المشهد اليمني الأول/

مسارات التصعيد في التواترات التي تشهدها الأزمة الخليجية تتفوق على زخم الحراك الدبلوماسي والسياسي ودعوات التهدئة التي تجاوزت الإقليم بانظمام لاعبين دوليين من كل حدب وصوب فالأمم المتحدة والبيت الأبيض وفرنسا وألمانيا تعرض مساعيها للحل ، بينما تنتظر موسكو وزير الخارجية القطري عبدالرحمن آل ثاني السبت المقبل ، سيل المواقف أتى  بعد الصمت الذي آلت إليه الوساطة الكويتية العمانية وعودة أمير الكويت خالي الوفاض دون أي بادرة وفاق واحدة من شأنها إيقاف تصاعد الأزمة الخليجية التي يتباعد أطرافها على طرفي نقيض ، والاتجاه نحو قرع طبول الحرب .

هكذا انفرط العقد من يد المملكة والإمارات التي رغبت بتقديم قرصة قوية لدولة قطر فتحولت من أزمة خليجية يمكن احتواءها الى أزمة إقليمية ثم دولية لاحقاً ، وربما باندلاع حرب معها لن تتمكن من التحكم بها ، وهو ما يفسر حالة الاندفاع السعودية الإماراتي الغير المنطقية في إدارتها لكل ملفات المنطقة، بما فيها ملف اليمن وعمليات التحالف العسكري فيها، ما يعني افتقارها لاستراتيجية واضحة المعالم والرؤى وتنقلها بين الملفات للعب أدوار متعارضة وازدواجية، ما يعزز فرضية انحسار وتضاؤل الفرص المتبقية أمام عاصفة الحزم وبعثرت أهدافها التي عجزت عن تحقيقها منذ عامين ونصف، باعتبار أن التوترات الحاصلة في منطقة الخليج ستنعكس بالضرورة على عمليات التحالف الذي سيشهد دخول حسابات جديدة وتصنيفات بينية تطفو على السطح وتأخذ نصيبها من الجدل والتصادم وربما الاقتتال البيني في صفوفها.

تبحث السعودية عن دور كبير وتفكر في زعامة العالم العربي والإسلامي، فهي تمضي في استهلاك هذا الطموح كمبرر لهذا الصراع العبثي الذي يدفع بها إلى المقامرة، معتمدة على ثروتها في خوض مغامرات الوصول إلى ما تريد..! دون أن يعنيها القفز على إلتزاماتها السابقة والحالية، و بالتالي تحويلها إلى أعباء إضافية وجديدة ، و هي في النهاية لن تحصل على انتصارات يمكن ترجمتها إلى حقائق عملية من أي نوع، سوى الضجيج الإعلامي المكلف والباهض الثمن.

لن تكون اليمن بعيدة عن توترات الأزمة الخليجية مع قطر باعتبار أن الأولوية باتت الآن في التركيز على مآلات الأزمة الخليجية الآخذة في التصعيد بعد رفض قطر للاستسلام وانتقال الأزمة إلى دائرة التدويل بدخول تركيا وإيران بمشاركة عسكرية محتملة، ورفض أمير قطر رسمياً لعرض ترامب أمام استمرار السعودية والإمارات في مواصلة توسيع رقعة القطيعة والعداء الفج مع قطر وخنقها دون أن تدرك أنها بذلك تدفعا إلى الزاوية التي تخدم إيران وتمنحها فرصة استثمارها جيدا.

هذه الحالة من التصعيد تجبر السعودية والإمارات على ضرورة مواجهتها دبلوماسياً ودولياً وبتمويل حملاتها واستعدادتها على حساب عمليات التحالف العسكري في اليمن، وهو الأمر الذي سيحدث تغييراً كبيراً في أداء المعارك وإدارة الحرب ، كما أنه بإنهاء مشاركة قطر في عمليات التحالف وانسحاب قواتها وإيقاف تمويلها المادي، تقلصت معارك “عاصفة الحزم” وانحصرت على السعودية والإمارات، ما يفقد مستوى وقيمة المشاركة للدول الخليجية فيها ، كما أن التأثير القطري من المتوقع أن يتحول إلى تقديم دور جديد مناهض لعمليات التحالف العسكري في اليمن بفعل دخول المواجهة مراحل متقدمة من كسر العظم مع قيادة السعودية والإمارات.

قطر بحاجة الآن لتغيير قواعد اللعبة كلياً وتوسيع قاعدة تواصلها في المنطقة، وبناء تحالفات جديدة تضمن من خلالها القدرة على التأثير وتعديل ميزان القوى مع السعودية والإمارات. وهذا لن يتأتى إلا عبر انفتاح قطر على خصوم السعودية والإمارات في المنطقة، ومنها اليمن التي بات الاعتماد على فصيل الإخوان فيها أمرا لا يمكن الرهان عليه، سيما وأن الإخوان في اليمن ليس لديهم رؤية للتعاطي مع المتغيرات الجديدة، غير أنهم مضطرون لمواصلة القتال تحت سقف التحالف العربي الذي يخوض حرباً علنية ومفتوحة ضد الإخوان وعلى نطاق دولي أوسع.

الآن أمام قطر فرصة كبيرة لاستخدام قدرتها الاستخبارتية واللوجستية التي عرف عنها، واستطاعت من خلالها تكوين حضوراْ إقليمياً ودولياً، من خلال كشف الكثير من الأسرار الغامضة عن السعودية والآمارات واستخدامها كسلاح لا تستطيع أي قوة أخرى كشفها، كما ان تمكنها الإعلامي سيمنحها فرصة إبراز الصورة السوداوية عن حرب الإمارات والسعودية في اليمن، وقد بدأت الجزيرة ببث تقرير كشف حجم التعذيب والانتهاكات الانسانية وما يجري داخل السجون السرية في المناطق التي تسيطر عليها شرعية هادي وحكومة ابن دغر.

ومن المهم هنا التنوية إلى أن معسكر دولتي التحالف “السعودية والإمارات” شهد العديد من الإنقسامات على نفسه، ولازال التباين والخلاف يتفاقم على خلفيات كثيرة تتقدمها قضية الجنوب ودور “حزب الإصلاح” تيار الإخوان المسلمين  في اليمن  ومشكلة توغله في عمق الجيش والحكومة التابعة للرئيس الشرعي هادي .

التواترات التصعيدية التي شهدتها الأزمة الخليجية مع قطر قد بلغت ذروتها، ما يترتب عليها مآلات عديدة حتى وإن تم احتواءها باتفاق ، فالوئام الخليجي لن يعود بأي حال من الأحوال إلى سابق عهده، وستتجه قطر لتعزيز وتقوية حضورها في الداخل اليمني بصيغة جديدة، باعتبار اليمن أهم ملفات التأثير والاستحواذ في المنطقة و الخليج ، كما أن السعودية من جهة والإمارات من جهة ثانية ستذهب لمواصلة بناء تحالفاتها المتعارضة، ما سينعكس كلياً على ما تبقى من عاصفة الحزم، التي ربما ستعلن الدول الخليجية انسحابها ونهاية عملياتها في حالة تطور الازمة الخليجية إلى المزيد من التعقيد وحدوث انفجار أكبر يدفعها لمغادرة اليمن والدفاع عن نفسها في خطوط المواجهة الجديدة مع قطر حدوث انفجار أكبر يدفعها لمغادرة اليمن والدفاع عن نفسها في خطوط المواجهة الجديدة مع قطر.

(عبدالخالق النقيب- رأي اليوم)

التعليقات

تعليقات