أول الفواتير السعودية..على يد من سيكون الحساب؟

بقلم / عبد الكريم المدي

عندما كان هناك – ودعونا نُحسنُ الظن – قطرة من دم الخجل تسري في أوردة إدارة البيت الأبيض في العام (1962) عهد الرئيس جون كنيدي، بعث هذا الأخير السفير ” الزورت بنكر ” إلى الأمير فيصل بن عبدالعزيز، ليؤكد له بأن مظاهر القوتين الجوية (8 طائرات) والبحرية التي سلمتها واشنطن للسعودية كإعلان منها لدعمها تمّت بشرط إيقاف التدخُّل السعودي في الشأن الداخلي لليمن الذي كان يشهد حينها صراعا بين ثورة (26سبتمر) وأنصارالنظام الجمهوري من جهة، والنظام الإمامي وأنصاره المدعومين سعوديا من جهة ثانية.

اليوم وبعد عامين من الحصار والعدوان العسكري السعودي/ الخليجي/ العربي على اليمن وبأحدث الأسلحة الأميركية، ومايزيد عن خمس سنوات – أيضا – تدخل مباشر وغير مباشر في سوريا ، وقبلها في ليبيا، ما هو موقف السادة / جون كنيدي وجورج واشنطن وآبراهام لنكولين وغيرهم؟
فلو كانوا أحياءً من سيوفدون إلى السعودية وبأي لغة سيتحدثون معها، وما الذي سيقررونه بخصوص الأسلحة الأميركية التي بيدها وتلك التي تُشحن إليها بصورة مستمرة؟
وهل سيلتمسون العذر لتحالف العدوان على اليمن، وعلى أي مشجب سيعلقون ذلك العذر وتحت أي شماعة ويافطة سينحازون ،إن قرروا الانحياز، للقاتل على حساب الضحية؟
المهم دعونا من الأميركان والخوض في أجندتهم التي غالبا ما تخضع لمصالحهم، وتعالوا بنا للأشقاء العرب الذين طالما تغنوا بنبعهم الأول (اليمن) وشعبه الذي لم يبخل يوما في الدفاع عن قضايا أمته،وتشهد له بذلك الكثير من الأحداث والعلامات التي ما يزال بعضها ماثلا للعيان كالضريح الموجود جوار قبة (راحيل) عند مفترق الطرق المؤدية إلى القدس الشريف وبيت لحم وخليل الرحمن، حيث شارك شباب اليمن أشقاءهم في واجب الدفاع عن كرامة الأمة وقدس أقداسها خلال ما عُرِف بـ حرب النكبة (1948) ،ومثله في جنوب لبنان والجولان وطنجة وفاس وقرطبة وسبتة وغرناطة وغيرها.
غير أنه ومع كل هذه التضحيات والمواقف يبدو أنها لم تُمثّل أي رصيد لليمنيين وتتكفل على الأقل، بإخراج (50) ألف عربي للساحات في ثلاث عواصم لإعلان التضامن معه،والتساؤل: لماذا أضحت شرائح عديدة من أبنائه هدرا في محيط الدموع المكلومة والدماء المسفوكة والأحلام المحطمة، لدرجة أن لسان حال قطاع واسع من مواطنيه قد أخذ يُردد عند كل صباح وبصوت واحد القصيدة التي قال فيها الشاعر المصري الكبير” أمل دنقل ”: ( مالنا شوط من الأحلام ثاني).
صحيح قد يكون هذا البلد حاليا مفلسا ماديا ،لكنه ثري جدا إنسانيا وأخلاقيا وحضاريا وثقافيا وتاريخيا، حيثُ مثل عبر مراحل عديدة رافدا مهما لمحيطه.
المهم وأيا كان شكل واقعه وما عاناه طوال سنتين، فما يُدرينا قد تكون هذه المحن بمثابة إمتحان جديد لمدى قدرة وصبر وإيمان الإنسان اليمني الذي قد تُغسله كل هذه الإبتلاءات والعذابات – أيضا – من شوائب ما، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف سيكون عليه حال الأشقاء الذين يغسلون اليمن منذُ (24) شهرا بدماء بعضهم البعض، بدموع ونزف أطفالهم وأمهات ضحاياهم..؟
على يد من سيُغسل السعوديون والإماراتيون مثلا، وهل سيكون الغُسلُ الأول نظير ذنوبهم التي اقتروفها بحق اليمن، أم سوريا، أم فلسطين،أم ليبيا أم العراق أم أم …؟ في الحقيقة لا تتوافر لدينا إجابة دقيقة على هذا التساؤل المشروع حاليا، والذي نحن على يقين منه، هو أن إنتظارنا لها لن يطول كثيرا.
على العموم أكيد أنكم تتذكرون معي، كم ناشدنا باخلاص هوءلاء الأشقاء بضرورة مراجعة حساباتهم الخاطئة حيال اليمن وسوريا خاصة ـ والمنطقة عامة..!
ترجيناهم بأن يجرّبوا النزول إلى الواقع كي يكتشفوا بأنفسهم كم ظنونهم خاطئة ومشاريعهم صغيرة وقوتهم ضعيفة ووسائلهم فاشلة، بغض عن ما يقومن به في اليمن الذي قد تعود أبناؤه على صنوف شتّى من الألم لكن لم يعرأحدهم كلامنا أي إعتبار..
أما اليمن ورغم كل ما حدث ويحدث فيه، نعتقد بأنه سيستعيد مفقوداته ووئامه مع أول فرصة تتاح له ليعود أقوى مما كان، مستفيدا من هذه الدروس القاسية،التي لا شكّ، بأنه تعلم منها الكثيروجعلته يطبّق عمليا مقولات وعبارات محفورة في التاريخ، كتلك التي قالها ذات مرّة الأديب والمسرحي البريطاني الشهير “وليم شكسبير”: (أنت بحاجة للخلافات أحيانا لمعرفة ما يُخفيه الآخرون في قلوبهم.. قد تجد ما يجعلك في ذهول، وقد تجد ما تنحني له إحتراما).
وفي هذا السياق ربما أن اليمنيين قد عرفوا الاثنين معا، حيثُ ذُهلوا بما فيه الكفاية من مواقف الكثير من أشقائهم نُخبا وشعوبا، وفي المقابل أنحنوا إجلالا وإحتراما لكثير من أعلام أمتهم الذين ينبض به كل قلب مواطن يمني وعربي شريف، منتمي لهذه الجغرافيا، قولا وعملا، شعورا وسلوكا،هوى وهوية.

التعليقات

تعليقات