لولا الرئيس روحاني لسقطت الرياض في يد أجناد اليمن

 لولا الرئيس روحاني لسقطت الرياض في يد أجناد اليمن

لطالما اتهمت “السعودية” إيران بزعزعة استقرار المنطقة وبأنها السبب في تأخر الحسم في اليمن بسبب دعمها لمن تسميهم بـ”مليشيات الحوثي” و”جيش صالح”، في محاولة للقول أن من يواجه التحالف الوهابي والصهيو – أمريكي هم المتمردون على الشرعية أدوات طهران في اليمن، وليس الشعب اليمني الذي يقاتل من أجل حريته واستقلال قراره وخرج يتظاهر بالملايين في أكثر من مناسبة ليؤكد على وحدته وعزمه الوقوف في وجه العدوان.

هذا في حين أن واقع الحال يشهد بما لا يدع مجالا للشك، أن “السعودية” هي من تزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة، بتدخلها السافر في البحرين لمساعدة نظام دموي رجعي على قمع شعبه، وتدخلها في لبنان والعراق وسورية وغيرها من خلال دعم الإرهاب خدمة لمشاريع أسيادها في واشنطن وتل أبيب، وليس إيران التي تنادي بالحوار وسلوك مسار التسوية السياسية لنزع فتيل الحروب المباشرة والناعمة التي خربت عمران دول المنطقة وقتلت رجالها ونسائها وشبابها وحرقت أحلام أطفالها في مستقبل أفضل.
ونحن بهذا القول لا ننكر أن إيران ومن منطلق القيم القرآنية والمبادئ الأخلاقية والإنسانية تمد يد العون للشعوب المستضعفة في المنطقة والعالم لمساعدتها على رفع ظلم الحكام الفجرة الفاسدين والمفسدين المتسلطين على رقاب العباد ومقدرات البلاد، ولمواجهة الإرهاب التكفيري الوهابي والسلفي الإخونجي الذي تدعمه مملكة الشر وقطر وبعض الأنظمة الخبيثة المعروفة في المنطقة، ويوظفه الغرب من أجل استنزاف دول الممانعة لتركيعها وإخضاعها لهيمنته الإمبريالية الجديدة.. هذا أمر أصبح واضحا لا ينكره إلا عميل منافق أو جاهل مكابر.
والجميع يعرف اليوم أنه لولا إيران لما تحرر العراق من الاحتلال الأمريكي، ولما انتصر لبنان على “إسرائيل”، ولما صمدت سورية في وجه الحرب الإرهابية الكونية التي خيضت ضدها لإضعافها وإسقاط نظامها وتفتيت جيشها العربي الباسل الذي أدهش العالم بقوة لحمته وصموده وإنجازاته في أفق تقسيمها وتغيير نهجها الممانع والمقاوم.
*** / ***
لكن ما حدث من عدوان مباشر من قبل ‘آل سعود’ وتحالفهم المشبوه على الشعب اليمني العربي المسلم والمظلوم مثل نقلة نوعية في مسار الصراع في وعلى المنطقة بسبب موقع اليمن الاستراتيجي والجيوسياسي الإقليمي والدولي لما يمثله باب المندب من أهمية خطيرة كممر إلزامي للتجارة الدولية وعبور الأساطيل والبوارج الحربية الأطلسية.
ولعل السبب الرئيس الذي دفع بـ’آل سعود’ للتورط مباشرة في البحرين واليمن، يعود بالأساس لموجة الربيع العربي التي أفقدتهم حلفائهم في تونس ومصر وبدأت تدق أبواب المهلكة من خواصرها الرخوة، وفقدانهم الثقة في أمريكا التي فضلت التخلي عن خدامها الأوفياء من أجل إقامة مشروعها الكبير في المنطقة، كما حدث مع مبارك ويحدث اليوم مع أردوغان.
فهم ‘آل سعود’ أن أمريكا تغيرت، وأنهم لن يكونوا الاستثناء، خصوصا بعد أن تخلى عنهم الرئيس أوباما وتوجه نحو إيران في محاولة لاحتوائها من بوابة الملف النووي الأمر الذي أصابهم بالجنون.
