لا ذنبَ لهُم إلّا… من وحي #مجزرة_حي_القوبري

609

لا ذنبَ لهُم إلّا… من وحي كتب/ أسامة الجنداري

في مدينةٍ مِن أقدمِ المُدنِ على وجهِ هذهِ المعمورة ، مدينةُ “صنعاءَ المحروسة” عاصمةُ الإيمانِ والحكمة ؛ تسكنُ أُسرةُ (رشادِ المهدي) – تسعةٌ وثلاثونَ عاماً – وتعيشُ كباقي الأُسَرِ بِبساطةٍ تصحبُها قناعةٌ أثمرَتْ طمأنينةً وأمناً.

(أحمد رشاد) طفلٌ – ذو ثلاثِ سنوات – تراهُ مُتربِّعاً على عرشِ أُسرتِه كَملكٍ يأمرُ وينهي في مملكتِه كباقي الأطفالِ السعداء الذينَ لا يعرفونَ للزمنِ قياساً إلا بالسرور ، والذينَ يُلقُونَ أنفسَهُم على العالمِ المنظور فيبنونَ كُلَّ شيءٍ على أحدِ المعنيينِ الثابتينِ في نفسِ الطفل: الحُبِّ الخالص ، واللهوِ الخالص. (علياء رشاد) السهولةُ قبلَ أن تتعقَّد – اثنا عشرَ ربيعاً – فهي ترى العالم في أولِ ما ينمو الخيالُ ويتجاوزُ ويمتد ، ففي هذهِ المرحلة يشعرُ الأطفالُ بالحريّةِ التي منبعُها النشاطُ والحركةُ والحيويّةُ المُفرطة ، وفي بعضِ الأحيان تحتدمُ بينهُم المعاركُ ولكن لا تتحطَّمُ فيها إلّا اللُّعَب… أما الكبارُ فيصنعونَ السِّلاحَ الضخمَ مِن الحديد ، لِلجسمِ الليّن ِ مِن العَظم.

(جيهان رشاد) فتاةٌ – ستّةَ عشرَ عاماً – وزهرةٌ غضّةٌ طريّة تُزيِّنُ بُستانَ الحياة ، ترسمُ أحلاماً في كُلِّ ليلةٍ قبلَ المنام ، وتستيقظُ في كُلِّ صباح مُنطلقةً مُندفعةً لِتُسابقَ أحلامَها فترى الأملَ مُتمسّكاً بها يُريدُ أن يتعلمَ منها معنى الحياة ، وترى السعادةَ تستقي من فرحِها وسُرورِها لِتُرويَ معانيها فتنطلقُ لِتنشرَ نفسَها على باقي البشر. (دولة الديلمي) مدرسةٌ في الأُمومة – أربعونَ عاماً – فعندما تبلغُ المرأةُ سِنَّ الرُّشدِ وهي “أُمّ” تفيضُ حناناً ورأفةً وحكمة ، ويُصبحُ قلبُها سَكَنَاً وملاذاً لِكُلِّ مَن حولَها فتراهُم يلجأونَ إليها ويلوذونَ بِها ، وتراها تطوفُ عليهِم وتغمرُهُم بِدفءٍ وتحرسُهُم في كُلِّ وقتٍ وحين.

أُسرةٌ بسيطةٌ تعيشُ هانئةً رغمَ صلفِ العيشِ وشقاءِ الظروف. وفي ليلةٍ من ليالي شهرِ رمضان المبارك ، ليلةٌ كانَ فيها البدرُ في كبدِ السماء مُشعّاً يُمزّقُ أستارَ الظلامِ ، ويغذّي سناهُ الأرضَ كأنَّهُ يقولُ لِلساكنينَ عليها: تلكَ الشمسُ غربَتْ مِن قبلي ، وها أنا ذا جئتُ لِـ أُضيّء لكُم الدروبَ لِتسيروا فيها بِأمان.

ولكن…!! أبَتْ الشياطينُ إلّا أن تقتلَ كُلَّ جميلٍ في هذه الحياة ، فبعدَ منتصفِ تلكَ الليلة ، وفي الساعاتِ الأولى من صباحِ يومِ الجمعة – ٩ / ٦ / ٢٠١٧م – شنَّتْ طائراتُ تحالفِ العدوانِ السعودي الأمريكي غارةً على منزل “رشاد المهدي” في حي القوبري جنوبَ العاصمةِ صنعاء ، لِيتهدّمَ المنزلُ على ساكنيه ، وتخرُّ السقوفُ خشيةً من وحشيةِ تلكَ الجريمةِ التي تقشعرُّ لها الأبدانُ وتُصعقُ من وطأتِها السمٰوات. أُسرةٌ كاملةٌ لم يتبقَ منها سوى عائلِها وراعيها ، صائحاً بأعلى صوتِهِ وهوَ يُخرجُ جُثثَ زوجتِهِ وفلذاتِ أكبادهِ من بين الرُّكام ، مُتناسياً جراحَهُ التي أُصيبَ بها ، وكذا جراحَ أمِّهِ وأُختِها وأحدِ أبناءِ جيرانِه ، لا يدري أحلمٌ ما يراهُ أم حقيقة؟. هكذا ودونَ سابقِ إنذار انتهت حياةُ هذهِ الأُسرة ، لا ذنبَ لهُم إلا أنَّهُم “يمنيون”…!!

١٠ / ٦ / ٢٠١٧م

التعليقات

تعليقات