إستراحة فالنتين للصبي المدلل بن سلمان ولغز عنترة !
 عاد فتى (شمعان) المدلل ذات ليلة من ليالي فبراير بعد يومٍ كاملٍ أمضاه في غرفة عمليات (الحزم) إلى قصر العرجاء حيث يقيم أبوه الملك (شمعان)، فلما سأل عن أبيه قالوا له إنه في الجناح الآخر يقضي وقته بالإستماع إلى أحد المحدثين الأعراب .
حث الفتى المدلل الخطى سريعاً بإتجاه الجناح الآخر كما لو كان يحمل معه مأزقاً وهماً جديداً يريد أن يستشير أباه الملك فيه، ولما وصل وجد أباه منصتاً بشغفٍ إلى ذلك المحدث الإعرابي .
أومئ إليه أبوه، فأخذ له مكاناً وقعد ينصت أيضاً لذلك الإعرابي وهو يقول : يُحكى أن (عنترة بن شداد) سُئل ذات يومٍ : هل أنت أشجع العرب ؟
فقال : لا .. لست أشجع العرب، ولكني كنت إذا دخلت معركةً عمدت إلى الجبان الضعيف فأضربه الضربة التي يخر لها قلب الشجاع فلا يجرؤ بعدها أحدٌ على مواجهتي ! وهنا أراد الفتى المدلل أن يتكلم فأومئ إليه الملك مرةً أخرى يريد منه الخروج، فعرف أن أباه ليس حاضراً بعقله الآن وقرر أن يؤجل مقابلته إلى صباح الغد . خرج الفتى المدلل قاصداً غرفةً له كان يقصدها للراحة والنوم بعد عودته من التنزه واللهو عندما كان صبياً وما أن رأى السرير وفراشه الوثير إلا وألقى بنفسه عليه ثم امتد شاخصاً بعينيه نحو السقف ومتأملاً في تلك القصة التي ساقها ذلك المحدث عن عنترة كما لو كانت قد راقت له .
وفجأةً لبسه النوم وغصَّ في سباتٍ عميقٍ أسلمه إلى عالم الحلم ! لقد رأى فتىً مدللاً بنفس ملامحه وهيئته يخرج من صحراءٍ قاحلةٍ جدباء على حمارٍ أعرجٍ إلى مدينةٍ كبيرةٍ مبنيةٍ قصورها وبيوتها بحجارٍ من الذهب والفضة واوراق البنكنوت يوشك مليكها على الرحيل إلى العالم الآخر، وبينما هو كذلك ينظر إلى ذلك الملك المريض الجالس على عرشه الفخم، إذا بالملك يناديه قائلاً له : تعال يا بُني وأستعد للجلوس على عرشك ..
تعال ولا تخف إني انا أبوك ! إقترب الفتى المدلل من العرش وقال : وما حقه يا أبي ؟! قال الملك : حقه يا بُني ان تثبت لي وللشعب والعالم أنك محارباً شجاعاً ومقاتلاً جسوراً . رد الفتى وقد اعتراه شيئاً من الإضطراب والخوف قائلاً : ومن عدوك يا أبي حتى اريك فيه ما تقر به عينك ويطمئن فؤادك؟! قال الملك : هناك وأومئ إلى بلاد ما وراء النهرين ! قال الفتى وقد تذكر قصة (عنترة) وعزم على تجسيد شخصيته : لعلك تريد (كسرى) !
فأنتظرني إذاً بعد سبعٍ وإن تأخرت فأحسب عشراً ! وقف ذلك الفتى المدلل وقد إرتدى لامة الحرب ينظر يميناً ويساراً وفي إحدى يديه ذلك السيف الذي عقد لشراءه صفقةً يقال لها (اليمامة) وفي الأخرى درعٌ وفي كنانته سهامٌ ونبلٌ عقد لشراءها واقتناءها صفقاتٍ مماثلةٍ أيضاً، فوجد أمامه (ابن ذي يزن) شاحب الوجه منهك الجسد لما ناله من شظف العيش وجور السنين، فأبتسم وقال : هذا هو ! هذا ضالتي وعمد إليه شاهراً سيفه وعينه على ذلك الفتى يريد ضربه وأخرى على (كسرى) يترقب ردة فعله، فنهض ذلك الفتى اليماني كالأسد وتلقف الضربة ثم زئر في وجهه زئرةً لم تمهله إلا أن فر هو ومن معه كالجرذان إلى جبلٍ عالٍ وأخذ من يومها يرشق الأطفال والنساء لعله وقد أوشك على إكمال عامه الثاني يظفر بسيف بن ذي يزن ! ولكنه لم يظفر ولا يبدو أنه سيظفر به !
أما (كسرى) فقد جهزوا له مقعداً في جزيرة (طنب) الكبرى وثانٍ في (طنب) الصغرى وثالثاً في جزيرة (أبو موسى) يقعد حيث يشاء ويستمتع من بعيد بمشاهدة ذلك الصبي وهو يحاول بائساً وحاسراً تسور أسوار قصر غمدان ! وأما بن ذي يزن فلايزال كلما إقترب منه ذلك الطائش أو أحدٌ ممن معه قام ليمرغ أنوفهم في الوحل قبل أن يرمي بهم وجبةً دسمةً لكلاب الصحراء أو الساحل !
وفجأة إنتقل به الحلم إلى قصر العرجاء حيث يقيم أبوه، فوجد هناك أباه الملك وذلك المحدث الإعرابي يتبادلان أطراف الحديث، فصرخ في وجه ذلك الإعرابي صرخةً أسمعت جميع من في القصر قائلاً : أيها المخادع لقد خدعتنا إذ أخبرت عن (عنترة)، فلا ضربتي أوقعت بن ذي يزن ولا طار لها قلب كسرى .
لقد كدت أن أُصرَع لولا أسرعت بالفرار ! إقترب منه ذلك المحدث وقال له بصوتٍ خافت : يا سمو الأمير قد تتمثل بعنترة وتحمل سيفاً بتاراً كسيفه، ولكن من أين لك زنداً وقلباً كزند وقلب عنترة ؟!
ثم أنشد : وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا إذا لم يكن فوق الكرام .. كرامُ ! وهنا إستيقظ فَزِعاً على حر يدي والده الملك (شمعان) وهو يقول له : لعلك يا بني كنت تريدني في أمرٍ ليلة البارحة ! فأجاب الصاحي تواً من النوم بشرودٍ تام : لا شئ يا جلالة الملك لا شئ ! وأخذ يردد : وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا إذا لم يكن فوق الكرام .. كرامُ ! #معركة_القواصم

بقلم الشيخ عبدالمنان السنبلي

التعليقات

تعليقات