المشهد اليمني الأول| صنعاء

(خطاب جماهيري نشره رئيس الجمهورية السابق رئيس المؤتمر الشعبي العام، الرئيس علي عبدالله صالح، مساء 21 مايو/ آيار 2016، بمناسبة الذكرى الـ26 لإعادة تحقيق الوحدة وإعلان الجمهورية اليمنية)

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسوله الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين..

في هذا اليوم الخالد أتوجّه بالتحية والتقدير والتهنئة لكل أبناء شعبنا اليمني العظيم رجالاً ونساءً.. شباباً وشيوخاً في الداخل والخارج، وإلى كل المؤتمريين والمؤتمريات وأعضاء وأحزاب التحالف الوطني بمناسبة العيد الوطني السادس والعشرين للجمهورية اليمنية وإعادة تحقيق الوحدة اليمنية التي ارتفع علمها شامخاً يوم الـ22 من مايو عام 1990م في مدينة عدن الباسلة, والتي أنهت وإلى الأبد النظامين الشطريين اللذين كانا قائمان في شطري الوطن، ولمّت الشمل اليمني وأعادت للتاريخ إعتباره.. وللثورة اليمنية الخالدة (26سبتمبر و14أكتوبر) ألقها ووهجَهَا, ولمبادئها وأهدافها حيويتها وديمومتها.

وأجدها فرصة للحديث عن حقائق تاريخية هامة، أولها بأن الوحدة اليمنية لم تأت من فراغ.. ولم تكن نزوة عاطفية كما يروج البعض وإنما جاءت تتويجاً لنضالات وطنية طويلة ونتيجة لمخاض وطني عسير وعبر محطات ومنعطفات تاريخية ونضالية هامة, اتسمت بالعمل الجاد والدؤوب والنضال والكفاح من أجل الوصول إلى تحقيق هذا الهدف العظيم, ولقد كانت أولى المحطات التي أسست لمسار العمل الوحدوي لقاء وزيري خارجية الشطرين الدكتور حسن محمد مكي والمرحوم سيف أحمد الضالعي وهو اللقاء الذي احتضنته مدينة تعز الأبية يوم 30 يوليو 1968م أي بعد مرور ثمانية أشهر فقط من استقلال الشطر الجنوبي من الوطن في الـ30 من نوفمبر عام 1967 وقد أكتسب ذلك اللقاء أهمية تاريخية بالغة كونه أنعقد في ظروف غاية في التعقيد والصعوبة حيث كان الوطن بشطريه يتعرّض لهجمة رجعية واستعمارية شرسة ولمؤامرات كبيرة من قِبل أعداء الثورة اليمنية.. أعداء الحرية والديمقراطية، وتلى ذلك اللقاء.. أول لقاء بين رئيسي وزراء الشطرين محسن أحمد العيني والمرحوم محمد علي هيثم في مدينة تعز في الفترة من 24 إلى 25 نوفمبر عام 1970, وهو اللقاء الذي انطلقت بعده مسيرة التعاون والتنسيق العملي والفعَّال بين الشطرين على طريق تحقيق الوحدة، التي حدّد ملامحها وخطوات إنجازها لقاء القاهرة التاريخي الذي جاء عقب الحرب التي اندلعت بين الشطرين في مناطق الأطراف يوم 26 سبتمبر وتوقفت في 14 أكتوبر 1972 بوساطة عربية كريمة أفضت إلى الاتفاق على أن يلتقي رئيسا وزراء الشطرين في القاهرة عاصمة مصر العروبة وفي رحاب الجامعة العربية، حيث مثّل الشطر الشمالي محسن أحمد العيني ومثّل الشطر الجنوبي علي ناصر محمد, وصدر عن اللقاء (اتفاقية القاهرة التاريخية) التي تشكّلت فيها لجان الوحدة المتخصصة.. وشكّل اللقاء البداية الصحيحة لمسار العمل الوحدوي الجاد والمسئول بعيداً عن الإرتجال والمزايدات، عقبه عقد قمة يمنية في طرابلس بليبيا بين الرئيسين المرحوم القاضي عبدالرحمن الإرياني والشهيد سالم ربيع علي في شهر أكتوبر 1973 وتم فيه استكمال ماتم البدء به في لقاء القاهرة وتسمية أعضاء اللجان الوحدوية, والتي انطلقت في أعمالها منذ ذلك التاريخ بهمة عالية.. وحماس وطني كبير.

