المشهد اليمني الأول| تقرير

 

ما إن انطلق قطار «مؤتمر حضرموت الجامع»، حتى تحركت «المياه الآسنة» في المشهد السياسي اليمني، والتي ألقى «الجامع» في بركتها «صخرة» ضخمة من شأنها «إعادة ضبط المصنع»، وترتيب الأوراق نحو مسارات أكثر «تحللاً» من «محظورات» مخرجات الحوار اليمني «المقدسة» لدى «الشرعية» اليمنية، والمتعثرة بفعل الحرب، وكذلك من مضامين «مسوّدة الدستور» المعطل والمؤجل إلى مرحلة ما بعد «التسوية السياسية» التي يُناور مؤتمر «الحضارم» بقوة، لحجز مقعد «أساسي» على طاولتها، وفق مخرجاته التي صِيغت على قاعدة «على السفن أن تشتهي ما تأتي به الرياح»، لا العكس كما قال المتنبي.

 

وأثارت المخرجات التي تمخض عنها «مؤتمر حضرموت الجامع» المنعقد، مؤخراً، في مدينة المكلا، ردود فعل متباينة لدى النخب والمكونات السياسية والثقافية في الشارع اليمني عامة والجنوبي خاصة، قُدمت على إثرها قراءات تحليلية متعددة لمحتوى مخرجات «الجامع» من زوايا مختلفة. ففي حين اعتبر البعض الخطوة التي أقدم عليها المُؤتمرون استهلالاً لإعلان «دولة الجنوب» الفيدرالية القادمة من حضرموت، رأى آخرون أنها مجرد «نسخة معدلة» من مخرجات الحوار اليمني الرامي إلى تطبيق مشروع الأقلمة.
يأتي ذلك في الوقت الذي وصفت فيه بعض فصائل الحراك الجنوبي مخرجات المؤتمر بـ«الضربة السياسية»، التي تحاول النيل من مشروع «الإستقلال». أما الفريق الرابع فقرأ الخطوة باعتبارها مؤشراً قوياً إلى إقامة «دولة حضرموت»، التي قد تضاف إلى مسماها كلمة «الكبرى» في حال تمددت لتشمل في إطارها باقي مناطق الجنوب، إن لم تنكفئ على ذاتها سياسياً وجغرافياً بالمسمى الأول، في حال ظل «المُثلث الجنوبي» غارقاً في دوامة الصراعات اللامتناهية التي لم تعتبر من روزنامة التاريخ «الدامي» في جنوب الجزيرة العربية.
دولة حضرموت
وبهذا الصدد، يرى المحلل السياسي، منصور صالح، أن «قطار الدولة الإتحادية لم ينطلق من حضرموت كما يظن البعض، بل بدأت مؤشرات انفصال حضرموت وقيام الدولة الحضرمية». وفي منشور له على صفحته في «فيس بوك»، كتب يقول: «إن توصيات مؤتمر حضرموت الجامع توصيات تعجيزية، فإما أن يقبلها الآخرون كما هي وإلا فمن حق حضرموت الخروج من الإتحاد وإعلان دولتهم المستقلة. فتوصيات مؤتمر حفلت بالكثير من المغالطات الذكية، فمجرد الحديث عن إقامة إقليم حضرموت وليس الإقليم الشرقي يؤكد أن النية تتجه نحو إقامة دولة حضرمية انطلاقاً من الثقة بامتلاك مقومات الدولة».
ورداً على من يرى أن مخرجات «الجامع» تتوافق مع مخرجات الحوار اليمني، يفند منصور هذه الرؤية بأن «من يتحدث عن إقليم حضرموت باعتباره أحد مخرجات الحوار اليمني وما تضمنه من اعتماد شكل الدولة الإتحادية ذات الأقاليم الستة، فهو يجانب الحقيقة ويخادع نفسه، بعلم أو دون علم، لاعتبارات عدة منها أن الأقاليم الستة ليست من مخرجات الحوار، وإنما من مخرجات اللجنة الفنية التي شكلها الرئيس هادي خارج مؤتمر الحوار، وإذا سلمنا بهذا فإن الدولة الإتحادية تتحدث عن الإقليم الشرقي الذي يضم إضافة إلى حضرموت المهرة وشبوة وسقطرى، وهذا ما لم يتم ذكره وحصر الأمر في حضرموت وحسب. فوفق الواقع الذي يلمسه الجميع بوضوح، فإن حضرموت لا تعترف بشبوة، ولا تريدها باعتبارها مصدر إزعاج وصراعات رغم ثرائها، كما أن المهرة تعتبر ذاتها دولة مستقلة وذات تاريخ، ولا تقبل بحضرموت وتعتبرها طامعة في ثرواتها وخطراً على سلمها الإجتماعي”.
وحول شرعية ودستورية الخطوات التي اجترحها «الكونفرس»، تابع منصور: «بالمنطق ووفق الدستور، إذا افترضنا وجود دستور يستحق الإلتزام به، فإن إعلان إقليم حضرموت ليس شرعياً، لأن مخرجات الحوار، كما يسمونها، نصت على الإقليم الشرقي بمحافظات حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى، ولم تنص على إقليم حضرموت. كما أنه لم يتم الإستفتاء حتى الآن على تغيير شكل الدولة إلى الدولة الإتحادية. ومع ذلك، فإن الأمور تسير باتجاه فرض أمر واقع، وسيُفرض، لأن المخرج الذي يحرك الدمى الجنوبية يريد أن تنتهي نهاية الفلم إلى إعلان حضرموت دولة وضمها إلى مجلس التعاون الخليجي وفرض الوصاية على عدن، وترك الأغبياء، الذين لم يعوا الدرس بعد، يتصارعون على وظائف الحراسات في الشركات والنقاط الأمنية من حضرموت إلى عدن».

