نحن العرب بحاجة ماسة إلى زيادة الوعي الديني لمحاربة الفكر التجهيلي التكفيري

د. كاظم ناصر

موجة الأسلمة الجديدة التي بدأت قبل حوالي أربعين عاما ألحقت ضررا بالغا بفهمنا للدين، وثقافتنا، وقيمنا الأخلاقية، وقدرتنا على التفاعل مع شعوب وحضارات العالم، وأدّت إلى تراجع في هامش الحرية الفكريّة والإجتماعية، وتشديد القيود على المرأة والإستمرار في حرمانها من نيل حقوقها، وظهور مئات التنظيمات الدينيّة التجهيليّة التكفيريّة التي لعبت دورا هاما في خلق الإرهاب الفكري الديني في الوطن العربي، وأساءت لنا جميعا كعرب مسلمين ومسيحيين .
هناك عدّة عوامل أدّت إلى تراجع حركة التنوير والإنفتاح وإحترام وقبول الآخر وإلى ظهور وإنتشار هذا الفكرالتكفيري التخلّفي الذي ينتمي مروجوه والمؤمنون به إلى أحقاب تاريخيّة ماضويّة تجاوزتها البشرية منذ قرون، واعتبرتها عصورا مظلمة في حركة التطوّر الإنساني، ولا علاقة لها بهذا العصر من أهمها :-
اولا : – دول التسلّط والإستبداد السياسي والفساد التي حكمت وطننا بالحديد والنار منذ منتصف القرن الثاني عشر نشرت الجهل والأميّة وفلسفة الإستسلام للظلم، فاستمر الوطن العربي في التراجع علميّا وثقافيّا وفنيا، وتفشى فيه المرض والجهل والخرافات الدينية وغير الدينية، مما أدّى إلى إيجاد وضع إدراكي وثقافي معاد للعقل والحداثة أعاق التغيير، وأطال أمد العزلة والإنغلاق والتخلف المجتمعي الشامل .
ثانيا : – الهزائم المشينة والمتلاحقة التي ألحقتها بنا إسرائيل أظهرت عجزنا وخذلاننا، وأثّرت سلبا على تكويننا النفسي وأشعرتنا بالدونيّة، ودفعتنا إلى البحث عن مبرّر لما حدث، أو لإيجاد شمّاعة .. دينيّة .. نعلّق عليها أخطاءنا وفشلنا .
ثالثا : – هاجر ملايين العرب إلى دول الخليج وخاصة السعودية، وتأثر كثير منهم بالفكر والممارسات الدينية الوهابية المتزمّتة المعادية للتسامح والإنفتاح على ألآخر . في دول الخليج وخاصّة في السعودية يتعلم المسلم التشدّد، والنفاق الديني والسياسي، وإحتقار المرأة، والذل، والعنصريّة ضدّ الآخرين، واستخدام الدين والغيبيات للتجرّد من مسئوليته عن أخطائه، أو كوسيلة للخداع والإبتزاز المادي .
رابعا :- المال السياسي السعودي والخليجي لعب دورا هاما في بث التديّن المتطرّف . السعودية ودول الخليج موّلت الكثير من المنظمات الإسلامية لإعتقادها أن نشر التديّن التزمّتي المعادي للحرّية والديموقراطية في الأقطار العربية يخدم أهدافها السياسية، ويحمي أنظمة حكمها من أي معارضة . لقد إستغلت أحزاب وحركات إسلامية كالإخوان المسلمين، والسلفيين، والوهابيين ومئات الجمعيات والمنظمات المتأسلمة .. المال الخليجي .. لأهدافها السياسية فقامت بإنشاء الجمعيات الخيرية، والأندية الرياضية، ولجان الزكاة، والمستوصفات، والعيادات المتنقّلة، والمدارس، ورياض الأطفال، وتوجهت إلى المساجد واستخدمتها للتواصل الإجتماعي، وتوزيع المساعدات، وأقامت الكليات، وتغلغلت في الجامعات الحكومية والخاصة من خلال الإتحادات الطلابية . هذه الخدمات والنشاطات التي يحتاجها كل الناس مكّنتها من التغلغل السياسي ونشر التشدّد الديني بين الطبقات الفقيرة المحدودة العلم والثقافة في مجتمعاتها المحلية، وفي المدارس والجامعات والأماكن الأخرى التي مارست فيها نشاطاتها .
خامسا : – معظم الأنظمة العربية أكرمت ورعت الطبقة الدينية وتحالفت معها أو على الأقل سمحت لها بممارسة نشاطها الديني المسيّس لتطويق الحركات الديموقراطية والعلمانية في أقطارها . لقد عيّنت الحكومات مئات آلاف الأئمة ورجال الدين في المساجد ووزارات الشؤون الدينية وأملت عليهم نوعيّة الخطاب الديني التي تريد إيصاله للعامة من خلال مواعظهم ونشاطاتهم الأخرى .