أيها اليمنيون الوحدويون الشرفاء:

لقد كانت تلك اللقاءات بمثابة المحطة الأساسية والأولى، التي انطلقت بعدها محطات أكثر أهمية تخللتها لقاءات متعدّدة على كافة المستويات الرئاسية والوزارية وغيرها، وجاء لقاء قعطبة التاريخي بين الرئيسين الشهيدين إبراهيم الحمدي وسالم ربيع علي عام 1977، الذي كان من أهم اللقاءات التي أكدت حرص قيادتي الشطرين على المضي قدماً لتحقيق الوحدة والإتفاق على خطوات عملية غاية في الأهمية من شأنها تذليل الصعاب والمعوّقات التي تعترض مسار العمل الوحدوي ومن أهمها: الترتيب لزيارة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي إلى عدن التي سيتم خلالها الإعلان عن خطوات وحدوية متقدمة، غير أن المؤامرة كانت أكبر وأخطر حيث تم اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي وأخيه المقدم عبدالله الحمدي والرائد علي قناف زهره والرائد عبدالله الشمسي بهدف منع زيارة الرئيس الحمدي إلى عدن والتي كنت أنا أحد أعضاء الوفد الرسمي فيها، وبالتالي إفشال أي خطوة وحدوية بين الشطرين.

وهنا.. أود أن أشير إلى جانب مهم في مسار العمل الوحدوي أنه كان بمجرد أن يشعر أي شطر أنه يمتلك القوة ويتفوّق على الشطر الآخر يصر على فرض الوحدة الفورية دون أي اعتبار لأهمية استكمال الإجراءات والخطوات اللازمة لإنجاز هذا الهدف العظيم, ولذلك نشبت الحرب الثانية بين الشطرين عام 1979، وتوقفت بوساطة عربية وبإشراف الجامعة العربية وتم الترتيب لعقد قمة بين قيادتي الشطرين في دولة الكويت الشقيقة في الفترة من 28 إلى 30 مارس 1979، مثّل الشطر الشمالي فيها علي عبدالله صالح ومثّل الشطر الجنوبي الشهيد عبدالفتاح إسماعيل، وقد جاء وفد جانب الشطر الجنوبي إلى قمة الكويت ضاغطاً ومصرّاً على تحقيق الوحدة فوراً، مستغلاً تفوّقه العسكري وما حققه من تقدّم في الميدان أثناء الحرب، ولكونه يحظى بدعم المنظومة الإشتراكية، إلى جانب أن موقف الشمال كان ضعيفاً من الجانب العسكري، وبعد حوار جاد ومسئول تم الإتفاق على تفعيل وتنشيط أعمال لجان الوحدة، على أن تنجز كل اللجان أعمالها في فترة أقصاها أربعة شهور، يتم بعدها لقاء قيادتي الشطرين في الكويت للوقوف على نتائج أعمال اللجان ومن ثم الإتفاق على تحديد موعد إعلان الوحدة، غير أن الظروف التي عصفت بالوطن والصعوبات الكبيرة نتيجة استمرار المؤامرات التي كانت تحاك ضد الوطن وضد أي تقارب وحدوي من شأنه إعلان الوحدة ، ونتيجة للتغييرات في هرم السلطة في جنوب الوطن فقد حال ذلك دون الإلتزام بما تم الاتفاق عليه في الكويت من حيث الجانب الزمني، ولكن اللقاءات تواصلت بشكل مكثف، وشكلت المحطات التي تلت لقاء الكويت تطوّراً مهماً حيث كان لقاء صنعاء في 12يونيو 1980 من أهم اللقاءات العملية في المحطة التالية والذي تمخض عنه أهم اتفاق تاريخي بين الشطرين تضمن ما يلي:

– التعاون على توطيد الأمن والإستقرار في شطري اليمن بكافة الوسائل الممكنة والمتاحة.

