بقلم: عبدالعزيز ظافر معياد

يظهر من خلال الازمة الخليجية الراهنة بين قطر وشقيقاتها وما صاحبها من تصريحات ومواقف واحداث في الفترة الأخيرة تركيز القائمين على تنفيذ المخطط الجديد في المنطقة على هدفين رئيسيين كخطوة لابد منها للوصول الى بقية الأهداف، يتمثل اولاهما في التركيز على قطر ومحاولة ترويض نظامها بصورة تتلاءم مع الدور الجديد المطلوب منه في إطار تنفيذ المخطط، اما الثاني فهو التوجه نحو تصنيف الاخوان المسلمين كجماعة إرهابية.
اولا: التركيز على استهداف قطر: وذلك عبر شن حملة سياسية وإعلامية غير مسبوقة تستهدفها، ويظهر ان الهدف من ذلك تحقيق التالي:

1-حلب قطر، وهذا الهدف خاص بالرئيس الأمريكي ترامب المولع بأموال الخليج ،فالمرجح ان لديه رغبة لتكرار ابتزازه للسعودية مع قطر ومحاولة الحصول منها على مليارات الدولارات في شكل صفقات عسكرية واستثمارات قطرية في بلاده، وهو ما يفسر تجنب ترامب الى حد الان توجيه انتقادات لاذعة للنظام القطري.

2-الضغط على الدوحة لدفعها للتخلي عن دعم جماعة الاخوان واحتضان قياداتها على أراضيها، وكذا وقف دعمها لحماس وحزب الله وفصائل مسلحة كجبهة النصرة في سوريا وفجر ليبيا وغيرها من الفصائل خاصة في الدول التي تمكن الربيع العربي منها بعد ان أصبح الدعم القطري لتلك الفصائل عائقا امام استكمال مخطط تقسيمها على أسس عرقية ومناطقية.

3-محاولة ترويض النظام القطري بحيث يتم استغلال ما يمتلكه من إمكانيات مالية هائلة وامبراطورية اعلامية وعلاقات دينية مميزة داخل البيت السني تحديدا للقيام بالدور المطلوب منه في تنفيذ المخطط الجديد.

-لكن ونظرا لصعوبة اقناع النظام القطري بذلك واجباره على التجاوب مع تلك المطالب،فقد بدأ تحالف ابوظبي-واشنطن عملية ترويض صعبة بدأها بالتلويح بصورة غير مباشرة بعدد من الإجراءات القوية التي قد يتم اتخاذها ضد النظام القطري وذلك عبر حملة حادة في صحف خليجية وعربية وتسريبات للصحافة الغربية وتصريحات لشخصيات مقربة من صناع القرار في واشنطن والرياض وابوظبي لعل ابرزها:

1-ترويج الاعلام السعودي والاماراتي لبيان صادر عن فرع “أحمد بن على” من عائلة “آل ثانى” بتاريخ 29 مايو يعتذر فيه للسعودية والإمارات، عن الإساءة لهما في الاعلام القطري، وهذا الترويج انما هو تلويح غير مباشر من قبل نظامي ابوظبي والرياض بإمكانية دعم انقلاب داخل عائلة آل ثاني، وينسجم ذلك مع حديث الاعلام السعودي عن عزم النظام السعودي إيجاد حل جذري للخلاف مع قطر .

2-التلميح بفتح ملف دعم قطر لمنظمات ارهابية كالقاعدة وجبهة النصرة خاصة مع تسريبات متعمدة للصحافة الامريكية تفيد بامتلاك الإدارة الامريكية الكثير من الأدلة التي تدين قطر.

3- التسريب المتعمد لوسائل اعلام أمريكية ببحث واشنطن احتمال نقل قاعدة العيديد من قطر الى الامارات، مع الحديث عن تأييد ترامب لهذه التوجه، وتكمن الخطورة بالنسبة للنظام القطري فيما يعنيه ذلك في حال حدوثه من رفع الغطاء الذي ظل يحتمي به النظام منذ عام 96م وحتى اللحظة ،و في حال وجد النظام القطري نفسه امام خيارين اما التمسك بجماعة الاخوان او رفع المظلة الامريكية عنه، فأن المرجح اختياره للمظلة الامريكية والتخلي عن الاخوان ولو شكليا، وهذا الاحتمال قد يفسر مسألة التصريحات المنسوبة لأمير قطر وتسببها في تفجير الازمة الحالية، وربما يتخذها الأمير تميم ذريعة تبرر لأنصاره وحلفاءه سبب تخليه الاضطراري عن الاخوان.