ثم جاء بعده ترامب الذي أعلن جهارا نهارا أن لا وجود لمشيخات الخليج إلا بفضل أمريكا، وأنه سيكون مستعدا لذبح البقرة “السعودية” إذا لم تدفع لواشنطن ثمن الحماية الأمنية. وفي هذا الصدد، سربت الصحافة الأمريكية مؤخرا أنه وخلال زيارة المراهق محمد بن سلمان إلى واشنطن واجتماعه بترامب، وقع عقدا يتنازل بموجبه لأمريكا عن 30 % من نفط شبه الجزيرة العربية إلى الأبد بدل 5 سنوات التي اقترحها العاهر سلمان مقابل الحماية الأمنية، هذا بالإضافة لاستثمار مبلغ 200 مليار دولار في البنى التحتية الأمريكية، والتعهد بتمويل حملاتها العسكرية سواء ضد إيران وحلفائها أو ضد روسيا وكوريا الشمالية.. وهذا ليس بالأمر الجديد، فـ”السعودية” كانت دائما وأبدا الممول الرئيس لحروب أمريكا سواء ضد إيران أو أفغانستان أو العراق أو أمريكا الشمالية.
*** / ***
اليوم وبعد أكثر من سنتان من العدوان والدمار والقتل والتجويع نتيجة الحصار الخانق المضروب على اليمن، لم تنجح “السعودية” وتحالفها الإرهابي في تركيع الشعب اليمني الذي لا زال يقاتل بإيمان وبكل ما يملك من إمكانات بسيطة، معظمها محلي الصنع، حيث نجح في تطوير منظومة صواريخ محلية الصنع بفضل التكنولوجيا التي حصل عليها من إيران كما حدث مع حزب الله والمقاومة الفلسطينية في غزة، وأصبح يقصف بها البوارج الحربية في البحر الأحمر ومواقع استراتيجية في “السعودية”، ونجح أنصار الله والجيش اليمني المجاهد في دخول المناطق الجنوبية للمهلكة سواء خصوصا في نجران وجيزان، حيث قتلوا عديد القوات “السعودية” واستولوا على مخازن الأسلحة والذخيرة.
لكن وبسبب طبيعة الأرض المفتوحة، كانوا يعودون بعد كل غارة إلى اليمن ثم يعاودون الكرة مرة تلو المرة، بسبب الخوف من طيران التحالف الذي لا يستطيعون الاختباء من ضرباته كما هو الحال في اليمن ذو الطبيعة الجبلية المساعدة، والتي جعلت الحسم في اليمن رهان مستحيل حتى لو استمرت الحرب لعشر سنوات قادمة.
وبسبب فشلها الذريع في السيطرة على اليمن، برغم تحالفها مع بعض الأعراب، وبرغم عظم قدراتها و تفوق قواتها، وبرغم الدعم الكبير والمتواصل الذي تقدمه لها واشنطن وبريطانيا، وبرغم مشاركة “إسرائيل” في الحرب، لم تجد المهلكة من تفسير لعجزها وجبنها سوى باتهام إيران بدعم “المتمردين” ما أخر الانتصار.
وهذا ليس صحيحا بالمرة، فعديد الخبراء العسكريين الدوليين يؤكدون أن لا وجود لدليل على أن إيران تسلح الحوثيين، بل كل ما قدمته لهم هو الدعم السياسي والمساعدات الطبية والغذائية، وأن لا إمكانية لمد أنصار الله بالسلاح من البر أو الجو أو البحر بسبب الحصار الخانق المفروض على اليمن من كل حدب وصوب.
وحتى تدخل واشنطن في الحرب اليمنية تحت ذريعة محاربة الإرهاب فقد أذنت لكوارث دفع ثمنها المدنيون الأبرياء بسبب القصف العشوائي الذي طال الحجر والبشر والماعز والحمير.