– عودة المواطنين الراغبين في العودة إلى أي شطر في الوطن، وعدم دعم أي نشاط سياسي أو عسكري أو إعلامي مناهض أو مضاد أو معاد لثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، وللسيادة الوطنية والديمقراطية والتقدّم الإقتصادي والإجتماعي الذي يسير على أساسها النظامان الوطنيان في الشطرين، والعمل على إزالة المواقع العسكرية في مناطق الأطراف في الشطرين وعلى أن تحل محلها قوات الشرطة الإعتيادية أو قوات رمزية عسكرية يتفق عليها الطرفان، ووضع خطة للدفاع عن الأرض اليمنية والحفاظ على السيادة الوطنية.

وبموجب ذلك الإتفاق أيضاً توقفت أعمال التخريب وكل الأنشطة المسلّحة التي كانت تقوم بها الجبهة الوطنية الديمقراطية في المناطق الوسطى وغيرها من مناطق الشمال بدعم من النظام في الجنوب، واعتماد مبدأ الحوار الوطني الديمقراطي بين الدولة والجبهة بديلاً عن لغة السلاح، وتم بموجبه السماح بإصدار صحيفة (الأمل) لتكون ناطقة بإسم الجبهة الوطنية الديمقراطية من صنعاء, وتوالت اللقاءات في تعز وصنعاء وعدن والتي تتوّجت بلقاء (عدن سيئون) التاريخي أثناء زيارتنا للشطر الجنوبي من الوطن في الفترة من 30 نوفمبر حتى 2 ديسمبر 1981 والذي تم فيه تشكيل المجلس اليمني الأعلى والهيئة الوزارية وإنشاء عدد من الشركات والمشاريع المشتركة بين الشطرين، وتشكيل سكرتارية للمجلس اليمني..

الإخوة المواطنون الكرام:

الإخوة أعضاء وعضوات المؤتمر الشعبي العام وأحزاب التحالف الوطني الديمقراطي:

إنه بقدر ما كان العمل الوحدوي يسير بوتيرة عالية، ونشاط متواصل بقدر ما كانت الصعوبات وتطورات الأحداث تشكّل كابحاً ومحبطاً لنشاط اللجان الوحدوية.. إلى جانب ارتفاع حدّة الصراع بين أجنحة الحزب الإشتراكي الذي أدى إلى تفجّر الوضع في عدن يوم 13 يناير 1986، مخلّفاً الآلاف من القتلى الذين تم تصفيتهم بموجب بطاقة الهوية الشخصية والإنتماء المناطقي ودفن العشرات من العسكريين والمدنيين وهم أحياء بشكل جماعي في حاويات تم اكتشافها عام 2010 في كل من الصولبان والخيسه بعدن، ونتيجة لأحداث يناير شهد العمل الوحدوي بعض التوقف بسبب الوضع المأساوي الذي أفرزته أحداث 13 يناير الأليمة، غير أنه ما لبث أن استؤنف بعد ستة شهور من أحداث يناير بلقاء رئيسي الشطرين في ليبيا ومثّل الشطر الجنوبي فيه حيدر أبوبكر العطَّاس، في شهر يوليو 1986 ليشكّل ذلك اللقاء دفعة جديدة لمسار العمل الوحدوي، وليؤكد القناعة لدى الجميع بأن لا حل لمشاكل اليمنيين إلّا بالوحدة وضرورة الإبتعاد عن المكابرة والمزايدات، وأن الوحدة أضحت ضرورة وطنية وحتمية تاريخية من شأنها إيقاف نزيف الدم اليمني في الشطرين والحدّ من إهدار إمكانات ومقدرات الشعب اليمني في حروب وصراعات عبثية والإستمرار في تآمر كل شطر على الآخر.

وفي ضوء نتائج لقاء ليبيا عُقدت عدّة لقاءات بين قيادتي الشطرين وخاصة أثناء الزيارة التاريخية الهامة التي قام بها علي سالم البيض بصفته الأمين العام للحزب الإشتراكي -آنذاك- إلى صنعاء يوم 21 يوليو عام 1987، والتي تواصلت بعدها الزيارات المتبادلة واللقاءات والمشاورات على كافة المستويات سواء تلك التي عُقدت في تعز وصنعاء ومكيراس، أو التي شهدتها مدينة عدن وتتوّجت باللقاء التاريخي الهام يوم الـ30 من نوفمبر عام 1989 الذي وقعنا خلاله على مشروع دستور دولة الوحدة بمدينة عدن والإتفاق على الخطوات اللاحقة لإعلان قيام الوحدة اليمنية والتي تمت بالفعل يوم الـ22 من مايو 1990م.

