المشهد اليمني الأول/

لم يكن واقعنا العربي بحاجة إلى المزيد من التوضيح لنرى قتامة الصورة، وانعكاسها على حاضرنا ومستقبلنا، فكل هذا الخراب العربي الذي مُوّل بمال النفط الذي لم يكن في يوم من الأيام إلا لعنة العرب، زاد عليه حجيج الكثير من رؤساء وأمراء الدول العربية والإسلامية إلى الرياض لملاقاة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإتمام البيعة وإكمال الاتفاق على «تدمير» ما بقي للعرب من كرامة.

ترامب الذي زار المنطقة لإفراغ ما جمع في خزائن النفط من دولارات بعد الحرب على العراق 2003، جاء لقبض ثمن استثمارات خطابات الكراهية أثناء حملته الانتخابية، بـ 460 مليار دولار بحسب موقع «الجزيرة» رقص ترامب بالسيف ونسي جميع هجماته على النظام السعودي وهجمات 11 أيلول وضحاياها ونسي الحديث عن الديمقراطية بالشرق الأوسط – ترامب الذي كان بالأمس القريب يهاجم الإسلام وينعته بالتطرف تحول إلى محاضر وخطيب في الرياض، وهنا لا فرق عند نظام بني سعود بأن يُصبغ على ترامب صفة حامي الإسلام – قد نعتاد على رقص جميع الرؤساء الأمريكيين طربا على مصابنا بأنظمة عميلة له.

ففي الرياض تم توزيع الحصص فكانت الحصة الكبرى من نصيب الولايات المتحدة مليارات الدولارات لتشغيل مصانع السلاح وتوفير فرص العمل للأمريكيين – ليس مهماً توفير فرص العمل للشباب العربي- وحصة ممالك الخليج التزام الرئيس الأمريكي بحماية عروشها، فيما عاد الكثير من رؤساء الدول الإسلامية خالي الوفاض حتى إنهم لم يعلموا لماذا بالأصل حضروا في الرياض، وفي المقلب الآخر كانت حصة إيران من الهجوم عليها كبيرة.. بينما لم تكن حصة الشعب اليمني الذي يعاني من حرب ممالك النفط عليه سوى أطنان من القنابل، تسقط على بلد ابتلته الجغرافيا بجيرة بني سعود والذي ابتلى اليمن بالكوليرا.

وأما فلسطين «المنسية» فحصتها غابت خلف التزامات ترامب بعد مغادرته الرياض بأمن الكيان الإسرائيلي وتفوقه العسكري والنووي، وخاصة أن الوقت في الرياض لم يكن لفلسطين، بل لذاك الأمير السعودي الذي أمضى وقته في تعليم إيفانكا ترامب كيفية هزّ فنجان القهوة، كما سبقه ملكه سلمان بالتوضيح لترامب كيفية ذلك – الأمر بالغ الأهمية- فللهز مكانته في ثقافة الشرق.

رحلة ترامب المباشرة من الرياض إلى مطار «بن غوريون» بـ «تل أبيب»، رحلة قصيرة تلخص غاية خفية من الزيارة والتي هي بالحقيقة أخطر ما فيها.. وفيها تطبيع علني بين نظام بني سعود والكيان الإسرائيلي، ومحاولة لتمهيد الرأي العربي والإسلامي «لتقبل» الكيان الصهيوني كأمر واقعي.

وفي فلسطين المحتلة وبالقرب من بؤر الاستيطان صلى ترامب أمام حائط المبكى و تعهد بحماية الكيان الإسرائيلي. ومن ثم عاد إلى بلاده فرحاً بما جناه من أموال النفط وما جناه عملاؤه على الشعب العربي. وغرد قائلاً: «عدت لكم بمئات المليارات من الدولارات من الشرق الأوسط».

وأيضاً يمكن الإشارة إلى أن من تبعات زيارة ترامب، التناحر الذي ظهر للعيان بين محميات الخليج، والتي تخفي التنافس على منصب الخادم رقم واحد لواشنطن.

سريالي هو المشهد العربي، ممالك تمتهن الخضوع وقوى حية تقاتل بالأمعاء، وإلى جانبها دول تصنع المعجزات للحفاظ على سيادتها، وبين هذا وذاك يمتهن ترامب رقصة السيف ويسمسر للاستيطان في فلسطين.

راتب شاهين ـ تشرين

التعليقات

تعليقات