المشهد اليمني الأول/

يشهد عام 2017 الذكرى السنوية الخمسين لاحتلال قطاع غزة والضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية من قبل الكيان الإسرائيلي خلال عدوان 1967.

خمسون عاماً من المستوطنات غير القانونية، ومن نقاط التفتيش العسكرية، وهدم المنازل واقتلاع أكثر من مليون شجرة زيتون، خمسون عاماً من القتل من دون عقاب، ومن تهويد القدس، والسجن الجماعي واستهداف الأطفال.

وقد أكد موقع «غلوبال ريسيرش» وفقاً للوثائق التي عثر عليها في أرشيفات الكيان الإسرائيلي أنه عندما استولت قوات الاحتلال على القدس الشرقية عام 1967، كان اهتمامها الأول هو خداع المجتمع الدولي، لذا أمرت وزارة الخارجية «السفراء» الإسرائيليين بأن يصِفوا احتلالها غير الشرعي للقدس الشرقية على أنه مجرد «اندماج محلي»، ولتجنب الأعمال الدبلوماسية المناهضة لها، ادعت «إسرائيل» أنه من الضروري «تسهيل تقديم الخدمات الأساسية» للسكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

ومن المثير للاهتمام، أن القائمين على الأمر نصحوا بأن الخداع من غير المرجح أن ينجح، وكانت الولايات المتحدة قد أرادت بالفعل ألا ترتكب «إسرائيل» أي تحركات من جانب واحد، لكن في غضون أشهر قام كيان الاحتلال الإسرائيلي بطرد آلاف الفلسطينيين من البلدة القديمة وتدمير منازلهم، بينما غضّت أوروبا وواشنطن الطرف عن مثل هذه الأعمال منذ ذلك الحين.

واحد من الشعارات المفضلة التي طرحتها الحركة الصهيونية في البداية هو: «دونم بعد دونم، معزة بعد معزة» ذلك أن الاستيلاء على مساحات صغيرة من أراضٍ تقاس بالدونمات، وهدم المنازل والتدمير التدريجي للمواشي من شأنه أن يدفع الفلسطينيين ببطء إلى الخروج من معظم أراضيهم وتسهيل عملية الاستيطان، ولاسيما أن القيام بذلك بشكل مجزأ من شأنه أن يجنب «إسرائيل» تلقي الاعتراضات من الخارج.

وبعد خمسين عاماً، أصبح احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية «راسخاً»، ذلك أن «حلَّ الدولتين» ليس أكثر من مجرد حلم، ومع ذلك، فقد اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه اللحظة المشؤومة لإرسال مبعوثه، جيسون غرينبلات، لإنهاء الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. وفي رد «حسن النية» كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مخطط جديد لبناء المستوطنات، وهذا هو بالضبط أحد أشكال الخداع الذي ساعد «إسرائيل» على ترسيخ الاحتلال منذ عام 1967.

ويزعم نتنياهو أن التوسع «سيقتصر» على المستوطنات التي سبق تطويرها أو الأراضي المتاخمة أو القريبة لها، وتشير التقارير إلى أن المستوطنات تحتل بالفعل نحو 10% من أراضي الضفة الغربية، وما هو أكثر من ذلك بكثير يتم الإعلان عنه «كأراضي دولة» ويتم تسجيلها على هذا الأساس للاستيلاء عليها، حيث يعطي المخطط الاستيطاني الضوء الأخضر للمستوطنين للبناء في كل مكان.

دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني، قال ذات مرة: «ما يهم ليس ما يقوله من هم من غير اليهود بل ما يفعله اليهود».
وطوال ما يقرب من ربع قرن كانت اتفاقية «أوسلو» اتفاقية «سلام» وهمية شتت انتباه المجتمع العالمي حيث تضاعف عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية أربع مرات تقريباً، ما يجعل، حتى قيام دولة فلسطينية مقيدة إلى حد كبير، أمراً غير قابل للتحقيق، والآن يتم العمل على إعادة إحياء تلك الاستراتيجية ضمن صيغة جديدة، وبينما تركز الولايات المتحدة والأردن إضافة إلى «إسرائيل» على المهمة المميتة المتمثلة في إنشاء «إطار إقليمي» لعملية السلام، فإن «إسرائيل» تواصل من دون انقطاع الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية.

