المشهد اليمني الأول| متابعات
 بينما يتوجّه الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز شرقاً في زيارة طويلة بدأها يوم 25 فبراير/شباط الماضي، توجّه ولي ولي العهد محمد بن سلمان بن عبد العزيز غرباً نحو واشنطن للقاء الرئيس ترامب، في حين يقبع ولي العهد الأمير محمد بن نايف في البلاد، لا حول له ولا قوّة.
للدبلوماسيّة السعوديّة النشطة في هذه الأيام أسباب عدّة سنذكرها في ثنايا هذا المقال، خاصّةً أنها تأتي بعد ترقّب دام لفترة طويلة حاولت من خلاله الرياض دراسة جملة المتغيّرات الدوليّة في مقدّمتها وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وأخرى تتعلّق بالأوضاع  الاقتصادية الداخليّة وأسعار النفط المتهاوية.
سلمان في اليابان
شرقاً، وصل الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، أمس الأحد إلى اليابان في زيارة تستمر 3 أيّام،  وهي أول زيارة إلى اليابان منذ توليه حكم المملكة قبل عامين، يلتقي خلالها إمبراطور اليابان اكيهيتو، ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لبحث بناء تحالفات جديدة مع السعودية، حيث سيتم خلال الزيارة التوقيع على عدد من الاتفاقيات الثنائية في المجالات الاستثمارية والاقتصادية والتجارية.
وتمثل الزيارة التي تأتي بعد غياب دام 47 عاما للملك السعودي إلى طوكيو أهم محطة في جولة سلمان الآسيوية (آخر زيارة تعود للعام 1970 عندما زار الملك فيصل بن عبدالعزيز اليابان)، لاسيّما أنها الشريك الثالث عالميّاً. واليابان هي المحطة الرابعة ضمن جولة الملك سلمان، بعد كل من ماليزيا، وإندونيسيا، وسلطنة بروناي، وسيزور بعدها الصين الشعبية، والمالديف، والأردن لحضور القمة العربية.
بن سلمان في أمريكا
غرباً، تأتي زيارة  ولى ولى العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، الاثنين، لإجراء أول محادثات مباشرة مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب ولقاء عددا من المسؤولين لبحث تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، ومناقشة القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
وتعد هذه الزيارة الأولى لمسؤول سعودي رفيع المستوى، منذ تولي الرئيس الأمريكي ترامب في يناير الماضي.
وبين الزيارتين للأب والابن شرقاً وغرباً، يبدو واضحاً السعي السعودي لإعادة ترتيب الأوراق  السياسيّة والاقتصاديّة في البلاد، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى التالي:
أوّلاً: إن الهدف الرئيسي من الزيارة إلى اليابان يتعلّق بالشقّ الاقتصادي، فمن المتوقع عقد شـراكات اقتصادية وتحالفات دعمًا لرؤية 2030، وفق مصادر سعودية. هذه الشراكات تأتي في ظل انخفاض كبير في أسعار النفط، الذي ولّد عجزاً قارب 87 مليار دولار في العام 2016، إلا أنّه انخفض إلى 53 مليار دولار، في العام 2017، بعد عمليات تقشّف واسعة في الداخل السعودي طالتت كافّة القطاعات الاقتصاديّة. هناك قناعة سعودية بضرورة العدول عن الاقتصاد النفطي لأنه لم يعد يجي نفعاً.
ثانياً: لذلك تبحث السعودية اليوم عن استثمارات غير نفطية في منطقتي شرق وجنوب شرق آسيا، وهذا ما يفسّر الاهتمام السعودي بزيارة اليابان، البلد البعيد عن الساحة السياسية عدا التوتّر الأخير مع الصين وكوريا الشماليّة. أي أن السعودية تسعى لجذب الاستثمارات إلى البلاد بغية الخروج من دوامة العجز التي قدّرت في العام 2015 بأكثر من 1500 مليار دولار، وفق صندوق النقد الدولي.
ثالثاً: يعتقد مراقبون أن هذا التوجّه نحو الشرق الآسيوي هو بمثابة الطلقة الأخيرة في جعبة الرياض للهروب من العجر الاقتصادي. العجز الاقتصادي هذا، لم يأخذ بعين الاعتبار تكاليف العدوان على اليمن والتي ناهزت الترليون و500 مليار دولار، وفق الكاتب والمؤرخ  البريطاني الشهير “مارك كرتيس”، الذي كتب قبل أيّام “إن السعودية قد بلغت حد الجنون.. لقد شرع الحكام السعوديون الاغبياء والمتطرفون”، مكرّراً  بذلك عبارة صرح بها جيفري فيلتمان مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، نائب وزيرة الخارجية السابقة هیلاري كيلنتون الذي قال: لم أر أوقح وأسوأ من الحكومة  السعودية.. ولا أعرف كيف ستواصل هذه الإدارة الحكم.
رابعاً: وفيما يتعلّق بزيارة بن سلمان، سيحاول الأخير استرضاء ترامب في جملة من الملفات  الإقليمية بدءاً من إيران مروراً بسوريا ووصولاً إلى اليمن. اليمن سيتعلّق البحث بشقين رئيسيين الأول العدوان والثاني تنظيم القاعدة في جنوب البلاد. وأما عن حضور بن سلمان، كأول شخصية سعودي تلتقي ترامب، يأتي في سياق تعزيز أوراقه الداخلية والخارجيّة للفوز بكرسي أبيه بعد تنحية ابن عمّه الأمير بن نايف.
خامساً: لا تقتصر زيارة بن سلمان لأمريكا على الشقّ السياسي، وإن كان الهدف الرئيسي للزيارة، بل تحمل طابعاً تجارياً يصبّ في السياق الآنف الذكر حيث سيتباحث بعد لقائه ترامب مع المسؤولين الأمريكيين بصفته من يتخذ  القرارات في السعودية علّه ينجح في جذب الاستثمارات اللانفطيّة الأمريكية إلى السعودية للخروج من دوّامة العجز.
المشترك الرئيسي في كلتا الزيارتين يتعلّق بالأمير السعودي الذي يطبّل والده سلمان له شرقاً عبر رؤية 2030، ويطبّل لنفسه غرباً عبر مكافحة الإرهاب والرؤية ذاتها، في حين يجلس الأمير محمد بن نايف في الرياض لا حول له ولا قوّة.

الوقت

التعليقات

تعليقات