في مصر، لمقابلة «ديفيد كاميرون» رئيس الوزراء آنذاك، واصطحب على متن طائرة الزيارة بعض كبار الشخصيات مثل الجنرال المتقاعد «سامح سيف اليزل»، وقيل أنّ الزيارة كانت ذات أهداف اقتصادية.

وقبل 4 أيام، انفجرت طائرة متروجيت في الهواء بعد إقلاعها من مطار شرم الشيخ الدولي وكانت تحمل سياحًا روس، وقتل 224 شخصًا كانوا على متنها. ورّوجت التقارير الأولية احتمال أنّ السبب كان عطلًا فنيًا، لكنّ معلومات سرية احتفظ بها المحللون البريطانيون كانت تقول أنّ قنبلة قد زرعت في الطائرة عن طريق عناصر من «الدولة الإسلامية» هي سبب الانفجار. وكان لهذا أثره البالغ على ما تبقى من السياحة في مصر، وخصوصًا بعد تبني جماعة إسلامية مسلحة في سيناء كانت قد أعلنت ولائها لـ «الدولة الإسلامية» عام 2014، مسؤوليتها عن الحادث.

ولم يمر وقت طويل قبل أن تتوقف جميع الرحلات بين بريطانيا وشرم الشيخ، وعلق هناك 17 ألف سائح بريطاني. ولم يكن هناك أسوأ من توقيت ذلك الحادث أثرًا على الزيارة. وكان «السيسي» يقيم بفندق مندرين أورينتال بالقرب من هايد بارك. ومع حلول الساعة 8 مساءً من وقت وصوله، أحيط الفندق برجال الشرطة بعد تجمع عدد من المصريين يرددون هتافات التحرير، يسقط يسقط حكم العسكر!

وفي الداخل، كان وفد «السيسي» يملأ صالة روزبيري، مع رجال الحراسة ممتلئو الجسم بجوار النوافذ الزجاجية. وقابلت هناك «فتحية الدخاخني» الصحفية بجريدة المصري اليوم الخاصة في مصر، والتي أخبرتني أنّها تعرف أنّ الصحفييون لن يمكّنوا من طرح الكثير من الأسئلة عن حادثة سيناء، وأنّهم متواجدون فقط مجرد ديكور. (الصورة.. السيسي مع ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا السابق).

وبعد الانقلاب، اعتمد «السيسي» على دعم الإعلام المصري. حيث كان أغلب الإعلاميين متخوفين من حكم «مرسي»، وابتهجوا عند الإطاحة به. وظهر فيديو مسرب للسيسي يستمع لأحد الضباط وهو يقول: «في رأيي، أعتقد أنّ الإعلام يسيطر عليه من 20 إلى 25 شخص. وهؤلاء الأشخاص يمكننا التواصل معهم بطريقة غير معلنة».

لكن اجتماعات «السيسي» المتتالية بالصحفيين والإعلاميين لم تتسم بالسرية، ونشرت الكثير من اللقاءات للسيسي مع الإعلاميين. وفي أيام «مبارك» كانت السيطرة على الإعلام من خلال خليط من التهديدات والمكافآت، وانهار هذا النظام بعد الثورة. ولمدة عامين ونصف تمتع الإعلام بالحرية الكاملة، قبل الانقلاب على «مرسي». وبالرجوع إلى صالة روزبيري، وبعد حضور الصحفيين مؤتمرًا موجزًا، أخبرتني «الدخاخني» أنّها كانت الصحفية الوحيدة التي سألت عن حادث الطائرة، لكنّ المسؤولين أبدوا عدم رغبة للتطرق للأمر، وفضّلوا التركيز على الزيارة. وعندما سألتها هل ستتحدّث عن تلك القصة هناك في مصر، دفنت وجهها في يديها ضاحكة، كأنها تقول أنّها بلا حول ولا قوة. وقالت أنّ الجريدة قد رفضت تغطية أمر المتظاهرين المصريين، وبدلًا من ذلك، شدّدت على وجود تجمعات من المتظاهرين المؤيدين للسيسي. وأضافت «الدخاخني»، أنّهم ينشرون أشياءً في بعض المرّات، ويأتي لهم اتصال من الرئاسة أن «أزيلوا القصة».

