كتب: فؤاد الجنيد

في إحدى خطاباته الشهيرة، قال الرئيس الليبي، معمر القذافي، مخاطباً دولة قطر التي تبنت «الربيع العربي» الليبي، معاتباً إياها لتخليها عن الهوية العربية والدم العربي، ومشفقاً عليها لتنفيذها أجندة تمزق الأوطان العربية والإسلامية وتدفع بها إلى الهاوية: «من أنتم؟ ستندمون يوم لا ينفع الندم، ومن بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة».

اليوم، بات كل مواطن عربي ومتابع سياسي يتمتم بتلك العبارات، ويذهب بخياله بعيداً إلى ما فعله «الربيع العربي» بالأوطان، ومن كان يموله خدمة لأوامر عليا خارجية مقابل حماية العروش وديمومة السلطان.

في أزمة دبلوماسية سابقة بين الرياض والدوحة، وتحديداً في العام 2014م، اكتفت الرياض والمنامة وأبو ظبي بسحب سفرائها فقط دون الحاجة لأي أدوات أخرى بما في ذلك الخطاب الإعلامي. أما اليوم، فالأمر بدا مختلفاً كلياً وأكثر جدية وسخونة، فالثلاثي الخليجي بمعية القاهرة هذه المرة قام بإغلاق السفارات عوضاً عن سحب السفراء، وإغلاق الحدود البرية السعودية القطرية رغم كونها المنفذ البري القطري الوحيد، بالإضافة إلى إغلاق المجال الجوي السعودي والاماراتي أمام جميع رحلات الخطوط الجوية القطرية.

وقبل هذا وذاك، يُعدّ الأمر مفاجئاً دون مقدمات، وهذا يؤكد أن الحكاية مغايرة لما يسوق له إعلام الطرفين وقنواتهما الدبلوماسية، ويوحي بأن هناك أسباباً بحجم هذه الإجراءات، ومطالب كبيرة ومرتفعة السقف إذا ما أرادت الدوحة العودة إلى البيت الخليجي. تحاول دول الخليج الثلاث أن

 

تسوق للشارع الخليجي والعربي شعورها بالقلق بسبب علاقات قطر مع إيران، وكذا دعم الدوحة للجماعات الإرهابية والكيانات المتطرفة، لكن ذلك غير مقنع البتة، ولا يهضمه منطق. كيف يصدق عقل أن الرياض والمنامة وأبو ظبي ومعهم القاهرة لم يدركوا أن هناك تحالفاً استراتيجياً قطرياً إيرانياً إلا قبل أسبوع؟! ولم يكن لهم علم أبداً بأن الدوحة تدعم حركة «الإخوان المسلمين» إلا هذا الأسبوع؟!

فلو كان الأمر الأول سبباً رئيسياً – وأقصد هنا التقارب الإيراني القطري -، فجميع الدول الخليجية تعرف ذلك جيداً، بل وهي نفسها تمارس التقارب عينه وتمتن كافة العلاقات مع طهران منذ أعوام، وليس هذا بالأمر الجديد الذي يستدعي هذا الموقف الحازم والصارم وبشكل مفاجئ. ثم لماذا لم يصدر موقف مماثل تجاه سلطنة عمان، وهي من أكبر الحلفاء الإستراتيجيين لإيران وبشكل صريح وعلني، ويعلم بذلك القاصي والداني؟ وهل تناست الإمارات العربية المتحدة قيمة التبادل التجاري بمليارات الدولارات مع طهران؟ وأين كان هذا الثلاثي الخليجي يوم ابتهجت الكويت بزيارة الرئيس الإيراني لها، وكان أمير الدولة أول المستقبلين والمحتفلين؟

كل الدول السابقة أعضاء في مجلس التعاون الخليجي، وتجمعها نفس الإتفاقيات، فلماذا يبدو الأمر مختلفاً مع دولة قطر؟ من منا لا يؤمن بأن الرياض هي منبع الجماعات الإرهابية والمتطرفة؟ ومن ينكر أن هويات الإنتحاريين في أكثر من بلد عربي تحمل الجنسية السعودية، وهذا أمر مسلم به والتصريحات به رسمية عبر وسائل الإعلام السعودية والخليجية عينها؟ فلماذا باتت قطر وحدها من تُجرّم بسبب دعمها لهذه الكيانات الإرهابية؟

 

إن كل ما سبق يؤكد تأكيداً قاطعاً أن لا علاقة للأزمة الثلاثية الخليجية مع قطر بالعلاقات الإيرانية القطرية، أو بعلاقة قطر مع «الإخوان»، بل إن الأمر أبعد من ذلك بكثير. يفسره الغضب الأمريكي من الدوحة بعد مغادرة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للسعودية، حتى وصل هجوم سياسيين أمريكيين على قطر حد التهديد بنقل قاعدة العديد العسكرية من الدوحة إلى دولة خليجية أخرى، وهذه هي النافذة الحقيقية التي منها نستطيع أن نرى ضوءاً مختلفاً يهدينا لإدراك أن الخلاف الحقيقي هو خلاف مالي تنصلت فيه الدوحة من سداد حصتها من الفاتورة المالية الخليجية التي تعهدت الرياض بدفعها للرئيس الأمريكي عند زيارته للسعودية، وتجد الآن صعوبة في الضغط على الدوحة للإيفاء بالتزاماتها. وهذا مفتاح آخر أيضاً للتكهن في كيفية حل هذه الأزمة التي تبدو معقدة المآلات.

التعليقات

تعليقات