المشهد اليمني الأول 

كتب/ عبد الحميد الغرباني

كثيرون يغادرون الحياة فيخبو بريقهم، ثم لا يعود لهم بين العالمين من ذكر، ليس من هؤلاء الدكتور الشهيد أحمد عبد الرحمن شرف الدين فقيه الدستور والقامة الأكاديمية الفذة والسياسي الصادق وفي الذكرى الثالثة لاستشهاده وفي معرض الحديث عن إرثه الزاخر والمتنوع في مختلف المجالات، يصل بك جسر العبور نحو شخصية الرجل وإرثه إلى الإجابة من جديد عن التساؤل المخاتل للبعض لماذا تم اغتياله ومن المجرم.

لربما أن البعض بل الكثير يعرف الإجابة لكن ذلك لا يمنع أن نبدأ بالإجابة عن ذلك فالقاتل في عالم اليوم لا يعدم من يبرر له دمويته ويحتفي بوحشيته ــ حتى وهو يرتكب جرائم إبادة كما تفعل السعودية وأمريكا راهنا في كل منطقة من بلادناــ وصولا إلى إلقاء المسؤولية على الضحايا.

الإعلامي البارز هاشم شرف الدين ــ نجل الشهيد ــ يجيب أيضا عن التساؤل أعلاه في فعالية الذكرى الثالثة لاستشهاد والده والتي نظم لها وأقامها ملتقى الطالب الجامعي بالقول (أعداء اليمن الذين قتلوا الشهيد شرف الدين هم من يقتلون الشعب اليمني اليوم وأما لماذا فلأنه قدم الحل للمشكلة اليمنية).

وهو محق في ذلك فالشهيد كان قد قدم فيما يخص بناء الدولة رؤية عميقة وواقعية، كانت القوى التقليدية كلما حاولت -عبر ممثليها في فريق بناء الدولة بمؤتمر الحوار الوطني- إحداث اختراقات واختلالات في الرؤية كيما تلتف من خلالها على الاستحقاقات الوطنية والشعبية التي تَوافَقَ عليها الجميع، تُصدَم بطرح ناضج وعميق من الدكتور شرف الدين، ونحن نتذكر كيف أن هذه القوى العميلة ادعت أن الدكتور شرف الدين كان في طريقه يوم اغتياله لتوقيع ماعرف بوثيقة الضمانات لمؤتمر الحوار.

القاضي عبد الوهاب المحبشي وهو سياسي وباحث مرموق  يرى أن ما تعرض له الشهيد شرف الدين هو عملية إعدام مع سبق إصرار وترصد بقرار سياسي من الفارين هادي وعلي محسن الأحمر وضلوع السفارة الامريكية في عملية الإعدام وأن هذه الجهات الثلاث جعلت من الشهيد شرف الدين كبش فداء لما أنجزه في مؤتمر الحوار من مخرجات تلبي طموح وتطلعات الشعب اليمني وتطيح بمشاريع الجهات الثلاث السابقة.

المحبشي يستحضر الجريمة التي هزت الشارع اليمني وأدمته وأصابته في عقله النير فيروي ما رواه آنذاك شهود العيان لوسائل إعلام عديدة يقول ( في صبيحة الجلسة الختامية لمؤتمر الحوار في الحادي والعشرين من يناير 2014 قطع المجرمون المباشرون للعملية الشارع وأوقفوا المارة والعسكر منتشرين عند جولة سبأ في العاصمة صنعاء مع ذلك تقطع الطريق على الدكتور شرف الدين وتمت تصفيته وقتله أمام الجميع) يتوقف هنا المحبشي فيقول هذه ليست عملية اغتيال هذا قرار! قرار صادر بقتل شرف الدين في يوم حصاد ما أنجزه في مؤتمر الحوار)! ويضيف المحبشي (لم تكن تلك الجهات تريد لمؤتمر الحوار الوطني أن ينجح ولا أن يخرج بمخرجات وقد حرصوا على إجهاضه منذ اليوم الأول لانطلاقه حين أقدم عسكر الجنرال الأحمر آنذاك على الاعتداء على المعتصمين في ساحة التغيير وقتلوا الثائر (عبد الغني الحمزي ) المحبشي بعد ذلك يسوق حادثة الاغتيال التي تعرض لها عضو مؤتمر الحوار الوطني عن أنصار الله عبد الواحد أبو راس في الأيام الأولى للحوار ولاحقا عملية اغتيال الدكتور عبد الكريم جدبان كمحطات هامة تعكس إلى أي مدى حرص ذراع ( هادي ــ الأحمر ) على اغتيال مؤتمر الحوار لكن فشلهم في ذلك قادهم إلى تصفية الدكتور أحمد شرف الدين ..