أيها الإخوة والأخوات الكرام:

اننا عندما نقدّم هذا الإستعراض التاريخي فإنما لنؤكد بأن الوحدة -كما قلت سابقا- لم تأت من فراغ, ولم تكن نزوة عاطفية, أو هرولة نحو المجهول، أو اندفاع حماسي غير محسوب النتائج, أو أنها تمت بدون دراسة وبحث عميقين, بل العكس صحيح، فلقد تمخضت الوحدة عن جهود كبيرة وعظيمة ونضال شاقٍ وعمل دؤوب متواصل الليل بالنهار، واستحضارٍ تاريخي مسئول للمعاناة المريرة التي كان يتجرّعها شعبنا اليمني العظيم في كل أنحاء الوطن الواحد، وما كان يمثّله واقع التجزئة التي فرضت على شعب واحد ووطن واحد، من مآسي وآلام, كما أن الوحدة جسّدت تطلعات كافة اليمنيين, وقد ساعدت الظروف الوطنية والإقليمية والدولية على إنجاز الوحدة خاصة بعد إنيهار الإتحاد السوفيتي والمنظومة الإشتراكية والذي قاد عملية الإنهيار الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل جورباتشوف في إطار سياسة البريسترويكا التي تبناها, ومثّل ذلك فرصة للأخوة في قيادة الحزب الإشتراكي اليمني للنجاة بأنفسهم من المصير المحتوم الذي كان ينتظرهم الذي حدث لتشاوسيسكو في رومانيا, فهربوا إلى الأمام نحو الوحدة, ولكن البعض منهم تحين الفرصة ليرتد عنها وتآمر عليها بدعم من النظام السعودي وبعض دول الخليج وافتعلوا أزمة عام 1993 ثم إشعال حرب الإنفصال صيف 1994م التي انتهت بإنتصار الوحدة وهزيمة الإنفصال الذي قاده علي سالم البيض، لكننا هنا وللأمانة التاريخية ومن باب الإنصاف نوضح بأن البيض كان من أشد المتحمسين للوحدة وإعادة تحقيقها، وسيذكر له التاريخ أنه كان شجاعاً ومقداماً في إتخاذ القرار بالموافقة على إعلان الوحدة، برغم معارضة بعض رفاقه من قيادات الحزب ورفضهم قيام الوحدة آنذاك، ولكن البيض للأسف تنكّر لتاريخه الوحدوي وارتد عن الوحدة مستسلماً لإغراءات الأموال الضخمة التي ضخها الأعداء في إطار تآمرهم على اليمن والوحدة, ومُني البيض ومن معه ومن دعمه الذين اتخذوا منه مطيّة لتحقيق الإنفصال, مُنيوا جميعاً بهزيمة قاسية تركت في نفوسهم غلّاً وحقداً كبيرين إلى جانب الإرث التاريخي من الحقد الكامن في نفوسهم على اليمن، مما جعلهم اليوم يعاودون الكرّة للقضاء على الوحدة متخذين من عبدربه منصور هادي مطية جديدة لتمزيق اليمن إرباً إرباً بإسم الشرعية الزائفة التي يستمدها منهم ومن القرار الأممي 2216 وليس من الشعب الذي أنتخبه لمدة عامين فقط.

يا أبناء شعبنا الأبي الصامد:

لقد كانت الوحدة اليمنية -ولازالت- حدثاً تاريخيّاً عظيماً شهدته بلادنا والمنطقة والعالم, فاجأ بها اليمنيون الآخرين في زمن كانت فيه الكثير من البلدان تتشظى والعديد من الشعوب تتمزق, وامتلك اليمنيون بالوحدة كامل إرادتهم وحريتهم وقرارهم الوطني المستقل, ولقد استطاعت الوحدة بفضل الإلتفاف الجماهيري حولها وبإرادة الوحدويين الصادقين أن تضع حداً لصراعات الماضي المريرة, غير أن ما يؤسف له أن الوحدة اليوم تتعرض لخطر داهم وكبير ومن نوع آخر لا يستهدفها وحدها فقط وإنما يستهدف سيادة اليمن واستقلالها ويستهدف أيضاً تمزيق النسيج الإجتماعي لشعبنا وتفتيت الوطن اليمني وتحويله إلى دويلات وكانتونات متناحرة, وإعادة اليمن إلى عهود المشيخات والسلطنات والإستبداد والإستعمار, والأخطر في فصول المؤامرة القديمة الجديدة هو تمكين التنظيمات الإرهابية (القاعدة وداعش وما يسمّى أنصار الشريعة التي هي من صنع هادي) من التمدّد والسيطرة على محافظات بأكملها، وجعل اليمن بؤرة ومنطلقاً للإرهاب وإقلاق السلم والأمن الدوليين، إلى جانب تمكين قوات الغزو الأجنبية من احتلال وتدنيس الأرض اليمنية الطاهرة على مرأى ومسمع من العالم أجمع وبمباركة وتأييد من يدّعي أنه يمتلك الشرعية.. غير مدركين بأن الشعب اليمني الذي استطاع أن يحرر أرضه من الاستعمار البريطاني والغزو العثماني ويتصدّى لكل الغزاة ويُفشل كل المؤامرات وفي مقدمتها المؤامرة التي استهدفت وأد الثورة اليمنية منذ انطلاقتها الأولى عام 1962 وعام 1963 قادر عاجلاً أمْ آجلاً على تحرير أرضه وطرد كل الغزاة والمحتلين.

أيها اليمنيون الأحرار:

أيها المؤتمريون والمؤتمريات والحلفاء والأنصار:

إن الجهود الكبيرة والمآثر العظيمة التي اجترحها شعبنا وقواه السياسية الحيّة وفي مقدمتها المؤتمر الشعبي العام وأحزاب التحالف الوطني الديمقراطي في كل مراحل النضال الوطني دفاعاً عن خيارات شعبنا الوطنية وإرادته الحرّة المستقلة، تتعزّز اليوم بالصمود الأسطوري لكل أبناء الوطن الأحرار وثباتهم أمام أشرس عدوان بربري غاشم تتعرض له بلادنا أرضاً وإنسانا من قبل نظام آل سعود ومعه 17 دولة متحالفة تمتلك أحدث التكنولوجيا والطائرات والبوارج والأسلحة المتطوّرة والفتَّاكة تقتل بها الشعب اليمني وتهدم المنازل على رؤوس ساكنيها الأبرياء وترتكب المجازر الجماعية من خلال استهداف تجمعات المواطنين في الأسواق العامة وفي الميادين والساحات والمدارس وقاعات الأفراح والعزاء، إلى تدمير كل مقدرات الوطن، لأن النظام السعودي لا يريد أن يعيش اليمنيون في أرضهم أحراراً بكرامة وعزة، ولا يريد أن تكون لليمن دولة قوية ونظام ديمقراطي حُر، ويعمل بكل ما أوتي من مال وقوة وغطرسة على إضعاف اليمن منبع العروبة وأصل العرب بمساحتها الجغرافية الواسعة التي تحدّها من الشمال مكة المكرمة, ومن الشرق سلطنة عُمان وغرباً تمتد إلى تخوم القرن الأفريقي (جيبوتي وارتيريا والصومال) والتي تطل على البحر العربي والبحر الأحمر وتسيطر على مضيق باب المندب الإستراتيجي, ولها تاريخ طويل وعريق من الحضارة والثقافة والعلوم.