وقد كان أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام اللواء محسن رضائي قد نفى مطلع شهر فبراير/شباط الماضي في تصريح لوكالة فارس للأخبار، أن تكون إيران قد أرسلت أسلحة أو صواريخ إلى اليمن، مؤكدا أن اليمنيين منذ فترة طويلة، وقبل الحرب التي فرضتها عليهم السعودية، كانوا قد حصلوا على عدد كبير من الصواريخ من روسيا تحديدا، وأن الشعب اليمني بفضل المعرفة التي حصل عليها نجح في تطوير قدراته العسكرية ولا يحتاج لسلاح من إيران أو غيرها.
*** / ***
القائد في الجيش اليمني والمتحدث الثاني باسمه العميد عزيز راشد قال الأحد في تصريح لوكالة سبوتنيك الروسية، إن “التصريحات والتحريضات المتوالية من جانب ‘السعودية’ والتابعين لها، إنما هي تنفيذ للأجندة الأمريكية الغربية للسيطرة على الممرات الاستراتيجية في البحر الأحمر ممثلة في ‘باب المندب’ والسواحل الغربية، وصمود الجيش اليمني على مدار العامين الماضيين أفشل مخططاتهم وأصابهم بالجنون”.
مؤكدا في ذات التصريح، أن “قدرات اليمنيين على القتال في الظروف القاسية والاعتماد على الذات في تحديث وتطوير ما تبقى من أسلحة وصواريخ ومعدات قتالية تطورت بشكل كبير، الأمر الذي قضي على الأحلام السعودية بالسيطرة على اليمن”. مضيفا، أن “المشكلة الوحيدة لدينا اليوم هي عملية تحييد طيران التحالف، وهو ما يحاول الجيش عمله عن طريق منظومة قوية للدفاع الجوي خلال الشهور القادمة، فلو استطاع الجيش إسقاط من10 إلى 20 طائرة فإن الحلف السعودي سوف ينهار، ولدينا خبراء عسكريين درسوا في روسيا وألمانيا وسوريا والعراق وبإمكانهم تنفيذ هذا”.
وهنا بيت القصيد، لنأتي للبّ المشكلة ونتساءل: – لماذا لم تزود إيران اليمن بصواريخ أرض جو لتحييد غربان الحديد التي تسببت في كل الخراب والقتل الذي طال اليمن وشعبه طوال السنتين الماضيتين؟.. أم أن نصرة المستضعفين من الشعوب المسلمة لا تتضمن تزويدهم بالإمكانات المناسبة للدفاع عن أنفسهم في وجه الشر الذي يستهدفهم؟..
لقد كان لافتا خلال الحملة الانتخابية والتنافس الدائر بين المحافظين والإصلاحيين على رئاسة الحكومة المقبلة أن تكشف الصحافة الإيرانية بعض الحقائق التي يعتقد أنها سربت من دوائر حكومية موالية للحرس الثوري، حيث خرج السيد مهدي طائب رئيس قاعدة “عمار الاستراتيجية” للحروب الناعمة في إيران، ليكشف أن سبب إطالة الحرب في اليمن وعدم تمكن أنصار الله والجيش اليمني من الوصول إلى العاصمة الرياض التي تبعد بـ 400 كلم، هو عدم حصولهم على صواريخ أرض جو لتحييد الطيران “السعودي” وخصوصا طائرات الأباتشي بسبب الأراضي المفتوحة التي لا تسمح للمقاتلين بالاختباء لتجنب القصف، مضيفا، أن في اليمن اليوم مليون مقاتل يجاهدون تحت قيادة السيد عبد الملك الحوثي الذي يمثل الأنموذج الثاني بعد سماحة السيد حسن نصر الله في المنطقة.
والخطير في الأمر، هو قوله، أن “الرئيس روحاني يتحمل مسؤولية الدماء التي تسيل في اليمن” موضحا أن في حوزة إيران الكثير منها، وقد سبق للحرس الثوري أن جهز ثلاث شحنات ضخمة من منظومات أرض جو، “إحداها من خلال طائرة نقل، والثانية عبر فرقاطة، والثالثة بواسطة سفينة شحن بحرية، لكن السيد روحاني طالب وبصورة مفاجئة بوقف هذه الشحنات، لأن الأمريكيين في حال اكتشفوها فسيعلقون المفاوضات النووية”.