وشهدت الزيارة بعد ذلك إصدار المحللين الروس في سيناء تقريرًا بوجود أدلة على ضلوع «الدولة الإسلامية» في حادث إسقاط الطائرة، وذلك ردًا على الهجوم الجوي الروسي في سوريا. ورفضت الحكومة المصرية و«السيسي» هذا الاحتمال. لكنّ الخارجية البريطانية قد أعلنت توقف جميع الرحلات بين بريطانيا ومصر. وأصدرت الحكومة المصرية بيانًا تتضرر فيه من القرار البريطاني، وقالت أنّ بريطانيا قد اتّخذت القرار من جانب واحد دون تشاور رغم الاتصالات العديدة رفيعة المستوى. وعندما تحدّثت إلى أحد الصحفيين عن الأمر، قال لي بأنّ بريطانيا وأمريكا يتآمران على مصر لضرب السياحة! وسألني لماذا لم تنتظر بريطانيا حتّى انتهاء الزيارة، «لماذا تريدون إحراج الرئيس؟».

رئيس بلا حزب

وغالبًا ما يقود السياسة في مصر شعارات الفخر والسيادة. ويحظى مسؤول بالشعبية لأنّه حار المزاج، أو لأنّه يصرخ في المسؤولين. لكنّ «السيسي» لم يعرف عنه الغضب أو فقدانه لأعصابه. وقد تعاملت الحكومة مع أمر الطائرة بمحاولة الاستفادة بإثبات وجهة نظر «السيسي» في الحملة التي شنّها على الحياة المدنية في مصر بداعي محاربة الإرهاب. لكنّ هذا أضرّ أيضًا بصورة «السيسي» كمنقذ وحام من الإرهاب.

عندما قابلت الصحفية «فتحية الدخاخني» مرة أخرى قالت لي أنّها قد تركت سلك الصحافة الرئاسي. وقالت: «إنّها ليست وظيفة. أنت تعمل ساعي بريد، تنتظر البيان الصحفي لتسلمه إلى الصحيفة». وقالت أنّها الآن رئيسة تحرير المصري اليوم على الإنترنت. وعند حديثها عن «السيسي»، أكّدت أنّه لا يختار أناس جيدين كمستشارين ولا يثق إلّا في الجيش، وأنّه يحتاج إلى حزب سياسي.

ومن بين أربعة رجال عسكريين حكموا مصر، فـ«السيسي» ليس لديه حزب. فجمال عبد الناصر والسادات كان لهم نشاطًا سياسيًا في صفوف الشباب، وتعاملوا مع الإخوان معهم أو ضدّهم في أوقات متباينة، وعمل كل منهم على تأسيسي حزبه السياسي. وأنشأ السادات الحزب الوطني الديمقراطي الذي ترأسه خلفه «حسني مبارك» فيما بعد. وعانت مصر دائمًا من حكومة الحزب الواحد.

وفي بعض النواحي، يعدّ السيسي سياسيًا طبيعيًا، وتتسم خطبه باللهجة العامية المصرية الممزوجة بالعاطفة. وسأله أحد الصحفيين عمّا فعله بعد بيان الانقلاب، قال: «قرأت البيان، ثمّ ذهبت إلى والدتي»، والتي قامت بالدعاء: «ربنا يحميكم من كل شر».

وكانت صناعة جد «السيسي» هي الأرابيسك، وهي صناعة خشبية معقدة يتم فيها تطعيم الخشب بقطع ملونة جمالية من اللؤلؤ. وكان جد «السيسي» متعدّد الزوجات، وله الكثير من الأبناء. وما زالت عائلة «السيسي» تملك عشر متاجر للأرابيسك في خان الخليلي. وقد توقفت الصيف الماضي أمام أحد متاجر الأرابيسك التي يديرها «مسعد علي حمامة»، وهو ابن لأحد أبناء عمومة «السيسي». وقال أنّ كل أبناء العائلة كانوا يتدربون أثناء الصيف في عمل العائلة، وأنّ الرئيس «السيسي» كان يتدرّب كـ (صدفجي) أي يمسك بالسكين لانتقاء قطع صغيرة من اللؤلؤة الأم. وبالحديث عن علاقة «السيسي» بعائلته، قال «حمامة» أنّ ما يحكم العائلة هو قانون احترام كبار السن، وطاعتهم، مهما كان منصب أو مهنة الشخص الأصغر. وأضاف أنّه لو جاء أحد كبار السن من العائلة إلى محلّه فإنّه يجلسه مكانه وكأنه صاحب المحل.

