أين تقع منطقة ترامب الآمنة في اليمن؟

من أحد أسباب استيلاء أنصار الله على الحكم، ودخولهم صنعاء في سبتمبر 2014م، هي مسألة تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، والذي اقتراحه الرئيس عبدربه منصور هادي، ورفضته المعارضة -آنذاك- المتمثلة في أنصار الله، وحزب المؤتمر الشعبي. كان مخطط اليمن الجديد، يتضمن إنشاء دولة اتحادية، عاصمتها صنعاء، بحيث يتكون هذا التقسيم من:

–          إقليم آزال، وعاصمته صنعاء، ويشتمل على خمس محافظات، بما فيها العاصمة.
–          إقليم عدن، وعاصمته عدن، ويشتمل على أربع محافظات.
–          إقليم الجند، وعاصمته تعز، ويشتمل على محافظتين فقط.
–          إقليم سبأ، وعاصمته مأرب، ويشتمل على ثلاث محافظات.
–          إقليم تهامة، وعاصمته الحديدة، ويشتمل على أربع محافظات.
–          إقليم حضرموت، وعاصمته المكلا، ويشتمل على ثلاث محافظات.
وتم إجهاض هذا التقسيم، وقامت الحرب على اليمن لأجل هذا السبب وغيره، بطلب من الرئيس عبدربه منصور – رغم أن بدء الحرب فعليًا سبق طلبه؟؟-
والآن، ومع دخول الحرب على اليمن عامها الثالث، يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويُعلن عن منطقة آمنة في اليمن، بالإضافة للمنطقة الآمنة في سوريا. ما يتعلق بسوريا أمرٌ واضح، وهو إقامة منطقة تحت الإدارة الأمريكية، يُمنع تحليق الطيران فوقها، سواءً الطيران السوري أو الروسي – وهو المعني بهذا التقسيم- أو التركي، بالإضافة إلى إيجاد مكان آمن للاجئين السوريين. وكما أشار الكاتب/ عبدالباري عطوان، في قراءته للمنطقة الآمنة في سوريا، بأنها تمهيد لتقسيم سوريا. فأحب أن أدلي بدلوي فيما يتعلق بالمنطقة الآمنة في اليمن.
يختلف الوضع في اليمن عن الوضع في سوريا، ففي سوريا: الدولة ورئيسها، وبرلمانها وحكومتها وجيشها واحد، وسوريا تم الهجوم عليها من أطراف خارجية، وبدعوة من المعارضة، بهدف إسقاط النظام. في حين أن الوضع في اليمن، يختلف بشكل تفصيلي عن سوريا، مع أن الهدف العام لكلا الحربين في سوريا واليمن واحد. في اليمن، تتعقد تلك المسائل كما يأتي:
–  الرئيس عبدربه منصور، معترف به دوليًا كرئيس شرعي لليمن، ولكنه مختلفٌ في شرعيته داخليًا، فهو يستند في شرعيته للمبادرة الخليجية، وبحسب استفتاء شعبي عام 2012م – وليس انتخاب- لاعتلاء الرئيس عبدربه كرسي الحكم، وتتضمن أحكام المبادرة الخليجية، على أن مدة حكم الرئيس عبدربه سنتان فقط، تنتهي في عام 2014م، ويعقبه إجراء انتخابات رئاسية، واختيار رئيس جديد. فالرئيس في نظر أطراف معينة، رئيسًا حتى يتم اجراء انتخابات رئاسية، ولو ظل في الحكم عشرين سنة، في حين تُنادي بقية الأطراف، بأن الرئيس عبدربه، انتهت ولايته في بداية عام 2014، وأن لا شرعية لحكمه بعد فبراير 2014م. بالإضافة إلى أن اجتماع مجلس النواب -البرلمان اليمني – بالأغلبية القانونية على الموافقة على إنشاء المجلس السياسي الأعلى عام 2016، ومنح الثقة له ولما تُسمى بحكومة الإنقاذ الوطني – حكومة صنعاء-، يعني أن الشرعية للرئيس عبدربه قد انتهت – على أبعد تقدير- منذ موافقة البرلمان على السلطة الحاكمة الجديدة للجمهورية اليمنية.
– الرئيس عبدربه منصور، قام بطلب التدخل الخارجي لضرب اليمن واليمنيين، رغم أن إعلان الحرب على اليمن تم من واشنطن، وتم شن أول هجوم على اليمن قبل طلب عبدربه، وقبل اجتماع القمة العربية، ومجلس الأمن للمصادقة على الحرب على اليمن، لإعادة السلطة الشرعية؟
