SHARE
انهيار نظام «البترودولار» يهدد مصير السعودية وأمريكا معاً
المشهد اليمني الأول| متابعات

اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1972 و1974 سلسلة من الاتفاقيات مع السعودية على وجه التحديد ونشأ بموجبها نظام البترودولار، ويعود اختيار الولايات المتحدة للسعودية احتياطيات النفط الهائلة فيها وموقعها المهيمن في منظمة «أوبك» ولأن العائلة المالكة السعودية كانت ولا تزال فاسدة بكل بساطة، هذا إلى جانب الأسباب السياسية.

في جوهره كان نظام البترودولار اتفاقاً ينص على أن الولايات المتحدة تضمن بقاء بني سعود، وفي المقابل
يترتب على الرياض ما يلي:

1- إخراج سلاح النفط من الطاولة.
2- استخدام مركزها المهيمن في منظمة «أوبك» لضمان إمكانية أن تتم جميع معاملات النفط بالدولار الأمريكي فقط.
3- استثمار مليارات الدولارات من عائدات النفط في سندات الخزانة الأمريكية، الأمر الذي مكّن واشنطن من إصدار مزيد من الديون وتمويل العجز في الميزانية على نحو يفوق التصور.

يعد النفط السلعة الأكثر تداولاً واستراتيجيةً في العالم، فحاجة البلدان الأجنبية إلى الدولار الأمريكي للتجارة بالنفط توجد سبباً مقنعاً جداً لامتلاك احتياطيات ضخمة من الدولارات. فمثلاً إذا أرادت إيطاليا  شراء النفط من الكويت فإنه يجب عليها أولاً شراء الدولار الأمريكي في سوق الصرف الأجنبي لدفع ثمن النفط، وهذا يوفر سوقاً اصطناعية للدولار الأمريكي الذي هو مجرد وسيط في صفقات لا تعد ولا تحصى وليست على ذي صلة بالمنتجات أو الخدمات في الولايات المتحدة.

وفي نهاية المطاف، فإن نظام البترودولار يعزز القوة الشرائية للدولار الأمريكي، كما أنه يوجد سوق سيولة عميق للدولار ولسندات الخزانة الأمريكية، فضلاً عن حصول الولايات المتحدة على امتياز فريد يمكنها من شراء الواردات، بما في ذلك النفط، بعملتها الخاصة التي يمكن كذلك الأمر طباعتها.

وعموماً، فإنه يصعب تقدير الفوائد التي يحققها نظام البترودولار للدولار الأمريكي، بما يشمل السماح للحكومة في الولايات المتحدة وللعديد من الأمريكيين بالعيش بما يتجاوز مواردهم على مدى عقود. وهذا هو السبب الذي يدفع وسائل الإعلام والنخبة السياسية الأمريكية لإعطاء السعوديين معاملة خاصة.

لا شك في أن استثناء السعودية من قرار الحظر الذي أصدره الرئيس الأمريكي في نهاية أسبوعه الأول في البيت الأبيض يعد إهمالاً صارخاً، وخاصة أن أغلبية الإرهابيين المشاركين في هجمات أيلول هم سعوديون، وبصريح العبارة إن نظام البترودولار هو المفصل الذي يربط الولايات المتحدة والسعودية معاً رغم أنه مفصل مؤقت.

لقد استمر العمل بموجب معاهدة «بريتون وودز» الخاصة بالنظام النقدي الدولي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية 27 عاماً، بينما استمر نظام البترودولار أكثر من أربعين عاماً، وهو قائم حتى الآن رغم أنه بدأ بالتهاوي، فكما يبدو نحن على أعتاب نقلة نوعية أخرى في النظام المالي الدولي ضمن تغيير جوهري لا يقل أهمية عن التغيير الذي أحدثته نهاية اتفاقية «بريتون وودز»عام 1971.

