النساء هدفاً مقصوداً

في الوقت الذي كان فيه أمراء الخليج يستقبلون الساسة الإيرانيين في عواصمهم بالورود وقبلات الخد ومواكب التبجيل، كانت طائراتهم تقذف حمم الموت لتحد من المد الإيراني في اليمن بقصفها مجلس عزاء للنساء في أرحب.
جريمة تحمل كل السوء، لا أسوأ منها ومرتكبيها إلا من يبرر لها ويغض الطرف عنها، والأسوأ على الإطلاق ذلك المتغابي الذي لا يفهم أسبابها ونتائجها وتبعاتها، ولا يعي الرسالة المبطنة التي تحملها.

جرائم متتابعة يندي لها الجبين، ومشاهد مؤلمة حد البكاء، وإدانات خجولة تناور بأفضليتها في مجتمع صامت. عدوان أعمى جعل من اليمنيين مسرحاً لجرائمه، يتفنن في إخراجها بطريقة مستفزة للانسانية، ويكررها دون رقيب.

إستهداف مجلس عزاء للنساء في أرحب جاء امتداداً لسلسلة من المجازر اليومية المماثلة، ابتداءً بعزاء سوق الهنود في الحديدة، وانتهاءً بمجزرة الصالة الكبرى في صنعاء، وجميعها تستدعي تحقيقاً دولياً محايداً.
غير أن تحالف العدوان يستبق ذلك بالاعتراف، ولا يكلف نفسه حتى بالإعتذار. فإفلاسه الأخلاقي جعل من اليمنيين أهدافاً مشروعة، يستهدفهم في فرحهم وحزنهم، في أسواقهم ومدارسهم وشوارعهم، وفي صالات أعراسهم، ثم يأتي ليستهدف المسعفين لحصد أكبر عدد من الوفيات، حتى إذا قضوا نحبهم عمد إلى استهداف مجالس عزائهم، قبل أن ينتهي به المطاف إلى استهداف مقابرهم.
هذه الجرائم البشعة تجسد الحقد الأسود على أسطورة الإنسان اليمني الذي صمد في وجه العدوان، وأفشل كل رهانات العالم لتركيعه وتجويعه ومحاولات النيل من كرامته وحريته بشتى السبل الخاسرة بعد أن قلب المعادلة الأقرب للمعجزة، وبات العالم يجد فرقاً مهولاً بين من يستهدف المدنيين من النساء والأطفال بأحدث الأسلحة الأجنبية الفتاكة دون قيود، بما في ذلك مجالس العزاء ومنازل المواطنين، وبين من يستهدف المطارات والمعسكرات والقواعد الجوية ببالستيات محلية الصنع، ويضرب البوارج البحرية ويسقط الطائرات المقاتلة بعد عامين من الحصار المطبق والقصف المتواصل الذي تتناوب عليه أعتى القوى العالمية.
الجرائم البشعة تجسد الحقد الأسود على أسطورة الإنسان اليمني
هذه المعادلة المقلوبة قلبت معها عقول الغزاة، وجعلتهم يترقبون الجديد مع كل مناسبة أو خطاب سياسي يمني. فكان لا بد من صناعة استفزاز طارئ بغية استثارة مشاعر كل اليمنيين، والضغط على القوات المسلحة اليمنية والقوة الصاروخية للمسارعة برد نوعي يطفئ الغضب الشعبي، وهذا في حد ذاته سيكشف ما تخبئه من مفاجآت باتت مقلقة جداً لتحالف العدوان، خصوصاً بعد مفاجأة الإعلان عن دخول منظومة الدفاعات الجوية إلى الخدمة، وتدشين ذلك بإسقاط طائرة استطلاع في مأرب.
يرى تحالف العدوان أن أي رد مهما كان جديداً سيكون دفاعياً له مبرراته، وردة فعل تفتقر لعنصر المفاجأة الذي كانت القوات المسلحة اليمنية تختار توقيتاً دقيقاً لتوظيفه، بالكشف عن تطور نوعي جديد في معركة التسليح.
يهدف تحالف العدوان من وراء مثل هذه الإستفزازات إلى التحكم بتوقيت أي استهداف بالستي للعمق السعودي، وهذا معنوياً يختلف عما إذا كان مباغتاً دون مبررات، وهجومياً بلغة استعراضية مبطنة بالتهديد. ولم يجد ما يستفز اليمنيين ويثير مشاعرهم وغيرتهم إلا استهداف النساء في مجلس العزاء الذي يقع في إطار قبلي يجرم مثل هكذا استهداف، ويعده جرماً وعيباً أسود يتطلب الرد السريع والفوري.
إن ضربات العدوان التي تستهدف المدنيين بشكل مباشر ليست أخطاء عفوية كما يتصورها البعض، بل هي أخطاء مقصودة ومدروسة الهدف منها إطالة أمد الحرب للقضاء على أكبر عدد من اليمنيين من كافة الأطياف والأطراف. فإنهاك الأطراف المتصارعة يتطلب إثارة القبائل عن طريق استهداف رموزها، تماماً كما حصل في خولان من استهداف لمنزل الشيخ الغادر.
هذه الإثارة كفيلة بإخراج مخزون القبيلة من التجييش والنفير العام والشحن النفسي سعياً للثأر والانتقام، وتزيد من كراهية قبائل طوق العاصمة للتحالف والشرعية، وتعمق ثبات القبيلة في الدفاع عن صنعاء ورفد جبهات القتال بالمال والعتاد والرجال. وهذا بالتأكيد سيقابله العدوان بفتح جبهات أخرى تحت سقف التحرير، لاستنزاف واستهلاك كل الطاقات البشرية اليمنية، ليسهل له بعدها فرض وصايته وتحقيق أهدافه بكل سهولة ويسر.
كم يحز في نفوس كل اليمنيين من ألم وهم يرون شعوباً آمنة ومستقرة تفرغت للبناء والتنمية وخدمة الأرض والإنسان، أدخلت اليمن في أتون الصراعات والحروب، وأشعلت نيران العداوة بين الإخوة، وأهدرت إمكانات الوطن المادية والبشرية في معارك لا منتصر فيها سوى العدو المتربص، الذي لن ينجو بفعلته عاجلاً أم آجلاً.
بقلم/ فؤاد الجنيد

التعليقات

تعليقات