المشهد اليمني الأول| ترجمة: صادق الأرحبي

عندما يكون الجاني خصما سرعان ما نسمع عويل ما يسمى جماعات ” التدخلات الإنسانية” للغرب” بشأن ما يحدث من نزاعات دموية، بيد انها تلتزم الصمت عندما يكون الجاني حليفا، مثل المملكة العربية السعودية وما ترتكبه من جرائم في اليمن.
جوناثان مارشال| موقع ” الكونسرتيوم نيوز” الاستقصائي الأمريكي:
الغرب وأخلاق النفاق عما يجري في اليمن
قبل بضعة أشهر فقط، طالب من تدخلوا في شؤون سوريا بان يكون هناك ردا مسلح من قبل واشنطن لما وصفه جورج سورو” كارثة إنسانية ذات أبعاد تاريخية”-  حيث قتل ” مئات الأشخاص” نتيجة قصف الحكومة الروسية والسورية للأحياء التي يسيطر عليها المتمردين في مدينة حلب.
كان ليون ويستلر، وهو زميل بارز في معهد بروكينغز ومحرر سابق في صحيفة “نيو ريبابلك”، يتهم إدارة اوباما في أنها تمثل دور ” المتفرج على واحدة من افضع الجرائم في عصرنا الحالي مؤكدا بان فشلها في ” التحرك ضد الشر في حلب” كان مثل التغاضي عن ” الشر في أوشفيتز”.
وانه لأمر غريب ان نجد، بعد ذلك، بان العديد من ذات الأصوات ” الإنسانية” قد التزمت الصمت مؤخرا إزاء استمرار قتل العديد من الناس في اليمن، حيث قتل عشرات الآلاف من المدنيين وبات 12 مليون شخص يواجهون مجاعة، كما ان أكثر من ألف طفل يموتون كل اسبوع بسبب امراض يمكن الوقاية منها ذات الصلة بسوء التغذية والهجمات الممنهجة على البنية التحتية للغذاء في البلد من قبل التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، التي تسعى الى فرض نظام يكون مطيعا للرياض في جميع أنحاء البلد.
الصيف الماضي، قال فيليب بولوبيون نائب مدير برنامج المرافعة الدولية في هيومن رايتس ووتش” انه لصمت مطبق ذاك الذي تمارسه الولايات المتحدة”. وأضاف” ان معيار الكيل بمكيالين المتعمد يقوض بعمق جهود الولايات المتحدة في التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان سواء تلك التي في سوريا او أي مكان في العالم”.
ان وجود موافقة رسمية، وما هو أسوء، من قبل واشنطن وعواصم أخرى كبرى يشجع القتل بلا هوادة للمدنيين اليمنيين بواسطة الطيران الحربي السعودي وحلفاؤه. الاسبوع الماضي، ضربت قنابلهم تجمع عزاء شمال صنعاء، عاصمة اليمن، مودية بحياة تسع نساء وطفل وجرح العشرات من الناس.
قبلها بيوم، ذكر مسئولون تنفيذ التحالف السعودي غارة جوية وفق تقنية” الضربة المزدوجة”، مستهدفة في الغارة الاول عزاء في صنعاء، وفي الثانية الطواقم الطبية التي هرعت الى المكان لإسعاف الجرحى. وقد أدانت لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة هجوم مماثل نفذته قوات التحالف السعودي في أكتوبر الماضي، قتل وجرح خلاله مئات المدنيين، وهو ما يمثل انتهاكا للقانون الدولي.
مأساة المخا:
في 12 فبراير الجاري، أسفرت غارة جوية على ميناء المخا على البحر الاحمر بحياة أسرة مديرة مركز الامومة والطفولة في المنطقة والمكونة من ستة أشخاص. كما شنت القوات البرية للتحالف هجوما على المخا منذ عدة أسابيع.
وذكرت وكالة أنباء الصين(شينخوا)” ان تكثيف المعارك ومحاصرة الالاف من السكان المدنيين في المدينة، فضلا عن إعاقة العملية الإنسانية المتعلقة باستيراد المواد الغذائية الأساسية ومشتقات الوقود… وقال مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومقره جنيف انها تلقت تقارير مقلقة للغاية تشير الى استهداف مدنيين واهداف مدنية طوال الاسابيع الماضية في المدينة الساحلية الجنوبية الغربية… كما تشير التقارير التي تلقتها الأمم المتحدة بان أكثر من 200 منزل قد تضررت او دٌمرت بالكامل نتيجة الضربات الجوية خلال الاسابيع الماضية”.