الهدف الثاني: ادراج الاخوان ضمن المنظمات الإرهابية كخطوة لتعزيز قوة داعش:

وهذا الامر يمكن ملاحظته من خلال الحملة الشديدة والواسعة التي تستهدف الاخوان منذ فترة وتركز على ربطهم بالجماعات الإرهابية، وهى الحملة التي تقودها الامارات ومصر وبمشاركة دول اخرى، ومن غير المستبعد ان يكون تكثيف الضغط على قطر ومطالبتها بالتخلي عن احتضان ودعم الاخوان هي خطوة تمهيدية لتصنيفهم كجماعة إرهابية، والذي سيتسبب مع مرور الوقت في دفع جزء كبير من انصار الاخوان نحو التشدد والعمل السري ومن ثم الانخراط في الجماعات المتطرفة وبالذات تنظيمي داعش والقاعدة.

-في حال حدوث ذلك ستجد عدد من دول المنطقة نفسها في مواجهة رياح تغيير جديدة لكنها ذات صبغة دموية عنيفة تهدد استقرارها، فدولة كالمغرب مثلا بعد ان تمكن نظامها عبر إصلاحات دستورية محدودة وتكليف الاخوان بتشكيل الحكومة من احتواء موجة الربيع العربي والحيلولة دون الإطاحة بالنظام الملكي،سيكون في وضع لايحسد عليه مع تصنيف الاخوان كجماعة إرهابية ،وسيضطر الى تغيير نظرته وتعامله مع الاخوان من شريك سابق في السلطة الى جماعة إرهابية محضورة ،وسيكون الوضع مهيئ لظهور وتنامي سريع ومتوقع لداعش في المغرب، وسيجد النظام الملكي نفسه في تحدي جديد يهدد كيانه .

  • ترويض قطر لاستهداف السعودية وتركيا :

في حال نجح المحور المعادي للدوحة في الازمة الراهنة في تحقيق هدفي ترويض النظام القطري وتصنيف الاخوان كحركة إرهابية، فأنه سينتقل تلقائيا الى الأهداف الأخرى في المخطط وبالذات ما يتعلق بالسعودية وتركيا، كيف ذلك؟

أ-بالنسبة لاستهداف السعودية

لا يخفى ان العقدين الماضيين قد شهدا العديد من التسريبات في الصحافة الامريكية عن وجود مخطط تقسيم جديد للمنطقة، وكان القاسم المشترك والعنوان الابرز في تلك المخططات هو تقسيم السعودية الى خمس كيانات، الامر الذي يرجح انها ابرز الدول المستهدفة من المشروع الجديد، لكن ولان الإطاحة بنظام متجذر ويمتلك إمكانيات مالية هائلة تمكنه من شراء الولاءات الداخلية والخارجية وتساعده على الصمود وافشال أي مؤامرة تستهدفه، ما جعل مهمة الاستهداف صعبة وتحتاج الى وقت طويل لنجاحها.

-بدأت عملية الاستهداف للنظام السعودي منذ فترة طويلة، وذلك من خلال ضرب نقاط القوة لديه، فتم التركيز بدرجة رئيسية على استنزافه وضرب قوته المالية بطرق متنوعة لامجال لذكرها هنا تجنبا للإطالة، يضاف اليها محاولات من حين الى آخر لإضعاف الركيزتين الرئيسيتين اللتان قام عليهما النظام والمتمثلتان في الاسرة الحاكمة والمؤسسة الدينية المتحالفة معه ،وفي حين استغل محمد بن زايد طموح ورغبة محمد بن سلمان الجامحة في اعتلاء كرسي الحكم، ونجح في تعميق الشرخ الحاصل داخل اسرة ال سعود ورفع احتمالات الصراع بين جناحيها الرئيسيين حال توفرت الظروف المناسبة لذلك، الا ان محاولات ضرب تحالف نظام ال سعود بالمؤسسة الدينية كانت ضعيفة ولم تحقق نتائج واضحة.

– تمكن بن زايد من إقناع بن سلمان في القيام بعدد من الخطوات الداخلية للظهور كرجل الإصلاحات القوي القادر على احداث تغيير جذري في السعودية، علاوة على ضرورة خطب ود تل ابيب لضمان الحصول على دعم واشنطن والعواصم الاوربية الفاعلة لاعتلاء كرسي الحكم، وكان قراره بحصر وتقليص صلاحيات هيئة الامر بالمعروف، وكذا التوجه لافتتاح صالات السينما والتوسع في إقامة النوادي الشبابية ابرز مظاهر هذا التوجه، ورغم إيجابية التوجه لإجراء الإصلاحات الداخلية ،لكن هدفها في حقيقة الامر كان دفع بن سلمان وحكومته للاصطدام بالمؤسسة الدينية.