– الجيش منقسم بين الموالين للرئيس عبدربه والموالين لحكومة صنعاء: أنصار الله وحزب المؤتمر الشعبي، وقد تم القضاء على السلاح الجوي والسلاح البحري الموالي لأنصار الله وحزب المؤتمر الشعبي.
وبالتالي فإذا رجعنا لخارطة عبدربه للأقاليم الستة، سنجد أن حكومة صنعاء، مسيطِرة كليًا على ما يُسمى بإقليم آزال (العاصمة صنعاء – محافظة صنعاء – محافظة صعدة – محافظة ذمار – محافظة عمران)، وأما بقية الأقاليم الستة، فلها حسابات مختلفة: إقليم حضرموت، وعدن، خارج سيطرتهم كليًا، وتبقت 3 أقاليم: الجند، وسبأ وتهامة، وهذه الأقاليم الثلاثة، تأتي بين مدٍ وجزر، في السيطرة بين حكومة صنعاء، وحكومة عدن.
وبالرجوع لما صرح به الرئيس الأمريكي بشأن المنطقة الآمنة في اليمن، فإنشاء هذه المنطقة ليس ما يُبرره، فمن ناحية الوضع الإنساني، فليست حالة اللاجئين اليمنين، كحالة اللاجئين السوريين، إلا إذا تم طرد الموالين لعبدربه وأسرهم، المقيمين في السعودية وقطر وتركيا وغيرها، لإحلالهم في هذا الإقليم؟ أما بالنسبة للشأن العسكري، فليس هناك مبرر لإقامة منطقة آمنة، إذا كانت حكومة صنعاء لا تملك أية طائرات أو مروحيات، أو حتى سفن أو قطع بحرية، حتى يتم إعلان المنطقة الآمنة، ومنع تحليق الطيران فوقها، أو الإبحار في سواحلها؟
إذن، فالأمر يكشف عن نفسه، بأن الغرض من إنشاء المنطقة الآمنة في اليمن، هو بدء تنفيذ مشروع الأقاليم الستة، ولكن بمباركة أمريكية، وبمال سعودي وخليجي، بحيث يتم فرض أقاليم عبدربه الستة بالقوة، والمسألة هي مسألة شرعنة (أي أضفاء الشرعية) للواقع الراهن. فبحسب ما ذكرتُ آنفًا، فهناك إقليمان؛ من الأقاليم الستة، خارج سيطرة حكومة صنعاء، وهناك إقليم واحد فقط، داخل في سيطرة حكومة صنعاء بالكامل، وبقية الأقاليم جارٍ تخليصها من سيطرة حكومة صنعاء، إذا ما استمر استنزاف مقدرات حكومة صنعاء العسكرية والبشرية والمالية والاقتصادية.
ولكن أين تقع منطقة ترامب الآمنة في اليمن؟
في اعتقادي، أن مشروع الرمح الذهبي لقوات التحالف على اليمن، والذي هدفه السيطرة على سواحل اليمن الغربية، من مضيق باب المندب، جنوبًا، حتى ميدي – بجانب الحدود السعودية – شمالاً، والذي أعتقد أنه سيتم ذلك، نتيجة الخروج العلني للإدارة الأمريكية، وإعلانها تأييدها للحرب على اليمن، وإرسالها للقطع البحرية العسكرية الأمريكية على طول السواحل اليمنية الغربية بجانب قطع قوات التحالف السعودي الإماراتي. مشروع الرمح الذهبي هذا هو بداية لإعلان إقليم تهامة (ويشمل مما يشمله محافظتي حجة والحديدة) كمنطقة آمنة، ويمكن أن يتم تعديل أقاليم عبدربه فيما يخص إقليم الجند، ويتم ضم محافظة تعز (أو الجزء الأكبر منها) لمنطقة ترامب الآمنة، لكي يكتمل الخط الساحلي الآمن؟
وبالتالي، فالمسألة هي مسألة وقت -ما لم تحدث معجزة- حتى يتم تطبيق أقاليم عبدربه الستة على أرض الواقع -مع شيء من التعديل- لكي يتم حصر حكومة صنعاء في إطار إقليم آزال الفقير فحسب، ومحاصرتهم فيه، يعقبه إما استسلام حكومة صنعاء أو الوصول لحل سياسي، يُوقف الحرب على اليمن، ولكنه سيُغير من خارطة اليمن لا محالة.
وخلاصة القول، أن مشروع الأقاليم الستة، الذي تبناه الرئيس عبدربه منصور، ودافع عنه، وأعلن الحرب على اليمن بسببه، هو مشروعٌ أمريكي بامتياز، وما إعلان الرئيس الأمريكي ترامب لإنشاء منطقة آمنة في اليمن، إلا التصديق على أقاليم عبدره الستة -مع إجراء بعض التعديلات- وسيتم، في رأيي، تحويل طول الساحل الغربي اليمني، كمنطقة آمنة، وهي في مجملها تأتي تحت ما يُسمى إقليم تهامة، الإقليم السادس في مشروع عبدربه منصور هادي.

رأي اليوم _ د. عبدالكريم محمد عبدالله الوظاف

التعليقات

تعليقات