سادسا : – بعض الدول العربية والأجنبية ومنها الولايات المتحدة وإسرائيل ساهمت في خلق بعض هذه الحركات الإسلامية، وموّلتها، وزوّدتها بالسلاح لأسباب منها أن هذه الحركات لها تفسيرات مختلفة للدين، ومنقسمة عقائديا، وستصطدم وتلجأ للسلاح في صراعهاعلى النفوذ والسلطة. ولهذا فإن الدول المموّلة ستخدمها في خلق مشاكل وحروب داخلية تمكنها من تنفيذ مخططاتها في المنطقة، وتشويه سمعة العرب والمسلمين عالميا . إنني أذكر أن، أريال شارون ، قال في مقابلة مع مجلة ” التايم ” الأمريكية بعد توقيع إتفاق أوسلو بأنه يحبّذ وجود منظمات دينية إسلامية متطرّفة في المنطقة لأن وجودها يسمح لإسرائيل بالتدخل العسكري في تلك الدول لقتالها والقضاء عليها بمباركة العالم، ويساهم في تفتيت الوطن العربي وإضعافه .
سابعا : – بدعم من بعض الدول العربية والأحزاب الدينيّة توقفت حركة ترجمة الفكر العالمي إلى العربية، وقيّد نشر الكتب التنويريّة العلمانيّة، ونشطت دور النشر في تزويد الأسواق بالكتب الدينية التراثية المنقولة التي لا تقدّم شيئا جديدا مما أدّى إلى تراجع ملاحظ في مستوى المعرفة والثقافة العامّة في العالم العربي .
ثامنا : – عدم الإهتمام بتحديث المناهج الدراسية وإبقائها قائمة على النقل والحفظ ومحاربة التساؤل والإستقراء كمنهج في التفكير، حرم الناشئة من فرص تطوير قدرات إدراكيّة عقليّة منطقيّة ليبراليّة تحرّرهم من الخوف، وتشجّعهم على الإبداع، وترفض الإقصاء، وتساهم في تطوير بيئة فكريّة ودينيّة تسامحيّة تحترم إختلافات المواطنين العقائدية والفلسفية والسياسية، وتؤمن بالتعاون والشراكة المجتمعية التي تعود بالنفع على الجميع .
هذه بعض العوامل التي ساهمت في إيصالنا إلى ما نعاني منه من .. تخلّف وتزمّت ديني تكفيري .. مستمد من فهمنا الخاطىء لجوهر الديانات كلها . الدين هدفه خدمة الإنسان ومساعدته في حل مشاكله في دنياه، وفي إقامة علاقة بينه وبين خالقه تنير طريقة، وتعلّمه قيم الحبّ والتسامح والرحمة التي تنظّم سلوكه في حياته، وتوصله إلى الجنة بعد موته إذا نفّذ ما يطلبه منه دينه من أعمال حسنة وعبادات .
نحن بحاجة ماسة إلى زيادة الوعي الديني التسامحي الذي يؤمن بالحرّية الفكريّة كحق لكل مواطن، وبالمواطنة كشراكة إجتماعية لا تستثني أحدا، ويحترم عقائد الآخرين التي تختلف عن عقيدتنا، ويشجع البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني، ويقبل الديموقراطية وتبادل السلطة كما قبلتها ديانات العالم الأخرى، ويرفض الإنغلاق، ويدعو إلى إعادة النظر في نظم تعليمنا، ويساهم في … تنقية ترائنا وديننا … من الشوائب التي لحقت به خلال قرون من التركيزعلى الكم والتكرار المشكوك في مصداقينه الذي لا يخدم مجتماتنا المعاصرة .
اننا بحاجة إلى ثورة دينيّة تفسّر الدين بطريقة تحل مشاكل المسلمين المعاصرة، وترفض إستغلاله لأهداف حزبية أو شخصية، وتضع حدأ لتحكّم الجهلة فيه، وتفتح المجال للمتخصّصين في الثقافة الإسلامية والمثقفين المستنيرين الملتزمين أن يعملوا بحرية … لتنقيته من كل ما ألحقه به الجهلة التكفيريون … من أضرار، ويعيدوا له وجهه الناصع ليكون كما هو في حقيقته دين حق صالح لكل زمان ومكان يحترم العقل، ويقبل التنوير والتطوير، ويرفض الجمود، ويحارب الجهل، ويتصدى للفساد والإستبداد السياسي ، ويقصي المشعوذين التجهليين التكفيريين الذين أساؤوا له ولنا، وأوصلونا إلى هذا الوضع !

التعليقات

تعليقات