المشهد اليمني الأول| متابعات

 

توقفت مجلة «ذي إيكونوميست» عند واقع محافظات الجنوب، كحضرموت، مشيرة إلى ما صرّح به محافظ المدينة الجنوبية، المقرب من دولة الإمارات، اللواء أحمد بن بريك، للمجلة، خصوصاً وأن مكانة الرجل كما تشي صوره المنتشرة داخل المدينة، تكاد تختصر توازنات القوة والنفوذ فيها، وتعكس بشكل أو بآخر هشاشة دور حكومة هادي هناك. ومن جملة المواقف التي أطلقها بن بريك للمجلة البريطانية، حديثه عن «خارطة سياسية جديدة» في اليمن بعد مرور عامين على الحرب، إلى جانب تشديده على الرغبة في انفصال حضرموت، معتبراً أنه «لا يمكننا انتظار تحرير باقي أرجاء اليمن» من أجل إطلاق هذا المشروع.
واعتبرت المجلة أن كلام بن بريك يعد «عودة إلى العرف القديم»، في إشارة إلى محاباة بريطانيا، بوصفها قوة خارجية لمشايخ الجنوب اليمني على حساب أهل الشمال لمدة تناهز 139 عاماً، قبل أن ينشىء الجنوبيون «جمهوريتهم الخاصة» بعد انكفاء الإمبراطورية البريطانية في المنطقة، مع بزوغ نجم الاتحاد السوفياتي، مروراً بعودة الوحدة بين شطري البلاد مع انتهاء الحرب الباردة، وصولاً إلى الوقت الراهن حيث «تتوجه (قيادات) الجنوب اليمني صوب الإمارات، (بما هي فاعل خارجي داخل اليمن) سعياً وراء الانفصال مجدداً، بعد مرور 27 عاماً على الزواج بالإكراه» بين شمال اليمن وجنوبه. وفي هذا الإطار، أوضحت المجلة حجم الاستثمار الإماراتي على مختلف الصعد، داخل اليمن، حيث احتفظت أبو ظبي لنفسها بما لا يقل عن ست قواعد عسكرية، جنوبي البلاد، وزجت بالآلاف من قواتها في الحرب هناك، فضلاً عن تكفلها بتدريب نحو 30 ألف مقاتل يمني لمواجهة «الحوثيين» و«القاعدة»، إلى جانب تخصيص ملياري دولار لاستصلاح وإعمار عدد من المناطق النائية في تلك المنطقة. وبحسب ما أفاد به سياسي وديبلوماسي يمني سابق للصحيفة، فإن «الجنوبيين لن يخضعوا أبداً بعد الآن لحكم صنعاء».
ومن منظور المجلة، فإن «الجنوبيين»، وباستثناء «تحاملهم على أهل الشمال»، من النادر اتفاقهم على أمور أخرى. «فسلطات الرئيس عبد ربه منصور هادي، القائد العسكري القادم من محافظة أبين الجنوبية، تنتشر في مختلف أرجاء المناطق التي حررتها (قوات) التحالف»، من الناحية النظرية. ولكن، من الناحية الفعلية، يعد «إيجاد العلامات الدالة على سلطته في مناطق الجنوب أمراً صعباً، بقدر صعوبة إيجادها في المناطق الشمالية التي يسيطر عليها المتمردون»، حيث تطغى على صورة الرئيس هادي، وسلطة الحكومة المركزية في تلك المناطق مظاهر أخرى، كـ«العلم الجنوبي»، الذي ينتشر عبر نقاط التفتيش هناك. كما أشارت المجلة إلى سيطرة هادي على البنك المركزي في مدينة عدن، باحتياطي يقدر بنحو 1.6 مليار دولار، دون أن يكون له القدر نفسه من النفوذ والسلطة على الحكام والقادة المحليين في المناطق، في ظل وجود خلافات على توزيع السلطات والموارد، مثل منطقة المكلا، التي فرض المحافظ فيها عدداً من الرسوم الإضافية «أسوة بأسلافه القاعديين»، على ضوء إصرار الرئيس هادي على تسليم عائدات النفط المصدر عبر ميناء المكلا إلى الحكومة المركزية، علماً بأن الرسوم الإضافية على واردات الوقود تكفل بتحقيق إيرادات تقدر بنحو 16 مليون دولار شهرياً، كما جاء في «ذي إيكونوميست».

