المشهد اليمني الأول| متابعات
غداء العمل في «غرفة الطعام العائلية القديمة» في البيت الأبيض، ودعوة الصحافيين للتصوير، وحضور نائب الرئيس مايكل بنس وصهره جاريد كوشنر كانت من أشكال كسر بروتوكولات اللقاء الدبلوماسي إظهارا لحفاوة واهتمام من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزيارة ولي وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان.
وعلى عادة اللقاءات الدبلوماسية فإن تبادل المجاملات العامّة، وإعلان التوافق في الملفّات التي يهتمّ بها الطرفان، يحتاج إلى ترجمة وتفحّص و”فلترة” لتبيّن الخيط الأبيض من الأسود، وخصوصاً مع رئيس بنى مجده على الصفقات العقاريّة، وإدارة برنامج تلفزيوني، ورعاية مسابقات ملكات الجمال، وهو متّهم، من قبل طائفة كبرى من الأميركيين بالعنصرية ومحاباة كبار الأغنياء ومعاداة الأقليات والمسلمين!
كان طبيعيّاً بالنسبة للأمير محمد بن سلمان التركيز على برنامجه الاقتصادي الطموح للمملكة «رؤية 2030» وهو عمليّاً برنامج استراتيجيّ يتطلّع لإخراج السعودية من إشكاليتها الاقتصادية الكبرى: الاعتماد على الاقتصاد الريعيّ الذي عماده بيع النفط، وهذه الخطة تحمل منافع كبيرة للطرفين الأميركي والسعودي، وبالتالي فلا ضرورة للتفاوض الشديد عليه.
كان مهمّاً أيضاً طرح الخطر الذي تمثّله حرب اليمن على كيان السعودية حيث تتواجه الرياض عمليّاً مع خصوم أشدّاء يدعمهم خصمها الإقليمي، إيران، فيما يتركّز انشغال واشنطن بجماعة «القاعدة» وحده، وهو ما يجعل المملكة من دون غطاء دولة كبرى كالولايات المتحدة ما يمكن أن يجعل حربها اليمنية مفتوحة الآفاق، مع ما يحمله هذا من خسائر عسكرية واقتصادية وسياسية مستمرة.
مهّد الأمير لزيارته بلقاءات في الرياض مع عضو مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور جون ماكين، ومع الرئيس التنفيذي لشركة «ريثيون» للتصنيع العسكري، والرئيس التنفيذي لشركة الاستثمارات المالية «سيتي غروب»، وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد وافقت الأسبوع الماضي على تنفيذ صفقة ذخائر موجهة عالية الدقة للرياض بقيمة 390 مليون دولار، وهي صفقة سبق لإدارة باراك أوباما أن علقت تنفيذها.
المتوقّع من الزيارة إذن هو دعم واشنطن لخطط الأمير الاقتصادية، وكذلك دعماً أكبر لأجندة الرياض اليمنية، أما المسائل الأخرى، كالوضع السوري مثلاً، فستكون قضايا فيها أخذ وردّ، وهو أمر لا يخضع لإرادة الطرفين فحسب، بل أيضاً للواقع الجيوسياسي المعقّد الذي تتداخل فيه أجندات كثيرة لا يأخذ أغلبها مصلحة الشعب السوري في الاعتبار.
إحدى النقاط التي تلفت النظر، أن الأمير، حسب أحد مستشاريه، «أعرب عن رضاه عن الموقع الإيجابي والشرح الذي سمعه من الرئيس ترامب حول آرائه حول الإسلام واتفاقه معه حول أن القرار التنفيذي بحظر مواطني ست دول مسلمة هدفه مكافحة الإرهاب».
الأغلب أن هذا التصريح شكل من أشكال المجاملات الدبلوماسية التي تحاول عدم تعريض الفوائد الاقتصادية والعسكرية والسياسية المرجوّة من الدولة العظمى للخطر بمخالفة ترامب في أمر سيتعرّض بسببه عشرات الملايين من المسلمين للتمييز العنصري والديني، وهو أمر تقوم حاليّاً الكثير من المحاكم الأميركية الطعن فيه وإيقافه لتعارضه مع مبادئ الدستور الأميركي وشرعية حقوق الانسان العالمية.
المفارقة أن جزءاً كبيراً من الشعب الأميركي (الذي يشكّل المسلمون أقليّة صغيرة فيه) يعارضون رئيسهم في هذا الشأن، والمنطق يقول إن المسلمين الذين ينظرون إلى المملكة السعودية كقطب مركزيّ في شأن الدفاع عن المسلمين والإسلام، يتوقعون أن تكون في صدارة مشهد الاعتراض على هكذا قرار وليس أن تقوم بتفهمه والحضّ على تطبيقه.

التعليقات

تعليقات