إن العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية هي في أدنى مستوياتها التاريخية ومن المرجح أن تزداد سوءاً، فقد أصدرت الإدارة الأمريكية في وقت سابق تقرير لجنة أحداث 11 رأيلول مكوّن من 28 صفحة مصنفة مسبقاً، وتظهر تورط الأسرة السعودية المالكة في الهجمات، وهو ما دفع الكونغرس الأمريكي إلى إقرار تشريع يسمح لضحايا هجمات أيلول بمقاضاة النظام السعودي فيما يشكل ضربة كبرى لم يسبق لها مثيل ويتعذر إصلاحها لتسوية البترودولار.

حتى وبعيداً عن هذه التغيرات الجذرية فإن نظام البترودولار أخذ في الانهيار بما لا يترك مجالاً للشك، ما يضع السعوديين أمام مفترق طرق، فبإمكانهم على سبيل المثال بيع نفطهم باليوان الصيني أو اليورو أو بحسب حقوق السحب الخاصة «وهي عملة يستخدمها صندوق النقد الدولي وبعض المنظمات الدولية» أو بالذهب وغيرها من العملات الأخرى باستثناء الدولار والتأثير تباعاً على معظم الدول الأعضاء في منظمة «أوبك» لتحذو حذو السعودية.

أو قد يجد السعوديون أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه يقود إلى انهيار لا مفر منه على أي حال بالنظر إلى الأخطاء الاقتصادية والعسكرية الهائلة التي ارتكبتها الرياض مؤخراً.

إن الرمال الجيوسياسية للشرق الأوسط تتغير بسرعة وتنعكس سلباً على مكانة السعودية إقليمياً، في الوقت الذي تأخذ فيه إيران بالصعود، ولاسيما أنها ليست جزءاً من نظام البترودولار، وفي المقابل فإن التدخلات العسكرية الأمريكية في المنطقة تفشل، أضف إلى ذلك أن دول «البريكس» توجد بدائل محتملة للترتيبات الاقتصادية والأمنية التي تهيمن عليها واشنطن، الأمر الذي يؤثر بمجمله في استقرار نظام البترودولار، وببساطة فإن المناخ العام ينقلب ضد السعودية في لحظة تعد الأشد ضعفاً منذ تاريخ تأسيسها في 1932.

يبدو أن انهيار نظام البترودولار هو الحدث الأول غير المتوقع لعام 2017، ومن المرجح أن ينخفض سعر الدولار مقابل ارتفاع سعر الذهب عندما ينهار هذا النظام في المستقبل غير البعيد.

سابقاً عندما تم إيقاف صرف الذهب مقابل الدولار من قبل إدارة نيكسون عام 1971 ارتفع سعر الذهب بما يزيد على 2,3%، من 35 دولاراً للأونصة إلى نحو 850 دولاراً للأونصة في عام 1980، كما شهدت أسهم شركات التعدين ارتفاعاً شديداً، ومن المحتمل أن يعيد التاريخ نفسه مع نهاية البترودولار.

وهذا يدفعنا إلى نقطة حاسمة أخرى تنطوي على حصول تضخم شديد، فنظام البترودولار سمح للحكومة في الولايات المتحدة وللعديد من الأمريكيين بالعيش بما يتجاوز مواردهم على مدى عقود. وبكلمات أخرى إن الولايات المتحدة ستتلاشى بمجرد أن يخسر الدولار حالته الرائدة ما يشكل بدوره نقطة تحول جديدة تلقي بظلالها على الإدارة الأمريكية التي ستجد صعوبة في تطبيق ضوابط الرأسمالية وضبط الشعب الأمريكي وتأميم مدخرات التقاعد وغيرها من أشكال مصادرة الثروات.

من الضروري إذاً الاستعداد لتداعيات اقتصادية واجتماعية سياسية في الولايات المتحدة تنطوي على توسع حكومي أكبر وحريات أقل وازدهار منكمش وربما ما هو أسوأ في وضع مشابه تماماً لما حدث عندما قطع نيكسون سابقاً ارتباط الدولار بالذهب، علماً أنه بمجرد أن يزول نظام البترودولار ويفقد الدولار مكانته كعملة احتياطية أساسية في العالم ستقل خيارات الشعب الأمريكي الذي سيعاني من الآثار المالية والاجتماعية والسياسية لانهيار النظام المذكور.

المصدر: International Man

التعليقات

تعليقات

LEAVE A REPLY