وعندما بلغ «السيسي» سنّ المراهقة التحق بالمدرسة العسكرية العليا. وتعلّم الانضباط في الجيش. وتأثر بتديّن العائلة. وتزوج «السيسي» من ابنة عمّه وهو أمر شائع في الأسر المصرية المحافظة. وزوجته وبناته ربات بيوت، ولم يعرف عنهم دخولهم للوظائف. وقال «فتحي السيسي»، ابن عمّ الرئيس «السيسي» أنّ «السيسي» قد رفض مرتين التعيين كملحق عسكري لمصر في الولايات المتّحدة بسبب اشتراط الجيش خلع زوجته للحجاب في الولايات المتّحدة. لكن مع تورّط أسرة «مبارك» في القضايا بعد الثورة، فضّل «السيسي» إبعاد أسرته عن الأعين. وتذكر «الدخاخني» أنّ الصحافة البحرينية قد ذكرت في أحد المرات أنّ زوجة السيسي قد رافقته في إحدى الزيارات الرسمية، ونقلت عنها ذلك المصري اليوم، إلّا أنّ مسؤولًا بمكتب الرئاسة اتصل وطلب إزالة هذه الفقرة.

وكان «السيسي» قد تعلّم من دروس الحزب الوطني والفساد الذي انتشر بسيطرة رجال الأعمال، لذا فقد كان الجيش حذرًا للغاية في التعامل مع «شفيق» منافس «مرسي» في انتخابات الإعادة الرئاسية، وفضّلوا «مرسي»، كونه وجماعة الإخوان المسلمين يمكن التحكم فيهم بسهولة، عكس «شفيق» الذي كان لا يزال يملك صلات قوية بهياكل السلطة.

بلا سياسة.. ولا اقتصاد أيضا

والسؤال الأهم بالنسبة للسيسي هو ما إذا كان سيستطيع الانتقال من مرحلة القائد العسكري ليصبح سياسيًا. وقال لي مسؤول بارز بوزارة الخارجية الأمريكية أنّ «السيسي» ينظر للسياسة «كنشاط ضار يقسّم الأمّة».

لكن بدون أحزاب حقيقية وحياة سياسية واقعية، فلن يكون للشباب فرصة للانخراط في الحياة السياسية، وسيكون الملجأ الوحيد لهم للتعبير عن الرأي هو الاحتجاجات والمظاهرات. وفي زيارة في الأيام الأولى للسيسي عام 2014 إلى الصين، ذكر «السيسي» كلامًا حول الاقتداء بالصين، في إشارة إلى استخدام السلطوية من أجل التحكّم في الاقتصاد. لكنّ أحد المسؤولين الصينيين قال لي صراحةً أنّ مصر تسير في الاتجاه المعاكس للصين. وقال «أشرف الشريف»: «أستطيع أن أفهم أمر الاقتداء بالصين في صورة السلطوية مقابل التنمية. لكن في مصر السلطوية تسير بلا تنمية».

وفي الصين بلغ التصنيع 30% من الناتج الإجمالي المحلي الإجمالي على مدى 3 عقود، بينما في مصر صاحبة الوفرة من الأيدي العاملة الرخيصة من الشباب وسهولة الوصول إلى الممرات الملاحية، يمثل التصنيع 16% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم خطب «السيسي» التي ذكرت التنمية والصناعات التحويلية، فإنّ سياساته لم تعمل على تغيير هذا الواقع حتّى الآن. ويعتمد الجزء الأكبر من التصنيع في مصر على مشاريع استخراج الطاقة، التي يعمل بها عدد قليل من الناس، كما أنّ مصر قد جاءت في التصنيف 132 من بين 144 دولة في فرص العمل المتوفرة للمرأة. وشهد عام 2012 أكبر عدد من معدل المواليد في مصر في عقدين من الزمان.