ومن المقرر أن تقيم «إسرائيل» احتفالات ضخمة خلال الأسابيع المقبلة بهذه المناسبة، وسيعقد الحدث الرئيس في «غوش عتصبون»، أكبر مستوطنة إسرائيلية جنوب الضفة الغربية المحتلة، حيث تحظى هذه الكتلة الاستيطانية بدعم واسع في «إسرائيل» لكونها تأسست منذ فترة طويلة على يد حزب العمال الذي يفترض أن يكون يسارياً ويتزعم المعارضة حالياً.

وتسعى «إسرائيل» من خلال تلك الاحتفالات إلى إيصال رسالة مفادها أن «احتلال القدس ليس أمراً مؤقتاً»، ما يشير ضمنياً إلى أن الاحتلال يتحول إلى ما هو أكثر بشاعة.

المنظمات الإنسانية غير الحكومية والمؤيدة للسلام بما فيها «باكس كريستي انترناشيونال» و«أوكسفام» انتقدت المجتمع الدولي لفقدانه فرصاً لا حصر لها لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد عام 1967، فمنذ ذلك الحين بنت «إسرائيل» ما يزيد على 230 مستوطنة وتستوعب حتى الآن حوالي 600 ألف مستوطن صهيوني وفقاً لموقع «برس.تي.في».

وقد أكدت «باكس كريستي» أنه منذ قيام الاحتلال يشهد المجتمع الدولي على انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما أشارت إلى الانتهاكات المنهجية لحقوق الانسان التى ترافق هذا الاحتلال بما يشمل العقاب الجماعي ومصادرة الممتلكات والاستخدام المفرط للقوة وانعدام القانون والقتل، وانعدام حرية التنقل والتوسع الاستيطاني المطرد من بين أمور أخرى.

ومن جانبه أدان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الاحتلال الإسرائيلي القمعي وآثاره الضارة في الحياة اليومية للفلسطينيين، معرباً عن مخاوفه من استخدام جيش الاحتلال للقوة المميتة ضد الفلسطينيين، وقدّر المكتب، في تقريره السنوي لعام 2016 الذي صدر مؤخراً، أن نحو 4.8 ملايين فلسطيني تضرروا من أفعال الاستعمار والصهيونية، وأن مليونين منهم بحاجة إلى المساعدة الإنسانية والحماية.

وقال التقرير: إن الاحتلال المطول، مع عدم وجود نهاية في الأفق، يزرع الشعور باليأس والإحباط الذي يدفع الصراع المستمر فى المنطقة، مؤكداً أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يمنع الفلسطينيين من الحصول على مقومات الحياة اليومية ويقيد حركتهم وتنقلاتهم داخل بلدهم، ويعوق تطوير أجزاء كبيرة من أراضيهم وبنائها، وكذلك يمنعهم من الوصول إلى الموارد الطبيعية وتنمية اقتصادهم إلى حد كبير.وأوضح مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في سياق تقريره أن المدنيين الفلسطينيين لايزالون يتعرضون للتهديد على حياتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية من جراء العنف الإسرائيلي.

كما أبدى التقرير انزعاجاً للاستخدام المفرط للقوة وعمليات الإعدام من جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين، فقد شهدت الأراضي المحتلة توترات منذ أن فرضت قوات الاحتلال قيوداً على دخول المصلّين الفلسطينيين إلى مجمع المسجد الأقصى في القدس الشرقية في آب 2015، وقتل أكثر من 300 فلسطيني على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية منذ تشرين الأول 2015 وسط ازدياد حدة التوترات.

وسجل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أيضاً هدم أو مصادرة 300 مبنى خلال عام 2016 تبرعت بها منظمات الإغاثة للشعب الفلسطيني، بزيادة ثلاث مرات عن عام 2015، ووفقاً للتقرير فإن آلاف الفلسطينيين أصبحوا عرضة لسياسات النقل القسري بسبب البيئة القسرية التي تنتجها السياسات والممارسات الإسرائيلية، ما يولّد ضغطاً على السكان لمغادرة مجتمعاتهم، كما أشار الى أن الحصار الإسرائيلي الطويل على قطاع غزة جعل الجيب الساحلي الفلسطيني ضعيفاً بشكل خاص.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن «إسرائيل» أنشأت نظاماً للفصل العنصري كوسيلة للتطهير الإثني المتزايد، وإذا كانت هناك محادثات للسلام، فإن إنهاء هذا العار يجب أن يكون أول أهدافها.

التعليقات

تعليقات