-تجنبت المؤسسة الدينية وكبار المشايخ اظهار أي رفض او امتعاض من إصلاحات بن سلمان التي تمس دورهم ونفوذهم في الداخل السعودي، كما ان زيارة الجنرال أنور عشقي الى الأراضي المحتلة ولقاءات الأمير تركي الفيصل مع الإسرائيليين، لم تلحق ضررا واضحا بتحالف ال سعود مع المؤسسة الدينية، وهنا تأتي أهمية قطر والدور المطلوب منها القيام به في ضرب ومحاولة اضعاف هذا التحالف كيف ذلك؟

-نفي اسرة آل الشيخ في بيان موقع من 200 شخصية بارزة من اسرة محمد بن عبد الوهاب، وفي مقدمتهم مفتي السعودية، انتماء لعائلة آل ثاني لأي من فروع هذه الاسرة، يكشف الأهمية الخاصة التي يمكن ان يلعبها امير قطر واسرته في ضرب واضعاف تحالف نظام ال سعود بالمؤسسة الدينية من الداخل، وبغض النظر عن صحة النفي السابق من عدمه فالمرجح وجود علاقات قوية وخاصة تربط اسرة ال ثاني بمعظم مشايخ ال الشيخ وقبيلة تميم عموما، ونظرا لما تملكه قطر من إمكانيات مالية ضخمة ،فأنها ستسخر جزء منه لقلب ولاء العديد من رجال الدين السعوديين ضد اسرة ال سعود انتقاما من موقف الرياض الحالي منها.

-بالنسبة للمواجهة مع ايران فستظل مجرد شعار وكلام اعلامي اكثر من كونه فعلا على الأرض، وسيتم التركيز على محاولة خلخلة الوضع الداخلي في ايران وتجنب الدخول في معركة مباشرة معها لأطول فترة ممكنة خاصة ان مثل هذه المواجهة من شأنها تعزيز تماسك الجبهة السعودية الداخلية مع النظام (داخل الاسرة الحاكمة وداخل المؤسسة الدينية)، واذا كان من مواجهة مع ايران فستكون في ساحة أخرى غير مباشرة خاصة في لبنان مع حزب الله وفي غزة مع حماس، وبعكس انعكاس أي مواجهة مباشرة مع ايران على النظام السعودي بصورة إيجابية داخليا ،فأن أي مواجهة مع حزب الله وحماس سترتد سلبا على نظام ال سعود لأنه في الغالب سيكون في الخندق الذي تتواجد فيه إسرائيل وسيفرض عليه اتخاذ مواقف محابية لإسرائيل بصورة اكثر صراحة وعلانية مما هي عليه الان بحيث تكون مستفزة للمؤسسة الدينية او لجزء من شيوخها على الأقل ومبررا لهم للانقلاب على النظام وبتشجيع من ال ثاني.

ب-بالنسبة لزعزعة استقرار تركيا:

-ليس خافيا ان إقامة دولة كردية، هو هدف رئيسي في العقلية الغربية ويحتل المرتبة الثانية بعد ان تم زرع إسرائيل في المنطقة، ويبدو ان الوقت قد حان لتسريع الخطى لجعل هذا الهدف واقعا آخر في المنطقة، وهاهي كردستان العراق تستعد نهاية العام الجاري لإجراء تقرير المصير للانفصال عن العراق ،في حين تجير واشنطن سياستها في سوريا نحو فصل المناطق الكردية في سوريا عن دمشق على مراحل، لكن لن تكون هناك دولة كردية قوية ومؤثرة في المنطقة دون ان تنظم المناطق الكردية في جنوب وشرق تركيا اليها وهو ما بدأ العمل عليه حاليا كيف ذلك؟

-في حال تم تصنيف الاخوان كجماعة إرهابية فمعنى ذلك تحول نظام حزب العدالة والتنمية في تركيا الى حزب إرهابي ومن ثم الدفع نحو التعامل مع تركيا كدولة منبوذة خاصة ان ازمة اردوغان الأخيرة مع عدد من الدول الاوربية بسبب التعديلات الدستورية التي ادخلها على الدستور يهيئ الاوربيين للتجاوب مع ذلك ،وفي الغالب سيحاول حزب العدالة انكار او التبرؤ من الاخوان لكن ذلك سيتسبب في شق الحزب وخروج الجناح الراديكالي منه، كما سيجد صعوبة في انهاء كامل لصلاته مع رموز ذلك التيار وسيكون ذلك كافيا لربط الحزب بالإرهاب، ومن شأن ذلك فرض نوع من العزلة والحصار الاقتصادي على تركيا بدرجة يكون لها انعكاس سلبي على الوضعين الاقتصادي والامني ،وسيمثل ذلك دافعا للقوى التركية الأخرى لمحاولة الانقلاب على حكومة اردوغان وحزب العدالة ،وسيكون الاكراد هم المستفيد الأبرز من أي اضطرابات تشهدها تركيا

التعليقات

تعليقات