ومما يؤسف له بأن نظام آل سعود وجد من يبرّر له عدوانه على اليمن من أبناء اليمن نفسها الذين باعوا ضمائرهم وأغراهم المال وأفقدهم بصيرتهم الوطنية، واختاروا طريق العمالة والإرتهان والوقوف إلى جانب المعتدي على وطنهم وشعبهم، مباركين ومؤيدين له، بل ومشاركين في تنفيذ بعض فصولٍ من المؤامرة, سواءً أولئك الذين منحوه صك العدوان على الوطن -أرضاً وإنساناً- بإسم الشرعية الزائفة أو أولئك العملاء في تنظيم الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) المرتبطين بأوثق العلاقات مع أعداء الأمة ومع أجهزة الإستخبارات الأجنبية، والذين وقفوا ضد الوحدة وتآمروا عليها منذ الوهلة الأولى لقيامها، وأصدروا الفتاوى الشرعية التي أباحت دماء اليمنيين وانتهاك أعراضهم وحرماتهم ونهب ومصادرة ممتلكاتهم, أو أولئك المتنطعين من بقايا الناصريين والإشتراكيين ومن في شاكلتهم الذين كانوا -ولازالوا- مرتهنين للخارج في السابق وفي الحاضر يلهثون وراء المال المدنّس، متنكرين لتاريخهم النضالي ومتخلين عن الفكر القوي المتحرّر الذي كانوا يزايدون به على الآخرين ورفع الشعارات الزائفة والمخادعة التي كانوا يدغدغون بها عواطف الجماهير، ومتنكّرين أيضاً لأيدولوجيات ومواقف أحزابهم من نظام آل سعود الذي كانوا يعتبرونه العدو التاريخي الأول لليمن ولليمنيين ولحرية واستقلال ووحدة اليمن، وهاهم اليوم بعد أن أزالوا عن وجوههم ذلك القناع المزيّف يتسكعون في أبواب أسيادهم الجدد مذلين ومطأطي الرؤوس, يسبحون بحمد هذا النظام المتآمر الداعم الأساسي والمنبع الرئيس للإرهاب ليس في اليمن فقط وإنما في سوريا وليبيا ومصر والعراق وكل دول العالم مثل روسيا وأمريكا ودول أوروبا الغربية وغيرها.
يا أحفاد سبأ وحمير ومعين وقتبان:

إنه مهما بلغ حجم التآمر والحقد على شعبنا وبلادنا فإننا على ثقة كبيرة بأن النصر سيكون حليف شعبنا حتماً بتوفيق من المولى جلت قدرته القائل في محكم كتابه الكريم: “إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ” والقائل “وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ”.

كما اننا على يقين كامل بأنه مهما استمر التآمر على وطن الحكمة والإيمان فإن اليمنيين بصمودهم وثباتهم وشجاعتهم قادرون على إفشاله وعلى تلقين الأعداء الدروس المريرة وإلحاق الهزائم المنكرة بهم ليس بما يملكونه من القوة العسكرية التي دمرها العدوان، وإنما بعزيمة الرجال الرجال وإصرار كل اليمنيين على التصدّي ومواجهة العدوان من أجل أن يعيشوا أحراراً، فالدم اليمني الحُرّ.. دم الحرية والفداء الذي يسال على قمم كل جبال اليمن الشمّاء وعلى تراب الوطن الطاهر ووديانه وسهوله وشطئانه وبحاره، سينتصر على الدم والذهب الأسود المتآمر والمتغطرس, وأن الأساليب الدنيئة التي لجأ إليها العدوان وقوات الاحتلال من خلال دفعهم لبعض عملائهم في عدن وبعض المحافظات الجنوبية والشرقية للقيام بترحيل أبناء المحافظات الشمالية المتواجدين في جنوب الوطن سواء للعمل أو للسكن، ومصادرة ممتلكاتهم وأموالهم, بموافقة هادي ومباركته ما هي إلّا فصل من فصول مؤامرة تمزيق الوطن، لكن تلك الممارسات ما هي إلّا فقاعات هوائية سرعان ما تتبخر ولن تؤثر على وحدة شعبنا المباركة وتمسّكه بها, لأنها راسخة وباقية ولن تكون رهناً لأمزجة شخص أو أشخاص أو فئة أو حزب أو جماعة, وأن المحتلين مهما بلغ جبروتهم وحقدهم على وطننا ووحدتنا حتماً سيرحلون وسيقاومهم شعبنا بإرادته وبصموده, وسيطهر الأرض اليمنية من رجسهم الخبيث.

