أنا .. ومبخوت وثالثنا الألم !

753

أنا .. ومبخوت وثالثنا الألم !

لو أن أحداً جاءك أيها المواطن وأراد أن يقنعك أن الجيش الذي قد تكون أنت فرداً أو ضابطاً فيه ولا تعرف سواه منذ ولادتك ليس هو جيش الوطن الحقيقي وأن الجيش الحقيقي هو ذلك الذي أُنشئ للتو بقرارٍ جاء من عاصمة بلدٍ مُعادٍ أجنبي ، فكيف سيكون شعورك لحظتها ؟! وهل ستقتنع بما قاله لك ؟!
لنرى جميعاً مالذي حدث لي ! من قبل حتى أن ألتحق بالإبتدائية وأنا أمر من أمام بوابة هذا المكان وأرى هناك بداخلة أناساً يلبسون بزةً بنفس النوع واللون ويضعون على رؤوسهم طاقياتً أو خوذاتٍ أيضاً بنفس اللون والنوع، فأستغرب من هؤلاء وماذا يفعلون هنا ! وذات يوم وقد أصبحت طالباً في الصف الأول وبينما كعادتي أمشي من ذات الطريق دفعني الفضول وتقدمت بإتجاه ذلك الرجل الذي إعتدت رؤيته عند بوابة ذلك المكان والذي يشبه كثيراً من حيث تموضعه ووقفته حارس مدرستنا لولا انه يلبس بزةً كتلك التي يلبسها أولئك الناس في الداخل !
كنت أعرف إسمه لكثرة سماعي لإولئك الذين ينادونه من الداخلين إلى ذلك المكان أو الخارجين منه، فقد كنت أسمعهم ينادونه بالفندم (مبخوت) ؛ تقدمت وكنت جريئاً جداً فسألته السؤال الذي ظل يؤرقني كثيراً وقلت : يا عم فندم (مبخوت)، فألتفت إليَّ وابتسم ربما من صيغة مناداتي له وقال : ماذا تريد يا بُني ؟ فقلت : من هؤلاء و ماذا يفعلون هنا ؟ فقال : هولاء هم الجيش الذي يحمي البلاد وهذا أحد معسكراتهم وهم الآن يتدربون . فقلت له وقد حُفرت كلماته في ذهني : شكراً يا عم .
مضت الأيام وأصبحت في الصف الرابع الإبتدائي حين دخل الإستاذ حاتم (مدرس اللغة العربية) الفصل طالباً منا كعادته فتح كتاب القراءة . ولما فتحت الصفحة المطلوبة وكانت صفحة (المحفوظات) وجدت نشيداً مطلعه : سل صفحة الأيامِ تنبئك عن اقدامي وكان هناك رسماً أعلى الصفحة لرجلٍ متخوذٍ خوذةً كتلك التي يرتديها أولئك الجنود في ذلك المعسكر، فبدأت أشرح لأصدقائي مزهوّاً أنني أعرف هذا الجندي الذي يتغنى النشيد بشجاعته وبسالته وقلت : إنه يسكن هناك في معسكر عمي (مبخوت) !
مرت الأيام والسنون وكبرت وكبر كذلك عمي (مبخوت) والذي لا يزال إلى اليوم في مكانه (لم يتقاعد بعد) وعرفت طبعاً أن ذلك المعسكر هو احد معسكرات الجيش اليمني وصرت أعرف الكثير والكثير من منتسبي هذا الجيش وأعرف كذلك معسكراته وأدوار كل معسكرٍ على حده ووظائفه ووووووو … !
وفجاةً في يومٍ ربيعيٍ مزيف طلع علينا أناسٌ منا كانوا يتفاخرون ويحترمون هذا الجيش ويشيدون بأدواره الوطنية – أو هكذا كانوا يدعوّن – إلى قبل ذلك اليوم ليخبرونا ويريدوا أقناعنا أن هذا ليس جيشنا وإنما هو جيشٌ عائليٌ يجب هيكلته وتفكيكه ! وفي يوم عطلةٍ مررت بالصدفة من أمام ذلك المعسكر ووجدت