 

مدينة عدن تعد من «التحديات الأكثر إلحاحاً» لحكم الرئيس هادي
وتابعت المجلة بأن مدينة عدن تعد من «التحديات الأكثر إلحاحاً»، لحكم الرئيس هادي، مشيرة إلى أن «تحرير المدينة من المتمردين الشماليين» مطلع صيف العام 2015 «عكّرت من صفوه موجات الاقتتال» في صفوف الفريق المؤيد لهادي «المقيم في السعودية معظم الأحيان»، والذي «يسكن ابنه القصر الرئاسي في عدن»، في وقت «تخضع فيه المناطق المتبقية للمدينة لسلطات المحافظ، اللواء عيدروس الزبيدي».
ولفتت المجلة إلى أن «العديد من عناصر قوات الشرطة التي أنشأها الأخير، هم من أبناء مسقط رأسه في دالي شمال عدن»، والتي يربطها بقبيلة الرئيس هادي تاريخ دموي يعود للعام 1986. وبكلمات قليلة، أوجز الزبيدي لـ«إيكونوميست» قائلاً: «أتجاوز الرئيس في ما هو لصالح المدينة». الخطر في حديث الزبيدي تمثل بتوجيهه اتهامات لهادي بالإشراف على تجنيد عناصر من «القاعدة».
وبالمقارنة بين حضرموت وعدن، تعد الأخيرة أسوأ حالاً مع وقوع ما يقرب من 3700 قتيل في المعارك من أجل السيطرة عليها منذ العام 2015، وفي ظل غياب جانب كبير من الخدمات الحكومية عنها. كذلك، فإن عدن، وبحكم «تهميشها من الحكم الشمالي منذ العام 1990»، يشدوها «حنين إلى الحقبة الاستعمارية، حين كان الميناء فيها يحتل المرتبة الأولى عربياً، وحين كانت مصافي النفط فيها تحتل المكانة نفسها أيضاً» على مستوى المنطقة، وكذلك إلى الحقبة السوفياتية، لعوامل شتى.
كما لفتت المجلة إلى أن فرح الطلاب داخل مدينة عدن بالحصول على أجهزة كمبيوتر محمولة جديدة، وعلى فصول دراسية بطلاء جديد، لم يحجب عنهم خوفهم من غياب الأمان فيها، حيث عبّرت إحدى الطالبات بالقول إن القصر الرئاسي في عدن «يجب أن يكون المكان الأكثر أمناً هناك، وليس الأكثر إثارة للخوف». كما أوضحت المجلة أن «الانفصاليين الجنوبيين هم من يتولون الحفاظ على النظام» في مناطقهم، حيث يقومون بتسيير الدوريات، ويحتفظون بأسلحتهم علناً، على نحو «يشعر بعض المسؤولين في الوقت الحالي بالثقة الكافية للتحرك حول عدن، دون اصطحاب مرافقيهم الشخصيين»، لافتة إلى «حضور قاعدي» مواز في شوارع المدينة، حيث تظهر حادثة تفجير التنظيم للمكتبة فور تحريرها من قبل القوات الإماراتية، وعملية اغتيال المحافظ السابق لعدن، حجم النفوذ الذي يتمتع به «القاعدة» هناك، وفق «ذي إيكونوميست».
من جهة أخرى، شرحت المجلة البريطانية تداعيات أزمة هبوط الريال اليمني، وتفشي حالات سوء التغذية في مختلف أرجاء البلاد، مشيرة إلى استمرار انقطاع التيار الكهربائي عن مدينة عدن لفترات طويلة، رغم تخصيص دولة الإمارات مبلغ 100 مليون دولار لشراء مولدات طاقة كهربائية، ملمحة إلى دور سلبي لهادي في هذا الخصوص.
ولفتت المجلة إلى «خشية بعض المسؤولين الإماراتيين» من ترك الأمور في الجنوب على حالها، وما قد يثيره ذلك من «انعدام استقرار»، الأمر الذي قد «يهدد الجزيرة العربية بأسرها»، مشيرة إلى أن العديد من المقاتلين الذي جرى إعدادهم للقتال قد «تركوا المعسكرات، وخالفوا التعليمات بعد أن تسلموا رواتبهم»، وفق هؤلاء المسؤولين. وتابع هؤلاء بقولهم إن «حث المقاتلين على الزحف شمالاً يبدو مهمة صعبة، حتى ولو تم توفير ودفع العلاوات»، لافتين إلى أن «أولئك الذين كانوا سعداء للقتال دون منازلهم، يبدون غير متحمسين للقتال من أجل أحد آخر»، ومعربين عن خشيتهم من نموذج جديد عن «الدولة الفاشلة» في «جنوب السودان».  

التعليقات

تعليقات