أيها الإخوة والأخوات:

يا أبناء اليمن الأوفياء:

لقد تعوّد شعبنا اليمني العظيم أن تكون احتفالاته بأعياد الوحدة اليمنية المباركة حافلة بالإنجازات العظيمة في مختلف مجالات وجوانب الحياة وعلى مستوى كل مناطق اليمن, ولم يكن يتوقع أن تبلغ المؤامرات حداً يضطر معها شعبنا أن يجعل من احتفالاته اليوم فقط للدفاع عن الإستقلال والسيادة الوطنية, وعن كرامة اليمنيين وحريتهم, وللدفاع عن الوجود, وعن الحياة التي يريد الأعداء أن تكون موتاً لليمنيين, وللدفاع عن سلطة الشعب الذي هو ملكها ومصدرها ومانحها, إذ لا سلطة في يمن الـ22 من مايو إلا للشعب, أما أولئك الذين يمارسون السلطة من فنادق الرياض ومن أبواب اللجنة الخاصة, ومن شوارع اسطنبول والقاهرة وغيرهما، ويريدون أن يعودوا ليحكموا هذا الشعب الأبي على أشلاء وجماجم الأطفال والنساء والشباب والشيوخ وعلى أنقاض الدمار الذي أحدثه العدوان المُستدعى من قِبلهُم، فلا سلطة ولا مكان لهم في يمن الثورة والوحدة والديمقراطية وهم يعرفون ذلك جيداً.. ويعرفون أن الشعب لن يقبلهم وأن البقاء هو لمن وقف فعلاً مع الشعب وفي أرضه، ولمن دافع عن الشعب ورفض كل المغريات وكل أساليب الترهيب والترغيب وأختار أن يكون يمنياً حرّاً أبياً رافعاً رأسه في وطنه ومع شعبه.

البقاء هو للسبتمبريين والأكتوبريين الشرفاء وصنَّاع 22 مايو المجيد الذين اختاروا أن يعيشوا أحراراً في وطنهم وعلى أرضهم، ورفضوا أن يكونوا أذلّاء وتابعين وخانعين وعملاء لغير وطنهم.

أيها الإخوة الكرام:

في ختام كلمتي هذا.. أجدد لكم التهنئة من قلب صادق، بهذا العيد الوطني المجيد وبذكرى عيد الوحدة الخالدة، وأحيي مشاعركم الوطنية الصادقة، كما أود أن أبعث بإسمكم جميعا التحية والتقدير للأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون وللسادة رئيس وأعضاء مجلس الأمن الدولي مذكّراً إياهم بأن اليمن -أرضاً وإنساناً- تتعرض اليوم لعدوان همجي ووحشي غير مسبوق في تاريخ البشرية، في ظل صمت دولي مريب وغير مسئول، وأن ما تعلنه وتقرره الأمم المتحدة من سريان هدنة ما أو وقفٍ لإطلاق النار في اليمن لا يتم الإلتزام به من قبل دول العدوان بقيادة النظام السعودي، وأن مشاورات السلام الجارية في دولة الكويت الشقيقة وبرعاية كريمة ومباشرة من سمو الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير دولة الكويت وبتسيير من الأمم المتحدة لا يُراد منها إلّا أن تكون مضيعة للوقت من خلال عرقلة وفد الرياض لمجريات المشاورات التي توجّه مسارها وتتحكّم فيها رؤى من يقود تحالف العدوان على اليمن.

إن الشعب اليمني الذي يعيش تحت القصف الجوي والبحري وفي ظل الحصار الجائر المفروض عليه منذ 14 شهرا مضت يطالب الأمم المتحدة يتحمل مسئوليتها الأخلاقية والإنسانية بإيقاف العدوان ورفع الحصار عن الشعب اليمني, والمساعدة على نجاح مشاورات السلام الجارية في الكويت، وفرض عقوبات على كل من يعرقل إحلال السلام في اليمن ويسعى لإفشال المشاورات بمبررات وحُجج واهية وغير منطقية، أو الذين يحاولون أن يجعلوا من القرار الأممي 2216 مظلة أو ذريعة للمماطلة والتسويف في المشاورات لأن حُجتهم في ذلك ضعيفة؛ كون ذلك القرار فقد شرعيته بشن العدوان على اليمن وبفرض الحصار على سبعة وعشرين مليون يمني بهدف تجويعهم وتعريضهم للموت البطيء، وبالتالي فإن من يدّعي الشرعية استناداً إلى هذا القرار واهم؛ لأن الشعب اليمني هو مالك الشرعية ومصدرها، وهو ما ينطبق على عبدربه منصور هادي الذي انتخبه الشعب رئيساً توافقيّاً لمدّة سنتين فقط حلاً للأزمة التي افتعلها الإخوان المسلمون ومن تحالف معهم عام 2011، وتجنيباً لإراقة الدماء وصوناً لأرواح اليمنيين الأبرياء الذين أراد البعض أن يجعلوا منهم وقوداً لصراعاتهم الدامية من أجل السلطة، وهو الأمر الذي جعلنا نتواصل مع الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي طالبين منهم تبنّي مبادرة لحل تلك الأزمة، وبالفعل جاءت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمَّنَة وبموجبها سلّمنا السلطة سلميّاً وبطريقة ديمقراطية بعد أن دعونا إلى انتخاب رئيس توافقي لمدة سنتين، والذي بموجبها تسلّم عبدربه منصور هادي السلطة كاملة وكل مفاصل الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية دون استثناء، وباشر ممارسة مهامه الرئاسية متحالفاً مع الإخوان المسلمين والقاعدة وبقية الأحزاب والجماعات السياسية بما فيهم أنصار الله الذين اختلف معهم أخيراً وقدّم استقالته ورحل إلى عدن وترك لهم العاصمة والدولة والذين أصبحوا بعد مغادرته هم السلطة الفعلية، وإذا كانت هناك أي شرعية فهي للحكومة التي يرأسها خالد بحاح بموجب تشكيلها الأول والذي بموجبه نالت ثقة ممثلي الشعب في مجلس النواب.

