الدعوة لضم اليمن إلى مجلس التعاون.. هروب إلى الأمام وتعقيد للازمة

ـ مالك ضاهر

بالتزامن مع الذكرى الثانية للحرب التي تقودها المملكة السعودية على اليمن، برز كلام لرئيس جهاز الاستخبارات السعودي الأسبق الأمير تركي الفيصل الذي دعا لضم اليمن إلى “مجلس التعاون الخليجي” بشكل كامل حتى لا يبقى مطمعا لمن لا يريد الخير للمنطقة.
كلام قد يعتبره البعض صادما إلى حد ما انطلاقا من أن اليمن يعاني بسبب الحرب المفروضة عليه، أيا كانت أطرافها وبغض النظر عن البحث في مشروعيتها ومدى أخلاقيتها، فالأكيد أن هذه الحرب جلبت الكثير من المعاناة لليمنيين من كل الفئات والشرائح دون تمييز، فالأزمة تحاصر اليمن برا وبحرا وجوا حتى بات يعيش ضائقة على جميع المستويات ونقصا حادا في شتى أنواع المواد ناهيك عن الضحايا الذي قضوا أو أصيبوا في هذه الحرب وما تسببت به من أزمات إجتماعية وإنسانية وحقوقية وصولا إلى حد خطر المجاعة في بعض المناطق.
دعوة متأخرة.. والأهداف المرجوة
وبعد كل ذلك يأتي الأمير السعودي ليدعو ويطالب بضم اليمن إلى مجلس التعاون، فلماذا لم تطلب القيادة السعودية ذلك قبل بدء الحرب وهي كانت على علاقة جيدة بالنظام السابق، وكان وقتها قد انضم اليمن وانتهت المسألة بما يوفر على اليمنيين كل هذه المآسي، وما كان الأمر يتطلب سقوط كل هذه الأعداد من الضحايا وتخريب البنى التحتية الأساسية في شتى المجالات للدولة الوطنية اليمنية وبعد ذلك نطلب ضمها إلى مجلس التعاون، وما الذي تغير اليوم بعد كل هذه المدة من الحرب؟ فاليمن الفقير ازداد فقرا فأي مصلحة له أو للمجلس الخليجي ستتحقق من انضمامه؟ هل يمكن لبلد بالمواصفات التي بات عليها اليمن اليوم أن يجاري الدول الأعضاء في المجلس؟ وهل يقبل الدول الأعضاء بدخول اليمن إلى مجلسهم وهو بهذه الحال ورغم أن بعض دوله ساهم إلى وصوله إلى هذه الدرجة من المعاناة؟ هل فعلا يقصد الأمير السعودي ما يقول أم أن الأمر فقط هدفه توجيه الأنظار عن الذكرى الثانية للحرب مع كل النتائج السوداوية التي سجلت؟ وهل من مصلحة اليمن الدخول إلى هذا الإطار الإقليمي؟ وهل يمكن دعمه ورفع المآسي التي يعانيها فيما لو قبل دخوله في المجلس أم أن الأمر مجرد فقاعة إعلامية؟ خاصة أن من أطلق هذه الفكرة اليوم له العديد من الأفكار التي لم تلق الكثير من القبول العملي أو الشعبي.
والحقيقة أن كلام الفيصل يعتبر مساسا بشكل أو بآخر بسيادة اليمن نفسها، فمن غير المقبول في العلاقات بين الدول أن يُطلب ضم دولة بصيغة الأمر إلى منظمة إقليمية لأن ذلك يحمل معنى ضم هذه الدولة دون إرادتها ودون موافقة السلطات المعنية فيها، وكأن اليمن هو مقاطعة سعودية أو إمارة تابعة لأي دولة من دول مجلس التعاون، والأصح عندما يطلب دخول بلد إلى أي منظمة إقليمية أو دولية أن يحصل ذلك بناء على طلب الجهات والمؤسسات الدستورية المعنية وفق الأطر المعتمدة على صعيد القانون الدولي وعمل المنظمات، وبناء عليه يمكن للمتحدث السعودي أن يقدم اقتراحا لليمن بانضمامه للمجلس أو بالحد الأدنى يقدم اقتراحه للدول الخليجية بأن تتمنى على اليمن الدخول لا أن يكون الأمر بشكل يظهر فيه أن هناك من يأمر وينهي في مجال الدخول والخروج إلى هذه المنظمة الإقليمية التي تتألف من كل الدول الخليجية  مجتمعة وعلى سبيل المساواة ولا يوجد فيها دولة قائدة أو صاحبة القرار على غيرها.
الحل السياسي مصلحة للجميع
وفيما لو افترضنا جدلا وتجاوزنا طريقة طرح الموضوع وأن اليمن عزم النية وأراد هو الانضمام إلى هذه المنظمة أو إلى غيرها، فمن الجهة المعنية في اليمن لطلب ذلك؟ ففي اليمن لا يوجد سلطة واحدة وإنما هناك يوجد سلطة تعتبر نفسها شرعية وتمثل شريحة كبيرة من اليمنيين وأساسها التحالف بين الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح وحركة أنصار الله ومن يتحالف معهما، كما يوجد بعض الأطراف التي تتحالف مع التحالف الذي تقوده المملكة السعودية بالإضافة إلى وجود تيارات متطرفة لها وجودها القوي على الأرض في بعض المناطق بفعل دعم بعض الدول الإقليمية، فأي جهة يتطلب منها أن تبادر إلى تقديم طلب الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي؟ وماذا لو طلبت جهة ذلك ورفضت الأخرى
وماذا لو طلبت أي جهة الانضمام إلى أي منظمة أخرى كيف ستكون وقتها ردة الفعل السعودية؟ وماذا لو صدر عن غير جهة سعودية دعوة لضم اليمن إلى إطار سياسي معين هل سيعتبر ذلك تدخلا في شؤون اليمن أم لا؟
والجدير ذكره هنا هو الخطوة الأمريكية برفع الحظر عن توريد السلاح إلى المملكة بسبب الحرب على اليمن الذي سبق أن اتخذ في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، فهل يستوي هذا الأمر مع الدعوات لضم اليمن إلى المجلس الخليجي؟ وهل اليمن هو لقمة سائغة يمكن تقرير مصيرها بهذه السهولة؟ الواقع أن اليمن بات رقما صعبا يؤرق كل الدول التي تقود الحرب ضده –وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها وأثبتتها الوقائع- فاليمن أثبت للعالم أنه عصي على الانكسار وهو اليوم بات مستنقعا بالغ الخطورة وتكاليفه في غاية الارتفاع على كل المستويات.
لذلك فالأكيد أن العمل لإيجاد حل سياسي للأزمة اليمنية أولى بكثير من الهروب إلى الأمام بتقديم طروحات خيالية لا يظهر أنها ستنتج ثمارا سريعة لمصلحة اليمن أو الدول الخليجية، اللهم إلا إذا كان المقصود جعل اليمن قاعدة عسكرية أو محمية لكل أو بعض دول مجلس التعاون الخليجي أو بعض الدول الغربية الداعمة لها وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، فالأجدر والأولى على المنظرين لسياسات المملكة الداخلية والخارجية البحث عن مخرج وسبيل لإيقاف الحرب على اليمن بما تتسبب به من أضرار جسيمة لكل أطراف النزاع والعمل بجد لمعالجة الأسباب الحقيقية التي أوصلت المنطقة ككل لما هي عليه اليوم.

التعليقات

تعليقات