كما تشكل الخدمة المدنية المتضخمة واحدة من القطاعات القليلة التي توظّف عددًا كبيرًا من المصريين يصل إلى 6 ملايين موظف، وهو ضعف عدد موظفي الولايات المتحدة والمملكة المتّحدة معًا. وتنفق مصر أكثر من ربع الميزانية على أجور الموظفين الحكوميين.

ولعقود اعتمدت مصر على المساعدات الخارجية، ومن بعد الانقلاب، قامت دول الخليج التي كانت تعوّل على مصر السنّية في مساعدتها على مواجهة إيران الشيعية، بتمويل مصر بمساعدات مالية بلغت 30 مليار دولار. ولكن سؤال إذا ما جلبت تلك الأموال الاحترام والاستقرار للسيسي تجيب عنه سلسلة من المكالمات والمحادثات الصوتية المسجلة فيما عرف بـ «سيسي ليكس». وفي أحد المحادثات يظهر صوت «السيسي» يتحدث مع مدير مكتبه «عباس كامل»، حول أموال الخليج وحاجته لعشرة مليارات دولار من السعودية توضع في حساب الجيش، و10 مليارات من الإمارات و10 مليارات من الكويت، وبعض (الفكة) توضع بحساب البنك المركزي من أجل موازنة 2014. ومع ضحك «عباس كامل»، يقول له «السيسي»: «عندهم فلوس زي الرز».

لا أحد في مصر يعرف من يوجه الاقتصاد. وبعد تولّي «السيسي» للسلطة قام ببعض إجراءات مثل خفض الدعم عن الوقود والكهرباء، وهو ما هلّل له الاقتصاديون في مصر كخطوة أولى نحو نظام أكثر استدامة. لكنّ «السيسي» مثله مثل كل جنرالات الجيش، فالاقتصاد عنده هو عدّة مشاريع يقوم عليها الجيش. وبعد خفض الدعم، اتجه «السيسي» إلى مشاريع عملاقة غير مجدية مثل تفريعة قناة السويس التي كلّفته 8 مليارات دولار دون أي عائد اقتصادي مأمول. وعانى الاقتصاد المصري من تفاقم للأوضاع ووصول الدولار الأمريكي لأرقام قياسية بالسوق السوداء مقابل الجنيه المصري. كما وصل التضخم إلى رقم وحشي بأكثر من 15 بالمائة.

وفي بداية نوفمبر/ تشرين الثاني، سمحت الحكومة أخيرًا بتعويم الجنيه، وفقدت العملة أكثر من نصف قيمتها. وأتبعتها بإجراءات لرفع الدعم عن الوقود وسلع رئيسية أخرى، في خطوة للحصول على صندوق النقد الدولي، بعد أن ساعدت مليارات الخليج والولايات المتّحدة الحكومة على تأجيل هذه الإجراءات المؤلمة طويلًا. لكنّ المسؤولين في مصر يظهرون كثيرًا غير ملمّين بالأوضاع وغير مدركين لكيفية معالجة المشاكل الاقتصادية، الأمر الذي يسبب الكثير من اللغط والقرارات المتخبّطة.

قمع غير مسبوق

وفي 3 فبراير/ شباط، عثر على جثّة لـ«جوليوريجيني»، طالب دراسات عليا إيطالي، على طريق القاهرة اسكندرية الصحراوي. وادّعت الشرطة أنّه مات نتيجة حادث مروري، لكنّ الطبّ الشرعي أكّد أنّه تعرّض للتعذيب لسبعة أيام قبل مقتله. وبعدها أعلنت الشرطة المصرية قتلها لأربعة أفراد من عصابة في تبادل لإطلاق النار وادّعت أنّ تلك العصابة قد خطفت «ريجيني» وقتلته، وأعلنت أنّها وجدت مع أفراد العصابة جواز سفر «ريجيني» ومتعلقات أخرى تخصّه. لكنّ الصحفيين المصريين والأجانب دحضوا هذا الادّعاء.

