تيران وصنافير: ما وراء قضية الجزيرتين

559
.

المشهد اليمني الأول | مصر

إبطال المحكمة الإدارية العليا في مصر أمس الاثنين توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع السعودية والذي ينقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير للمملكة تبعته مشاهد فرح وتهليل وتكبير وغناء “بلادي بلادي بلادي” شارك فيه جميع من في القاعة بمن فيهم القضاة الذين حكموا بالحكم.

القاضي الذي نطق بالحكم استخدم جملاً شعرية عن أن “سيادة مصر مقطوع بها”! وأن “دخول الجزيرتين ضمن الأراضي المصرية ما انفك راجحا رجحانا يسمو لليقين”، وهو ما ساهم بالتأكيد في انطلاق مشاعر لاهبة في قاعة المحكمة فحمل المحاميان الممثلان للطرف المناهض لتسليم تيران وصنافير على الأعناق وصرح أحدهما أن ما حصل “انتصار لمصر” وأن الحكم لا يلغى حتى باستفتاء شعبي ومع خروج الحاضرين للجلسة إلى الشارع وهم يرددون النشيد الوطني وهتافات “الله أكبر” و”مصرية مصرية” التقوا بمئات المتظاهرين في الشارع الذين يحملون الأعلام واللافتات المصرية ويهتفون “عيش… حرية… الجزر دي مصرية”.
مقابل هذه المشاهد العاطفية انهمك ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي في تحليل الأمر مع تضارب شديد في الآراء وسخرية حادة مما يجري، فمن مقترح برفع قضية تعيد السودان إلى مصر لأنه كان تابعاً إدارياً لها، ومن مستعيد لتصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي يقول فيه إن والدته طلبت منه ألا يأخذ شيئاً ليس له، ومن معلق يعتبر ما جرى عملية خداع وتبادل أدوار يمارسها النظام المصري بين الحكومة والعسكر والقضاء، ومن معتبر أن ما حصل انتصار للشعب المصري على حكومته وإسقاط لشرعية السيسي، ومن معتبر أنها خسارة للسعودية.
ما تظهره العواطف الفائرة في جلسة المحكمة الأخيرة وما تلا الحكم من انفعالات داخل القاعة وفي الشارع يؤكد وجود اتجاه شعبي كبير يرفض إعادة الجزيرتين إلى السعودية لكن ما يحصل يعزز أيضاً الرأي بأن قضية الجزيرتين تجاوزت أي مجال لنقاش منطقي داخل مصر.
يحاول بعض ركاب موجة الرفض لتسليم الجزيرتين استخدام المشاعر الشعبية ضد السلطات المصرية وتوجيهها بهذا الاتجاه الذي يلقى هوى عند الكثيرين، ولكن ردود الفعل المرنة لهذه السلطات، من تقبلها للتعرض لرئيسها وحكومتها (بما في ذلك وصفها بالخيانة والعمالة) وتنظيم المظاهرات العلنية المناهضة للقرار (في الوقت الذي تحاسب فيه أي مظاهرات أخرى بالعنف الشديد) يوحي بأن “الصفقة” (لو جاز الأمر بوصفها كذلك) فيها أكثر من مستوى للانتفاع والاستخدام والمساومة، وهي لا تخضع لمزايدات العرض والطلب فحسب، بل كذلك لميزان العلاقات السياسية بين مصر والسعودية والذي يشهد صعوداً وهبوطاً وأخذاً ورداً كثيرين.
لا يجب أن يفوتنا، مع ذلك، بعض تناقضات هذا الحدث الذي يقدم فيضاناً في المشاعر الكارهة للسعودية، وهي بلد عربي قبل أي شيء آخر، على خلفية سيادة، إن لم تكن مشكوكاً فيها، فهي محل نزاع واختلاف وجدل قانوني وتاريخي، في الوقت الذي لا نرى أثراً بهذه القوة لهذا الفيضان السياسي والشعوري أمام قضايا كارثية حقيقية لا تتعلق بجزيرتين مهجورتين نفعهما رمزي، ومن ذلك تراجع سيادة مصر حين يتعلق الأمر بـ”إسرائيل”، أو انحنائها لشروط صندوق النقد الدولي، ووضعها الاقتصادي والسياسي الكارثي، وهي تناقضات تعني، في حقيقة الأمر، أن بعضاً من النخبة المصرية منفصل تماماً عن الواقع، وأنه مشغول بتعويض خذلانه لشعبه، ولانتهاك كراماته، وتزايد فقره، بمعارك جانبية تهدر الطاقات وتفرح الأعداء وتضحك السلطات التي يدعي عداءها.

التعليقات

تعليقات