كما افاد منسق الشؤون الانسانية بان” عشرات المدنيين” قد قتلوا او جرحوا خلال القصف الجوي والضرب بالمدفعية على المخا، وذلك ما ادى الى محاصرة السكان في ظل عدم وجود خدمات الحياة الأساسية.
لنفترض ان ذلك حدث في حلب، وما ينقص سوى عرض الصور التي تفطر القلب للقتلى والجرحى من الأطفال على التلفزيون الأمريكي. مع ذلك، بخلاف سوريا، ليس لدى المتمردين في اليمن مكاتب علاقات عامة لتلقي التمويل الكافي من عواصم الغرب. فهم لا يعيروا اي اهتمام للولايات المتحدة، وللديمقراطية او حقوق الإنسان الدولية. عدوتهم المملكة العربية السعودية تعد صديق لواشنطن، وليست خصا طويل الأمد. نتيجة لذلك، يدعو عدد ضئيل من النقاد الامريكيين الى رفع دعوى قضائية لاي انتهاك اخلاقي يقوم به التحالف السعودي، بالرغم من النتائج التي توصلت اليها لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة في ان العديد من غارات السعودية الجوية تنتهك القانون الدولي و، في بعض الحالات، تمثل جرائم حرب”.
مساعدة وتحريض:
لم تغض الولايات المتحدة الطرف عن هكذا جرائم دون مقابل، فقد ساعدها ذلك على بيع طائرات حربية للسعودية هي الان تحلق في سماء اليمن وذخائر تقوم بإسقاطها على رؤوس المدنيين اليمنيين. ناهيك عن جني 54 مليون جنيه مقابل قيام طائرات نقل الوقود الامريكية بتزويد طائرات التحالف التي تقوم بمهام القصف في اليمن بالوقود جوا. وبحسب ما ذكر، فان وتيرة عمليات تزويد الطائرات بالوقود قد ارتفعت بشكل كبير جدا خلال العام الماضي.
في البداية دعمت إدارة اوباما التحالف السعودي لمراضاة الرياض بشأن الاتفاق النووي مع إيران. ومع مرور الوقت، تحالفت السعودية مع الصقور المناهضين لإيران لتصوير المتمردين في اليمن على انهم ادوات طهران من اجل تبرير الدعم المستمر للحرب. بينما يؤكد معظم الخبراء- بم فيهم مسؤولي استخبارات أمريكيين- عكس ذلك بان المتمردين قوة حقيقة في الأصل وتتمتع بدعم محدود من قبل إيران في أفضل الأحوال.
كما سبق وتحدثت بالوثائق، فقد أضرت الحرب في اليمن بمصالح الولايات المتحدة بسبب خلق فوضى سياسية تفضي إلى تنامي متطرفي القاعدة الذين سبق وخططوا او تبنوا تنفيذا أعمال إرهابية خطيرة ضد الغرب، من ضمنها محاولة تفجير طائرة ركاب امريكية عام 2009 وهجوم مميت على صحيفة تشارلي أبيدوا الفرنسية في يناير 20015. وتتغاضى السعودية عنهم لأنهم حلفاء سنه ضد المتمردين، باسم كبح إيران.
بالرغم من مغادرة إدارة اوباما، إلا ان ادارة ترامب تسير وفق رؤية الايديولوجيين التواقين إلى اخذ موقف ضد طهران من خلال اليمن، كما تبدو صارمة بشأن “الارهاب”. فبعد تولية المنصب بأيام أجاز الرئيس ترامب تنفيذ غارة للقوات الخاصة على ما زُعم انه مجمع لتنظيم القاعدة في منطقة وسط اليمن والتي اسفرت عن مقتل عشرة اشخاص من النساء والاطفال تقريبا. كما وجهت ادارة ترامب مسار احدى المدمرات الأمريكية للقيام بدوريات على سواحل اليمن.
من جانبه، نوه وزير الخارجية ريكس تيليرسون على لسان المتحدث باسم الوزارة بقوله” هناك حاجة ماسة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء اليمن”. بيد انه ما من قدر من المساعدات الإنسانية ستنقذ الشعب اليمني المحاصر من القنابل أمريكية الصنع التي تسقطها طائرات حربية امريكية الصنع، في ظل احتجاج لا يكاد يذكر مما تسميه واشنطن ” تدخلات إنسانية”.
*جوناثان مارشال: كتب العديد من المقالات حول قضايا الأسلحة، من ضمنها” حنث اوباما بوعده بشأن الحرب النووية”، كيف يكمن للحرب العالمية الثالثة أن تبدأ”، تحركات الناتو الاستفزازية المناهضة لروسيا”، واخيرا “تصعيدات تنذر بنشوب حرب باردة جديدة”.

التعليقات

تعليقات