 

في المقابل، يشدد الناشط السياسي، علي باوزير، على أهمية «استقلال حضرموت بقرارها اليوم». وكتب باوزير على صفحته في «فيس بوك»: «إن مركز القيادة بالشرق الأوسط قد تحول كلياً، وعلى حضرموت أن تكون بمستوى المسؤولية لتغطية الفراغ والواقع الذي أفرزته الحرب بميلاد مراكز جديدة وتلاشي مراكز عتيدة، فالعالم واليمن اليوم بحاجة إلى سلام حضرموت، وإلى اقتصاد حضرموت، وإلى عقول حضرموت، أكثر من عواطف الآيديولوجيا والطائفية والمناطقية، فنحن بحاجة إلى تغليب المصلحة العامة».
تسوية سياسية
من جهته، يعتقد الأكاديمي والناشط السياسي، سعيد الجريري أن المؤتمر عبارة عن «وسيلة تهيئ حضرموت لأي طاولة قادمة، وفق متغيرات ما بعد الحرب وليس عودة إلى مخرجات حوار لم تقبل بها أطرافه فاحتربت، بحيث لا تؤخذ حضرموت غفلة أو سكتة، أو تزيف إرادتها فروع الأحزاب اليمنية وملحقاتها التي انتهى زمنها الإفتراضي، مستغلة عدم جهوزية حضرموت أو بقاءها (بلا صالي)! فضلاً عن أن من الأهمية بمكان أن يخرج المؤتمر بمرجعية (لا سلطة طبعاً) يكون القرار فيها جماعياً، ولا ينفرد به فرد أو جماعة، ما يعني سحب البساط من تحت أقدام فروع الأحزاب اليمنية أو أي جهة تقاول على ادعاء تمثيل حضرموت مرجعياً في الداخل أو الخارج، وتعمل على تزييف الإرادة الشعبية، وتأبيد تبعيتها، وهذا في حد ذاته، لو حدث، سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح».
إقليم حضرموت
وفي وجهة نظر مغايرة، يعتقد أستاذ القانون الدولي، محمد علي السقاف، أن مشروع إعلان إقليم حضرموت غير دستوري، لكونه مخالفاً للقرار 2216 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وفي مداخلة مطوّلة حول الموضوع، أشار السقاف إلى أن «المحافظ لم يكترث بالجوانب القانونية والسياسية لمشروع إعلانه، باستثناء طلبه بأن يصادق الرئيس هادي علي إعلان إقليم حضرموت، فإن تجاوب معه في ذلك وهذا جداً مشكوك فيه سيكون الرئيس هادي قد ارتكب خطأً جسيماً وانتهاكاً صارخاً للدستور وقرارات مجلس الأمن الدولي، فالأقاليم الستة ليست ضمن مقررات مخرجات الحوار، وإنما جاءت بقرار رئاسي بناء على توافق المشاركين بعد الخلافات الحادة بينهم. لذا فإذا أعلن إقليم حضرموت ولم تقم الدولة الإتحادية بعد، ولم يتم الإستفتاء على مشروع الدستور الإتحادي الخطير جداً على الجنوب، فبأي أسس ومرجعية قانونية سيعمل بموجبها الإقليم الحضرمي؟!».
إتجاه معاكس
وفي الاتجاه المعاكس لرؤية السقاف، قال وزير التعليم العالي الأسبق، صالح علي باصرة، إن على الرئاسة اليمنية أن تعلم بأن «ما بعد الحرب ليس كما قبل الحرب، والستة أقاليم ليست من مخرجات الحوار، لأن الحوار أوصى بإقليمين إلى ستة أقاليم، وأن فكرة الستة أقاليم هي فكرة إصلاحية». وفي تصريح صحافي، أضاف باصرة: «نحن أبناء الجنوب لن نقبل بتقسيم الجنوب إلى إقليمين… حضرموت هي عدن وعدن هي حضرموت، و هما مفتاح الجنوب»، لافتاً إلى أن «وضع حضرموت أفضل من عدن، لأن حكومة الشرعية لم تكون موجودة في حضرموت، لذلك وضع حضرموت أفضل».