رئيس اللجنة الثورية العليا محمد علي الحوثي في الذكرى السنوية الثالثة لاستشهاد الدكتور شرف الدين يعتبر اغتيال شرف الدين إعداما للمرحلة التي أعقبت الحوار الوطني وقد اتضح ذلك جليا في سلوك هادي والإخوان الذين حاولوا سلق تنفيذ مخرجات الحوار الوطني ويبعثر الحوثي رسائله باتجاه الكل فيؤكد ضرورة الوفاء للشهيد شرف الدين عبر تشكيل لجنة جديدة تعيد صياغة الدستور بعيدا عن الأجندات المشبوهة التي كانت القوى الخائنة قد بيتتها وجعلتها محور الدستور اليمني وارتكازه

شرف الدين فقيه الدستور.. السياسي الذي هندس للحوار الوطني ..

كان الدكتور الشهيد أحمد عبد الرحمن شرف الدين قامة أكاديمية سامقة لا يقول هذا نحن بل تاريخ من حياة الرجل الأكاديمية وكوكبة كبيرة من النخبة الأكاديمية داخل اليمن وخارجه وجيل من تلاميذه الذين غدا لهم اليوم شأوٌ في السلك القضائي وفي غيره ..

السفير الفرنسي خلال الجلسة الختامية لمؤتمر الحوار الوطني تحدث لقناة المسيرة الفضائية عن الدكتور شرف الدين ومما تضمن حديثه الإشارة الهامة إلى أن شرف الدين كان أكاديميا كبيرا وقانونيا متميزا.. ليس فرنسا وحدها من عرف القيمة العلمية لشرف الدين فكندا تعرف ذلك أيضا وتعرف ذلك صروح علمية عدة في العالم ..

الأستاذة أمة العليم السوسوة تروي أن الشهيد شرف الدين (كتب لها توصية الى جامعة عريقة في كندا وأن هذه التوصية كانت أنفع لها في كل الصروح العلمية بكندا من كل شهاداتها من هنا يقول القاضي عبد الوهاب المحبشي (هذا يعني أن سمعة الدكتور احمد شرف الدين في الجامعات العريقة كبيرة وواسعة إلى المستوى الذي أشارت إليه شهادة الأستاذة أمة العليم السوسوة )

د .محمد نجاد نائب عميد كلية الشريعة والقانون يقدم شهادة هامة في سياق التميز الأكاديمي للشهيد شرف الدين يقول نجاد ” لو قيل لليمنيين أن يفاخروا برجل منهم لفاخروا بالأستاذ الدكتور أحمد شرف الدين على المستوى العالمي وعلى مستوى الأمتين العربية والإسلامية “ويضيف لقد كان رمزا للجدية رمزا للعلم والمعرفة.. رجلا بحجم الأمة بحجم الوطن ورحيله مَثَّل خسارة للأمة واليمن ، خسرنا (مرجعية علمية أكاديمية لا تضاهى) .

لم يكن الرجل قانونيا بارعا وحسب وإن كان هو فارس ميدان القانون الإداري والعام أيضا وهو فقيه الدستور فقد كان سياسيا عميقا ذلك أن من يصوغ برنامج ودستور ونصوص دولة لا يكفي فيما يرى المحبشي أن يكون قانونيا أو فقيها دستوريا لأنه في هذا المضمار هو من يمهد الملعب للسياسيين ويرتب لهم  الخارطة و

والرقعة التي من المفترض أن يلعبوا عليها لعبا سليما نظيفا ولا شك أن عليه قبل ذلك معرفة اللاعبين والمرحلة المعاشة واحتياجاتها والمراحل الماضية ومشكلاتها وذلك ما كان شرف الدين يتمتع به وسبق وأن أدار أطراف اللعبة السياسية في صيف 93 حين شغل عضوية اللجنة العليا للإنتحابات ..

المبعوث الدولي السابق الى اليمن جمال بن عمر يربط الأداء المتميز لأنصار الله في مؤتمر الحوار الوطني بشخص الشهيد أحمد شرف الدين، شخصيات كبيرة عدة تعترف أن شرف الدين رجل الحوار الوطني ومهندسه وشوكة الميزان والتوافق.

القاضي المحبشي يقول لو أعفي كل أعضاء مؤتمر الحوار الوطني ( 650) شخصا وكلف الدكتور شرف الدين بإعداد أدبيات الحوار الوطني  لكانت مخرجات الحوار أنقى وأرقى مما خرج بها الجميع ..

ما يجدر الاختتام به هو الإشارة إلى أن ذكرى استشهاد الدكتور شرف الدين تذكر رجال الصرح الأكاديمي في البلاد بشخص الرجل وبإرثه وبما يجب إزاء ذلك، بيد أن الذكرى نفسها في ظل العدوان تحذرهم من توظيف الشهادة الجامعية في مربع خيانة الوطن والعمل لحساب العدوان، هي تدعوهم للعب دور محوري في مناهضة العدو وتغليب الثوابت الوطنية على كل الاعتبارات المختلفة.

التعليقات

تعليقات