المشهد اليمني الأول/

الى ما يقارب الـ500 مليار دولار، وصلت قيمة الصفقات السعودية الاميركية التي عقدت خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى الرياض حيث وقعت اتفاقيات بمبالغ خيالية، ما يؤكد المؤكد ان ترامب بدأ زيارته الأولى الى الخارج بالسعودية لتحقيق عدة أهداف منها الحصول على أموال “مملكة النفط” التي تعاني ما تعانيه على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية.

وصحيح ان الاتفاقيات الموقعة تركزت بشكل أساسي على مجال التسليح الجوي والبري والصاروخي والأمن بمختلف انواعه، إلا انها شملت أيضا العديد من المجالات الاقتصادية والصناعية والنفطية، ما دفع بترامب الى التغريد على “توتير” مبتهجا انه عاد الى بلاد “العم سام” وبحوزته الكثير من الفرص للاميركيين مما وعد به خلال حملته الانتخابية.

مشاريع سياسية.. واستخدامات مشبوهة

ولكن يبقى السؤال الابرز هل كل هذه الاموال التي ستدفع تحقق مصلحة السعودية وشعبها ام انها تسعى لتحقيق المصلحة الاميركية الخالصة؟ وانطلاقا من ذلك أليس الشعب السعودي أحق بهذه الاموال التي تصرف هنا وهناك لأسباب سياسية وخدمة لمشاريع مشبوهة في المنطقة تحقيقا لطموحات بعض الأفراد في العائلة الحاكمة في السعوية؟ وماذا يمكن ان تفعله السلطات السعودية بمبلغ الـ480 مليار دولار لو أتيح لها صرفه على الناس في الداخل او الى الاستثمار والتنمية في مختلف المناطق السعودية؟ وبالطبع السؤال لا يقتصر على ما يمكن فعله في الداخل السعودي فقط إنما أيضا ماذا يمكن للمملكة ان تفعل بمثل هذا المبلغ الخيالي في الخارج خدمة للدول العربية والاسلامية؟

بالتأكيد ان الاجابة على مثل هذه الاسئلة تحتاج الى مساحة اكبر قد لا يتسع لها المقام، وانما يمكن الاشارة الى بعض الامثلة على ما يمكن فعله بمبلغ يقارب الـ500 مليار دولار:

على سبيل المثال لا الحصر، يمكن في الداخل السعودي المباشرة فورا بوضع المشاريع التنموية بهدف القضاء على الفقر المدقع في العديد من المناطق حيث تسجل في المملكة النسب العالية لمن هم تحت خط الفقر ولا يملكون قوت يومهم ويعجزون عن مواجهة صعوبات الحياة المختلفة، بالاضافة الى امكانية وضع مشاريع لخلق فرص عمل للسعوديين بدل التبرع بها الى ترامب كي ينفذ وعوده الانتخابية بخلق فرص عمل للاميركيين.

كما يمكن للسلطات السعودية العمل لانماء مختلف المناطق في المملكة حيث يوجد العديد من المناطق لا يوجد فيها كهرباء وماء ونحن في العام 2017، كما يمكن صرف بعض الاموال على تطوير الفكر والثقافة الحقوقية التي تدل الانسان على حقوقه وحرياته وتكرس المواطنة بدل القمع وكمّ الافواه والحرمان من أبسط الحقوق المكتسبة، بالاضافة انه يمكن للسلطات السعودية تأمين مساكن لائقة لمواطنين يتم هدم منازلهم فوق رؤوسهم في مناطق كالعوامية بحجج مختلفة بينما تنظم الاستقبالات لترامب وحاشيته وتصرف عليها الاموال الطائلة لتكريس البذخ الفاحش في حين هناك من المواطنين من تنتهك حقوقه بصورة يومية، بما يدل على الازدواجية الغريبة في المعايير لأصحاب القرار في المملكة.

