المشهد اليمني الأول| متابعات
اثار كاتب ومحلل سياسي العديد من القضايا والحقائق الهامة في مقال كتبه ونشرته صحيفة ” رأي اليوم اللندنية ” الشهيرة، حيث فجّر فيه العديد من المفاجآت و الوقائع ،متحدثا عن العلاقة التي كانت تربط الرئيس علي عبدالله صالح بالمملكة العربية السعودية ، وهل كان صالح تابعا لها أم أنها أصطدمت بصخرة دهائه وأين وكيف؟
واشار الكاتب والمحلل السياسي عبدالكريم المدي فيه إلى أبرز اللاءات التي رفعها في وجه السعودية وكيف كسبها ، وما هي أهم المواجهات الصدامية التي وصل بعضها للمواجهات العسكرية بينه وبينها ، اضافة إلى الكيفية التي تعاملت من خلالها الرياض مع اليمن،ومن هم الأشخاص الذين اختزلت السعودية اليمن فيهم ، وأين ومتى كانت الصعقة الأولى التي تلقتها السعودية في اليمن ، ومن توالي القبيلة اليمنية اليوم ؟ وعن السرّ وراء وقوف دولة قطر مع خيار الوحدة اليمنية في العام 1994 وغيرها من القضايا التي سردها الكاتب بالدليل وبأسلوب شيق ،منها ما يتعلق بعدوان وحرب السعودية على اليمن ولماذا لجأت لهذا الخيار وما هو مصيره ..؟
لا ينكر أيُّ متابع للأوضاع في اليمن وعلاقته بمحيطه في الجزيرة والخليج خلال الستة العقود الأخيرة بأن المملكة العربية السعودية كانت صاحبة الامتياز في التأثير المباشر والقوي عليه وإن كانت تصطدم في عديد من المرات بلاءات الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي كثيرا ما تكسّرت أمواج نفوذها على صخرة دهائه ،وخير دليل على ذلك صراعه المعلن والخفي معها بسبب الخلافات الحدودية ورغبتها الدائمة لإبتلاع الآخرين ، وقد وصلت الأوضاع بينهما في غير مناسبة إلى مواجهات عسكرية محدودة كما حدث مثلا،في جزيرة الدويمة ومناطق حدودية كالحصامة ورازح ومنبه وغيرها.
ومن اللاءات الشهيرة التي رفعها صالح في وجه السعوديين تلك المتعلقة بموضوع إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في(22 )مايو(1990) التي لم تكن الرياض موافقة عليها، لتأتي بعدها مباشرة لاءة أخطر وأثقل عليها في العام (1991) على إثر الغزو العراقي لدولة الكويت الذي كان صالح بقدرما يرفضه تماما، فإنه يرفض – أيضا – التدخل العسكري الغربي ،لادراكه بمآلاته وأبعاده ،لهذا ظل يدعو لمعالجة الأمرعربيا ولواستدعى الأمر تدخلا عسكريا لكن عربيا فقط.
أما اللاءة الثالثة فقد كانت في حرب صيف (1994) والتي تصادم فيها صالح مع السعودية والعديد من الدول الخليجية بصورة شبه مباشرة حينما دعمت الرياض علنا قرار نائب الرئيس علي سالم البيض الذي اعلن الانفصال وتلقي يومها كل أشكال الدعم السعودي / الخليجي باستثناء قطرالتي ساندت خيار الوحدة نكاية بالسعودية ، وعمان التي لزمت الحياد.
المهم ورغم كل تلك التصادمات وغيرها ،إلا أننا نستطيع التأكيد بإن السعودية ظلت اللاعب رقم واحد في اليمن حتى أواخر العام (2014)،بحكم الهالة التي وُضعت لها،إلى جانب إمتلاكها العديد من أدوات ووسائل التأثير في المشهد اليمني ، وربما أن أبرز أسلحتها قد تمثّل بالمال من خلال ما عُرِفَ باللجنة الخاصة التي كان يترأسها الأمير المرحوم / سلطان بن عبدالعزيز ، فعن طريقها وُجِد طابورطويل من المشائخ والمستفيدين الذين تمتعوا بمعاملة خاصة من قِبل تلك اللجنة التي حددت لكل شخص راتبا شهريا ، وقد تسرّبت للصحافة اليمنية ما بين عامي ( 2012) و(2013) كشوفات بالراتب الشهري لآلاف المشائخ والنافذين الذين كانت المملكة تدفع لهم مبالغا مالية ضخمة،وليس ذلك فحسب ، بل أن عددا كبيرا من أولئك الوكلاء حملوا الجنسية السعودية وامتلكوا صلاحيات منح تصاريح لأتباعهم تمكنهم من الدخول إلى أراضيها والأقامة فيها إلى جانب توصياتهم إلى الأمراء من أجل الإهتمام بأقاربهم وأصدقائهم تحت عدة مسميات وغيرها.
وهكذا يتضح لنا أن السعودية خلال عشرات السنين أختصرت اليمن كلها بحوالي خمسة ألف شيخ وفي الأخير اكتشفت بأنها وحيدة وبدون تأثيرحقيقي، لتلجأ لخيارات أخرى منها الحرب وشخصنة القضية وحصرها في شخصين هما: الرئيس السابق علي عبدالله صالح وزعيم جماعة أنصار الله /عبدالملك الحوثي ومن خلفهما آية علي خامنئي.
لقد نلك السياسات الخاطئة المملكة تبدو وكأنها غريبة تماما ومتخلفة بشكل كامل عن فهم اليمن وتحديد مشكلاته..ومحق من يقول لك إنها ومعها معظم دول الخليج لم تكن يوما قريبة من المجتمع اليمني ومعرفة ما يجري فيه وطريقة تفكير أبنائه وماذا يحتاجون ، وكيف يُمكن كسبهم ، ومن أي زاوية ينظرون لها ولحلفائها،ونظرا لهذا الجهل بالبلد وتاريخه وواقعه الصعب والمعقد، صُعِقت بداية بما حدث في سبتمبر من العام 2014 ، حينما تحول رجالتها الأسطوريون والخارقين إلى مشردين وأشخاص عاديين سقطوا في أول اختبار مع اللجان الشعبية التابعة للحوثي وبأقل جهد ،وبدلا من أن تبحث عن معالجات تحفظ للجميع ماء الوجه، بعيدا عن فلسفة البيع والشراء بالذمم ولغة القُدرة والحزم والحسم ، قررت المغامرة والغرق أكثر من خلال إعلان الحرب المباشرة على اليمن وعلى الرئيس صالح وحزبه والحوثي وأنصاره والقبيلة التي اثبتت الأحداث بأن حوالي 80% من زعمائها وأبنائها مع صالح ومن بعده الحوثي .
وللأسف الشديد إن الدولة السعودية إلى اليوم ما زالت تسير على نفس النهج بدون هُدى ،وبدون رؤية، معتمدة فقط ،على الطائرات الحربية والقنابل الذكية وقرارات مجلس الأمن والمال،عاجزة عن إنقاذ نفسها وإنقاذ اليمن والمساهمة الفاعلة في صنع مرحلة وآلية جديدة للحوار والسلام خارج مفردتيّ الشرعية واللاشرعية، النصر والخسارة،السُّنة والشيعة،الحق والباطل، العرب والفرس، صالح والحوثي.

التعليقات

تعليقات