وبينما كانت الكارثة تتفاقم، تحدّث «السيسي» في خطاب متلفز على التلفزيون الوطني. وادّعى أنّ مصر تتعرض لمؤامرة قائلًا: «لا تستمعوا لأحد غيري».وانتقد المصريين الذين يتظاهرون ضد الحكومة، وألقى باللوم على المصريين لأنّهم لا يساهمون كفاية في تمويل صندوق تحيا مصر، وأطلق مبادرة «صبّح على مصر بجنيه» حيث قال أنّه لو تبرّع فقط 10 مليون من بين 90 مليون مستخدم للمحمول لمصر يوميًا بجنبه واحد، «سنحصل على 10 ملايين جنيه يوميًا».

ظهرت في هذا الوقت بعض الانتقادات من إعلاميين كانوا داعمين للسيسي، ومنهم «يوسف الحسيني» في قناة أون تي في الخاصة والمملوكة لرجال أعمال، حيث انتقد «السيسي» بسبب غضبه من الاحتجاجات وليس من القتل والتعذيب. ونتيجة لذلك تم إيقاف برنامجه بشكل مؤقت.

وفي الربيع تحدّثت مع «محمد عصمت السادات»، رئيس لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان ذلك الوقت، والذي يحظى باحترام دولي، عن «ريجيني»، فقال أنّ هذا يحدث يوميًا للمصريين، وتمتلئ مصر بحالات الاختفاء القسري والتعذيب.

ويوجد في مصر تاريخ من التوتّرات بين الجيش والشرطة، مع تبادل لتوازن القوّة. ولم يثق أبدًا «مبارك» في الجيش ثقة كاملة، لذا فقد بنى الشرطة كقوّة داعمة له. لكنّ الشرطة اكتسبت سمعة سيئة بالتوحّش وضعف الانضباط. ولدى مصر قانون للتجنيد الإجباري، ويذهب الأقل تعليمًا ووعيًا إلى الشرطة. وكان سلوك الشرطة واحدًا من أسباب الثورة على الرئيس «مبارك». وعندما سأل أحد المسؤولين بوزارة الخارجية الأمريكية «السيسي» لماذا لا يفعل شيئًا تجاه الشرطة، ردّ «السيسي»: «لا أستطيع. إنّها مافيا مكوّنة من مليون رجل». (الصورة: توحش الشرطة في مصر).

وفي أواخر حكم «مرسي»، اعتصم أنصاره بموقعين، رابعة والنهضة، منذ نهاية شهر يونيو/ حزيران 2013. وفي صباح يوم 14 أغسطس/ آب، اقتحمت قوات الجيش والشرطة الاعتصامين بصورة وحشية صادمة. لم يكن الاعتصام سلميًا بالكامل، حيث قتل 8 من رجال الأمن، لكنّ الغالبية العظمى من المعتصمين كانوا عزّل، ولم يكن هناك تحذيرات قبل الاقتحام، ولم تترك لهم قوّات الأمن طرق آمنة للخروج. وتقول التقارير الحقوقية العالمية أنّ أكثر من ألف شخصٍ من أنصار «مرسي» قد قتلوا في الاقتحام ذلك اليوم.

ويقول «هاغل» أنّه تحدّث مع «السيسي» عبر الهاتف بعد المذبحة، ويقول «هاغل» أنّ «السيسي» أبدى أسفه لما حدث، وتحدّث عن أسف عائلته كذلك. «لقد قال أنّه لم يكن يريد أن تصل الأمور إلى هذه النقطة، وقال أنّ زوجته كانت منزعجة وكذلك أبناؤه. لم يلقوا باللوم عليه، لكنّهم كانوا متأثرين. وقال السيسي أنّهم كانوا يصلّون من أجل الجميع».

لقد أنهت المذبحة مرحلة ما من الثورة. حيث أصاب الإنهاك الثوّار وتعب الناس من الاحتجاج. وأصدرت الحكومة في نهاية عام 2013 قانونًا يمنع التظاهر دون إذن أمني ويحاكم المتظاهرين بعقوبة أقصاها السجن لمدّة عام.

وبعد فترة من الهدوء والضغط العصبي الصامت تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية والقبضة الأمنية، تسبّب قرار حكومي بالتنازل عن جزيرتين في البحر الأحمر لصالح السعودية، في موجة جديدة من التظاهرات والاحتجاجات. وجاء القرار دون نقاش مجتمعي أو طرحه أمام البرلمان. وكان نصيب المتظاهرين إلقاء القبض عليهم والتعرّض للسجن.