عمي (مبخوت) وقد غزا راسه وشاربه الشيب يجلس كعادته حزيناً فأقتربت منه وأردت أن أسلم عليه . إبتسم حين رآني ابتسامةً لم يستطع أن يخفي وراءها الحزن، فسألته عن ما وراءه، فقال : لقد جاءوا ودخلوا بمعية أجانبٍ وقلبوا المعسكر رأساً على عقب كما لو كانوا يحصرون ظاهراً شيئا وهم في الأصل يبحثون عن شئٍ آخر !
ثم استطرد قائلاً لم أكن أريد ان يدخلوا معسكري هذا لولا أنهم يحملون أوامر عليا من الرئيس الجديد ! فقلت له وقد أردت ان أخفف من حزنه قليلاً : لا تحزن يا عماه، إنما هؤلاء هم لجنة الهيكلة قد جاءوا لإعادة ترتيب وتنظيم المعسكر ! فقال : وما دخل اولئك الإجانب إذاً ؟
فقلت : إنهم كما يقولون خبراء ! فقال متعجباً : خبراء ! وماذا عن أسرار الجيش حين يطّلعون عليها ؟! أليسوا أجانباً ويُحرم عليهم الاطلاع على أسرار الجيش مهما صغر شأنها ؟! سكتُّ ومثله انتابتني الحسرة والحزن وقلت ليقضي الله أمراً كان مفعولا !
ولم اكن أعلم وكذلك عمي (مبخوت) أن سيأتي يومٌ يُقصف فيه هذا المكان، إلا أن ذلك اليوم قد جاء للأسف وقُصف كغيره من المواقع والمنشأت العسكرية بدعوى أنها مواقع ومنشأت مليشيا الحوثي وقوات المخلوع ! هكذا يريد القاصف أن يوهمنا ! مليشيا الحوثي وقوات المخلوع ! ما هذا الهراء ؟!
هذا هو جيشنا الذي ما علمت لليمن غيره ! ماذا حدث ؟! أخذت نفسي مسرعاً وأنا أحاول أن أتهرب من تلكم الأسئلة التي كانت تطوقني لأبحث عن عمي (مبخوت) . وجدت البناء وقد إنهار كلياً وماحوله يحترق لكن عمي(مبخوت) لم يسقط لقد رأيته من بعيد واقفاً شامخا ًوسلاحه على كتفه فوق الركام ينفض الغبار عن نفسه دون حتى أن ينحني أو يطأطئ رأسه ! ابتسمت وعدت أدراجي وأنا أحدث نفسي بكل فخرٍ قائلاً كذلك هو جيشنا ! كذلك هو جيش اليمن ! في الطريق وجدت مرجفاً أو مرتزقاً يحاول أن يبرر لي قصف ذلك المكان ويبشرني بقدوم ما أسماه (الجيش الوطني) !
نظرت إليه بإزدراء وسألته : وما الجيش الوطني ؟! وهل كان هذا الجيش الوطني موجوداً عندما كنت انا طفلاً صغير أو عندما دخلت بعد ذلك المدرسة وهل هو من كنت انشد له سل صفحة الأيامِ تنبئك عن إقدامي لا خوف يعتريني في الذود عن يميني مجاهدٌ صنديدُ مقاتلٌ عنيدُ ؟!
فأجاب وقال : لا ..لا ..الجيش الوطني هو جيش الشرعية الذي تم إنشاءه حديثاً لتحرير اليمن من ميليشيا الحوثي وقوات المخلوع ! مليشيا الحوثي وقوات المخلوع ! وسالت : أتقصد بها ذلك المكان وأشرت إلى الموقع الذي تم قصفه للتو حيث كان عمي (مبخوت) لايزال واقفاً إلا أنه هذه المرة كان قد رفع علم اليمن عالياً ؟! تردد قليلاً ثم قال : نعم !
قلت : وتريدني أن أقتنع بما تقول ؟! قال : بل يجب أن تقتنع ! أطرقت قليلاً ثم قلت : أبحث عن حمارٍ هنا أو هناك فقد تقنعه، أما أنا فأعرف جيداً جيشنا كما أعرف تماماً عمي العقيد ( مبخوت) !
#معركة_القواصم

بقلم الشيخ عبدالمنان السنبلي

التعليقات

تعليقات