مآسي اليمن.. ومسؤولية السعودية

على سبيل المثال ايضا، يمكن دفع جزء من هذه الاموال بهدف وقف الحرب على اليمن والشروع في عملية إنماء لهذا البلد الذي يعاني من العدوان وتبعاته، وهو اليوم يحتاج الى اغاثة مستعجلة لا سيما في المجالات الطبية والغذائية، خاصة ان وباء “الكوليرا” يتفشى نتيجة غياب المستلزمات الطبية والصحية التي يمنع دخولها بسبب الحصار الذي تفرضه قوى العدوان برا وبحرا وجوا، كما ان الشعب اليمني فقد الكثير من مقومات الدولة والبنى التحتية بسبب العدوان المستمر لاكثر من عامين، وبالتالي كان الاجدر بالسعودية دفع جزء من المال المسلّم الى ترامب بهدف اعادة بناء ما هدمته في اليمن من جسور ومستشفيات وجامعات ومدارس ومنازل ومراكز رسمية… وغيرها الكثير بالاضافة الى دفع تعويضات للجرحى وعوائل الشهداء ممن ساهمت المملكة في جعل حياتهم بالحد الادنى صعبة وقاسية.

وايضا على سبيل المثال، يمكن للسعودية كسب ودّ العالم العربي والاسلامي في مجالات التعاون والتضامن والتكافل، عبر دعم بلدان عديدة بدءا من شمال افريقيا وصولا الى ماليزيا واندونيسيا مرورا بكل هذا العالم العربي والاسلامي الذي يمر بمراحل صعبة على مختلف الصعد من مصر الى السودان والصومال وسوريا والعراق ولبنان وأفغانسان وباكستان وغيرها.

وهناك الكثير الكثير مما يمكن للسعودية فعله في هذه البلدان غير الحروب والفتن والتحريض بمختلف أشكاله وألوانه، فيمكن المساهمة بوقف الحرب على سوريا والبدء باعادة الاعمار في بلد شاركت المملكة بشكل او بآخر بدعم الجماعات التي ساهمت بإيصاله لما هو عليه اليوم، كما يمكنها تقديم الكثير للنازحين السوريين الفارين من نار الحرب بدءا من استقبالهم على اراضيهم وصولا لدعمهم ماليا وماديا في الدول التي استقروا فيها، وكذلك الامر بالنسبة للنازحين من المناطق التي كان يسيطر عليها الارهاب التكفيري في العراق.

ماذا عن فلسطين؟!

والأهم من كل ذلك يطرح السؤال كيف يمكن دعم فلسطين بكل هذا المال السعودي المرحل الى الجيوب الاميركية؟ يكفي ان نطلع على الوضع في قطاع غزة لنعرف ان هذا القطاع يعاني الكثير بسبب الحصار المفروض عليه برا وبحرا وجوا، ويحتاج الى الكثير من المساعدات والخدمات لرفع آثار الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على القطاع، فلماذا لا تعمل السعودية على معالجة ازمة الكهرباء في غزة؟ لماذا لا تساهم بتخفيف تبعات الحصار؟ لماذا لا تعمل على معالجة مشكلة التلوث في بحر غزة حيث تعتاش عائلات كثيرة من العمل في البحر؟ لماذا لا تدفع السعودية لاعادة بناء ما هدمه العدوان الصهيوني على غزة؟ لماذا لا تقوم السعودية بإدخال المواد الغذائية الى غزة خاصة أننا في شهر رمضان المبارك؟ والحقيقة ان المسائل التي يمكن للسعودية ان تدعم بها غزة كثيرة كالتعليم، المستشفيات، الصناعات، رواتب الموظفين… والكثير من المسائل التي تنطبق على غزة تنطبق أيضا على الضفة الغربية والقدس المحتلتين، فماذا قدمت السعودية لهما حتى اليوم؟

أسئلة تطرح وستبقى قائمة في ظل كل هذا الأداء السعودي الذي يبتعد يوما بعد يوم عن شؤون وهموم الامتين العربية والاسلامية ولا يفكر الا بمصالح خاصة ضيقة، لكن المشكلة ليست بتحقيق المصالح الخاصة بقدر ما هي الاسلوب الذي يعتمد لذلك، حيث يتم الاتكال بشكل كامل على الدعم الغربي والاميركي بشكل خاص مقابل تقديم كل هذه الخيرات والاموال، بينما الاجدر على الحكام التقرب من الشعوب والعمل لما يحقق مصالحهم لأنه عند ساعة الحقيقة لن يحمي الحاكم او السلطة إلا الشعب، فالتجربة أثبتت ان الاميركي يبيع “الأنظمة الحليفة” عندما تتطلب مصلحته ذلك.

موقع المنار – ذوالفقار ضاهر

التعليقات

تعليقات