كانت التظاهرة الأشهر والأهم على سلالم نقابة الصحفيين، مع وجود المئات من شباب الصحفيين. واستمرت لفترة قبل أن تطلق الشرطة الغاز تجاه الجموع. وتمّ اتهام العديد من الصحفيين وإلقاء القبض عليهم أو رفع قضايا ضدهم. وعندما تقابلت مع «خالد البلشي»، واحد من أعضاء مجلس إدارة نقابة الصحفيين والذي اتهمته الحكومة ببعض الاتهامات، قال لي أنّه دائمًا ما كان ليبراليًا وليس معارضًا، يقول رأيه وقتما شاء ولكن بتأنّي، لكن الآن النظام أصبح مجنونًا. وحكم على «البلشي» واثنين معه بالسجن عامين، وهو الحكم الذي يناشد الصحفيون عدم تنفيذه.

كانت هناك محاولة ثانية لتنظيم احتجاج آخر من أجل الجزيرتين في 25 أبريل/ نيسان. ذهبت إلى المكان المفترض للتظاهر، وجاءت لي رسالة من أحد الصحفيين الشباب المصريين «حسام» بتغيير مكان الاحتجاج إلى ميدان المساحة. ذهبت إلى هناك، تجمّع ما يقارب الـ 300 شاب، وبدأوا بالهتاف: «يسقط يسقط حكم العسكر».

انتظرت الشرطة فقط 7 دقائق قبل التدخّل، أطلقت الغاز وطلقات في الهواء، وسرعان ما فرّ المتظاهرون في كل مكان. ركضت معهم ودخلت إلى شارع سكني، وظهر رجل شرطة صارخًا وملوحًا بمسدسه نحونا، وركضت ومئات الأسئلة في رأسي. بماذا يصرخ؟ ولمن يوجّه مسدسه؟ بغض النظر عمّن يطارد، بالتأكيد ليس نحن.

في المساء حادثني «حسام»، وقال لي ماذا كنت ستفعل لو كنت شابًا مصريًا؟ كان «حسام» قد أقي القبض عليه لكنّه أطلق سراحه بعد 6 ساعات. أمّا «بكر» الذي كان يركض معنا، فقد استمرّ في الحجز، وظهر بعد 3 أيام أمام المحكمة. المحاسب الشاب الذي ألقي عليه القبض قبل أن يصل حتّى إلى مكان التظاهر، حكم عليه بالسجن لمدة عامين.

واستطاع «السيسي» تصوير نفسه أنّه يقف ضد موجة من الإسلام الراديكالي، إلّا أنّ الكثير من النشطاء ادّعوا أنّ سياساته على العكس ستنتج جيلًا جديدًا من الجماعات والتنظيمات الإسلامية العنيفة. لكن حتّى الآن لا يبدو هذا واقعًا، فلا يوجد في مصر جماعات عنف الآن تشبه ما كان في الثمانينات والتسعينات، والتي استهدفت غير المحجبات (بماء النار) واستهدفت السياح والأجانب. والجماعات المسلحة في مصر اليوم، وفق ما قالته لي «نانسي عقيل»، التي تدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، تستهدف بشكل كبير الشرطة والجيش، على الرغم من بعض الحوادث التي استهدفت الأقباط مثل الحادث الأخير الذي خلّف أكثر من 20 قتيلًا بالكاتدرائية الرئيسية في القاهرة. وكان استهداف طائرة السياح الروسية رسالة سياسية ضد التواجد الروسي في سوريا. كما أنّ جماعات اليوم لا تتحدّث عن الإسلام والدين، لكنّها تتحدّث بشكل كبير عن قضايا سياسية واجتماعية.

ولم يشهد صعيد مصر عنفًا منظمًا مثل الذي حدث منذ 30 عامًا عندما كان مرتعًا لجماعات الإسلام الراديكالي، وتتركز الجماعات المتطرفة الآن في سيناء. وتؤكد عقيل أنّ عددهم بين الـ 500 والـ 1000 فقط. بينما يقول «حسن حسن»، وهو زميل بنفس المعهد ومسؤول عن دراسات تتعلق بـ «الدولة الإسلامية» أنّ 600 مصري فقط انضموا للقتال في العراق وسوريا، وهو رقم أقل من عدد الألمان الذين انضموا لتنظيم الدولة وأقل بكثير جدًا من عدد التونسيين الذين ذهبوا للقتال هناك.