من جانبه، يرى الناشط، عبد الرحيم عبد الرحيم، أن «جميع مطالب مؤتمر حضرموت جاءت حقوقية بامتياز، بعيداً عن أي مطالب سياسية تهدف إلى عزل حضرموت عن الجنوب، أو إلحاقها بالشمال». وتابع على صفحته في «فيسبوك»: «عشرة أيام ستضع حكومة هادي على المحك، وستظهر لكم من هم الأشخاص الذين يرفضون نهضة عدن وحضرموت. فمخرجات مؤتمر حضرموت المكونة من 40 نقطة جميعها أو جلها تعجيزية، وبالتالي لن يستطيع هادي وعلي محسن تنفيذ ولو نصف بنود المسوَّدة».
«فرّق تسد»
بدوره، يرى الإعلامي الجنوبي، فتحي بن لزرق، في مؤتمر حضرموت «تكريساً لسياسة فرّق تسد من قبل بعض الأطراف، بهدف تشتيت مساعي الجنوبيين نحو استعادة دولتهم». ويضيف، في صفحته على «فيس بوك»، أن «من يظن في حضرموت أو غيرها أن الشمال وقواه المتنفذة يمكن لها أن تمنحه حقوقه منفرداً فهو واهم. ستضرب حضرموت في عقر دارها، وسيلتزم الجنوبيون المتوجسون خيفة الصمت، وستضرب عدن في عقر دارها، وسيلزم آخرون صمتاً مقابلاً، والسبب هو حالة الشتات». ويزيد بن لزرق: «سينتصر الجنوب بكل أبنائه وبمطالبه السياسية الموحدة الواحدة، ودون ذلك سيفرقون شملنا ليتسنى لهم ضرب كل طرف على حدة».
نسخة مكررة
وعلى خط موازٍ، يعتقد الإعلامي، شفيع العبد، أن بيان المؤتمر لم يحمل جديداً، فهو مجرد «تكرار أو تأكيد لما ورد في وثيقة (حضرموت الرؤية والمسار)، التي أُعلنت منتصف العام 2011م، كخلاصة لأكثر من 17 رؤية قدمتها مختلف المكونات السياسية والاجتماعية والمدنية بالمحافظة. وجاء في فقرتها الأولى أن الحد السياسي الأدنى أن تكون حضرموت إقليماً في إطار نظام اتحادي فيدرالي. وحينها سبقت حضرموت الجميع، وكشفت عن رغبتها في بناء إقليمها الخاص على جغرافيتها المعروفة، وها هي تؤكد رغبتها تلك مجدداً. فدعوا الحضارم يشقون طريقهم، وتعلموا منهم بدلاً من الإفراط في التعبير عن حنقكم غير المبرر».
مستقبل مجهول
ويتفق الناشط، رياض باعبّاد، مع الرؤية السابقة، حيث يرى أن المؤتمر «عبارة عن نسخة مكررة لمشاريع سابقة، غير أن ما يحسب له، هو تأكيده على دور حضرموت في أي تسوية سياسية قادمة، في اعتراف ضمني من قبل المُؤتمرين بأن مصير حضرموت ما زال مبهماً». وفي منشور على صفحته في «فيس بوك»، رأى باعبّاد أن «عبارة (في أي تسوية قادمة) هي التي تبين أن مستقبل حضرموت السياسي ما زال مبهماً ومتروكاً لتحديده من قبل الآخر، وهذا ما كنا نعول على المؤتمر الجامع توضيحه، وقد يكون البعض منا قد ذهب في تفكيره إلى أن المؤتمر عُقد أصلاً لتحديد هذا المستقبل السياسي لحضرموت، وبالتالي ربما يكون هذا هو معيار النجاح والفشل لديه».
وفي السياق، وصف الإعلامي، صلاح العمودي، مخرجات «مؤتمر حضرموت الجامع» بأنها «مبهمة ومتناقضة»، لذا لم تنل رضا «الشرعية» ولا رضا «الحراك الجنوبي» المطالب بالانفصال. وفي منشور له على صفحته في «فيسبوك»، كتب يقول: «بيان جامع حضرموت يعترف أن حضرموت ليست دولة ذات سيادة وإنما إقليم. لكن إقليم في إطار أي دولة؟ اليمن الإتحادي الذي تنادي به حكومة (الشرعية) أو دولة الجنوب التي ينادي شعب الجنوب باستعادتها؟ لا يوجد غير السراب جواباً. إنما ذهب بيان الجامع يقول إن حضرموت إقليم حتى لا يُغضب (الشرعية)، وقال في حدودها الجغرافي ظناً منه أنه لن يغضب الجنوبيين».

التعليقات

تعليقات