أحدى المواقع المناصرة للتيار الإصلاحي في إيران علقت على هذا التسريب بالقول “سمعنا أسباب معارضة المتطرفين للاتفاق النووي على لسان مهدي طائب”.
*** / ***
لكن ما يدركه الشعب الإيراني اليوم، هو أن الاتفاق النووي لم يكن نتيجة هندسة حكومة السيد روحاني، بل تم التوافق على إطاره العام في مسقط قبل أن يأتي السيد روحاني على رأس الحكومة، وما فعله الرجل ووزير خارجيته السيد ظريف هو مناقشة التفاصيل التي كانت تتطلب جولات ماراثونية تقنية، وبالتالي، لا يمكن للسيد روحاني القول أنه هو من أتى بالاتفاق النووي، كما وأن توقيع الاتفاق رغم أهميته لم يرفع عن إيران العقوبات التي وعد بها، ولم يحسن من الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، ولولا نهج اقتصاد المقاومة الذي أرساه الإمام الخامنئي لما استطاعت إيران الصمود في وجه الحصار والمؤامرات، ولما حققت نقلتها الحضارية النوعية ونهضتها العلمية المميزة.
والذين يشكرون السيد روحاني اليوم لأنه لم يسمح بنقل صواريخ أرض – جو إلى الشعب اليمني المظلوم بزعم أنه لم يسمح باستخدام أموال الشعب الإيراني في العنف والحروب، إنما يتنكرون لمرجعية الثورة التي تقوم على نصرة المستضعفين، ويكفرون بمبدأ الحق في مقاومة العدوان دفاعا عن النفس، ويريدون تغيير نهج الإمام الخميني رحمه الله بنقل إيران من دولة إسلامية ناصرة للمستضعفين وعدوة للظالمين إلى دولة “مدنية” بلا ثوابت دينية وقيم أخلاقية، لتكون دولة تابعة تدور في فلك أمريكا إمبراطورية الشر والإرهاب وعدوة الإنسانية.
ولا نستبعد في هذا السياق أن يكون قرار الكونجرس تأخير اتخاذ عقوبات ضد طهران إلى ما بعد الانتخابات التشريعية الإيرانية، جاء بمثابة جرعة أكسيجين لترجيح كفة الإصلاحيين على المحافظين.
لكن ما لا تعلمه أمريكا وحلفائها وأذنابها، هو أن الشعب الإيراني العالم واعي بخطورة المرحلة وما يحضر لها من تصعيد في المستقبل المنظور، وأن زمن الديبلوماسية وفق منطق “رابح رابح” قد انتهى بنهاية ولاية أوباما، وأنه في زمن ترامب المجنون، لا يمكن أن ينتخب الشعب الإيراني غير رجل قوي وحازم بمستوى السيد ‘إبراهيم رئيسي’، الذي قدمه الإمام الخامنئي بنفسه كمرشح عن الجبهة الشعبية لقوى الثورة التي تتبع التيار المحافظ، والمدعوم من قبل الحرس الثوري والمخابرات، لارتباط اسمه بالثورة الإيرانية التي قادها الإمام الخميني رحمه الله، ونيله ثقة الإمام الخامنئي خلال تدّرجه السريع في مناصب عدة في إيران.
إنه رجل المرحلة الذي يعرف كيف يواجه المنطق الأمريكي الجديد في عهد المهرج ترامب، وهذا ليس انتقاصا من شخص السيد روحاني الذي نحترمه ونقدر ما قام به في سبيل بلاده والمنطقة، لكن لكل مرحلة منطقها ورجالها، ومرحلة الإصلاحيين انتهت بنهاية مرحلة أوباما، وجاء زمن رجال الله الأشداء الذين لا يهنون ولا يدعون إلى الاستسلام والله معهم ينصرهم في جهادهم ضد أعداء الأمة ولن يضيع أعمالهم سدى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد الشرقاوي

التعليقات

تعليقات