ويعتقد أنّ سبب عزوف المصريين عن الانضمام لمثل تلك الجماعات يرجع إلى اعتقاد المصريين أنّ تنظيم الدولة صنيعة أمريكية لتشويه الإسلام، فهم يعتبرونها تعبّر عن توجهات أمريكا وليس الإسلام. كما أنّ تجربة الإخوان المسلمين في السلطة قد أثبتت فشلًا للإسلام السياسي، وهذا سبب آخر لتراجع المصريين عن دعم الجماعات الإسلامية ومساندتها.

ثورة ثالثة؟

كما سيطرت الحكومة على المنابر والخطباء والأئمة من بعد انقلاب يوليو/ تموز عام 2013، ولم يظهر سوى القليل من الأئمة والخطباء في المساجد تعاطفهم مع مجزرة «فض رابعة». ولم يكن كثيرًا منهم مناهضًا للانقلاب. وعدت بعد عام من ذلك، ووجدت أن كثيرًا منهم لم يغير رأيه، رغم أنّهم لم ينخرطوا في السياسة.

وكان اثنين من أشدّ معارضي «السيسي» من الأئمة الذين قابلتهم عام 2013 قد أزيلوا من مناصبهم، لكنّهما عادا فيما بعد عن طريق رشوة صغيرة للمسؤولين، وكان هذا ممّا أدهشني.

شارك «السيسي» هذا العام بعض اللحظات من الصدق العلني غير المعتاد، حيث قال في أحد خطاباته المتلفزة: «انظروا إلى بلدكم. إنّها شبه دولة، وليست دولة حقيقية». ورغم الأزمات الاقتصادية المتتالية، واللحظات العصيبة التي شهدتها البلاد خلال 6 سنوات، لا تزال مصر دولة موحّدة قوية، على عكس ما شهدته البلاد الأخرى مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن. ويحسب للمصريين إيجابيتهم في عدم تبنّي عنف الإسلام الراديكالي رغم كل ما حدث لهم حتّى الآن.

وقال لي دبلوماسي أوروبي: «مصر لا تحتمل ثورة ثالثة»، وإذا تمّت الإطاحة بـ«السيسي»، فسيكون البديل رجل آخر من المؤسسة العسكرية، «لكنّ السيسي قادر على مواجهة أي محاولة للانقلاب ضدّه بنفس القدر الذي تحرّك به رئيس تركيا رجب طيب أردوغان ضد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا».

في مايو/ أيار، انقطع «حسام» عن العمل، بعد أن شعر بالاكتئاب والذنب تجاه دفع «بكر» للسجن. وقال أنّه يتابع جلسات محاكمة «بكر»، وحاول مواساة «أم بكر»، والتي هي أرملة في الأساس. وفي أوائل يونيو/ حزيران، تمّت تبرئة «بكر» و32 معه بشكل مفاجئ.

التقيت بـ«بكر» بعدما خرج في المساء، وقال أنّه متعب ومرهق من السجن، لكنّه كان محظوظًا، حيث تعرّض رفقاؤه للتعذيب وهو لا. وقال أنّ بعض حراس السجن كانوا من المجندين الشباب، الذين بكوا لرؤية أقرانهم يقتادون إلى السجن دون ذنب.

ولم يكن «بكر» قبل سجنه ناشطًا، ولم يكن له ميول سياسية، لكن عندما سألته عمّا تعلّمه من السجن، كان ردّه متماسكًا بشكل مدهش، رد قائلًا: «تعلّمت أنّه على الرغم من أنّ لدي حق، وهو من حقوقي الأساسية، فهناك ثمن سيدفع، ويجب عليّ دفعه، مثلما دفع باقي الناس». سحب نفسًا عميقًا من سيجارته وابتسم، لا يوجد أسعد من مدخّن شاب خرج لتوّه من السجن في أول ليلة من رمضان. وتابع: «لقد تعلّمت أيضًا أنّ الظالم يشعر بالخوف دائمًا».

المصدر | بيتر هيسلر – ذا نيويوركر

التعليقات

تعليقات