إن الوضع المأساوي الذي تعيشه اليمن يحتم على الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس وأعضاء مجلس الأمن الدولي تفهّم وتقدير الموقف والعمل على وضع حدٍ للمعاناة الإنسانية المريرة التي يتجرّعها الشعب اليمني جرّاء العدوان والحصار, وأن يعمل مجلس الأمن الدولي على وقف العدوان ومعاقبة المعتدين ومن تعاون معهم على ما ارتكبوه من جرائم حرب وإبادة، وعلى مخالفتهم الصريحة لميثاق الأمم المتحدة وللقانون الإنساني الدولي.
كما يتحمل المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد مسئولية أخلاقية وتاريخية وقانونية تحتم عليه وضع مجلس الأمن الدولي وأمين عام الأمم المتحدة على حقيقة ما يجري في مشاورات الكويت للسلام من تسويف وعرقلة وتهرّب , وكذلك صورة ما يجري في اليمن بحياديّة تامة، وإبلاغهم بمضمون مناشدة الشعب اليمني لإنقاذه من العدوان والحصار، والإبتعاد عن شخصنة الأمور، ووضع حد لعمليات قتل الشعب اليمني من أجل سلطة شخص فقد شرعيته الممنوحة له من الشعب لفترة محددة، وأن يتحمل مجلس الأمن الدولي مسئوليته القانونية والأخلاقية بالتخلّي عن صمته المشرّع للحرب والعدوان على اليمن، وفي إلغاء العقوبات على الأشخاص والمساعدة على إنجاح مشاورات السلام في الكويت.

يا أبناء شعبنا الأبي:

يا أعضاء وعضوات المؤتمر الشعبي العام وأحزاب التحالف الوطني الديمقراطي:

يا حُماة الوحدة وسندها القوي:

لا أطيل عليكم فالحديث ذو شجون والنفوس مملؤة بالأحزان والآلام لما آل إليه وضع بلادنا وشعبنا وما حلّت به من كوارث ومآسي.. ولكن ثقتنا الكبيرة في الله -سبحانه وتعالى- وفي صمود وثبات شعبنا واستعداده للتحمّل والصبر والتضحية يعتبر خير عزاء لنا جميعاً.
سائلاً الله -سبحانه وتعالى- وهو القادر على كل شيء أن يتغمد الشهداء الأبرار بواسع رحمته وغفرانه، وأن يكتب الشفاء للجرحى والمعوقين، وأن يحقق لشعبنا كل ما يصبو إليه من مجد وسؤدد وعزة وكرامة.. وأن يجعل النصر حليف كل اليمنيين الأحرار وقواتهم المسلّحة والأمن ولجانهم الشعبية الذين يدافعون عن حياض الوطن، وعن كرامة الشعب وإرادته الحرّة المستقلة..

ولا نامت أعين الجبناء، ومن نصر إلى نصر.

وكل عام ووطننا وشعبنا بألف خير،،،

والسلام لمن اتبع الهدى..

التعليقات

تعليقات