المشهد اليمني الأول/

تعيش واشنطن مرحلة من تاريخها الحافل بالأزمات. بين نظامٍ يتخبط في الداخل، في ظل رئيسٍ مُهدد. وهو ما يجعل مستقبل أمريكا غامضاً، لا سيما في مرحلة يعيش الشعب حالةً من الإنسلاخ عن الواقع الذي يفرضه الحكم الأمريكي. وبين أزماتها الخارجية والداخلية، يزداد التوتر في الشارع الأمريكي حول النظرة للمسلمين. الأمر الذي فرزته لغة ترامب العنصرية. في حين يرتفع منسوب الصراع داخل أروقة الحكم، كنتيجة لإتهاماتٍ تُشكِّك بولاء الرئيس الأمريكي لمصالح الأمن القومي. وهو ما يتعارض مع بقائه رئيساً. فماذا في المظاهرات التي باتت سمة الشارع الأمريكي في عهد ترامب؟ وكيف يعيش النظام الأمريكي حالة الإرباك؟ وما هي دلالات ذلك؟

المظاهرات تجوب أمريكا: بين مؤيد للمسلمين ورافضٍ لهم

نظمت مؤسسة “آكت فور أميركا” اليمينية المتطرفة والمناهضة للإسلام، تظاهرات ضد المسلمين، والتي دعمتها أيضاً مجموعة “المؤتمر الأمريكي للحقيقة”، بعدما أخفقت ضغوطها من أجل اصدار تشريع يقضي بمنع المسلمين من دخول أمريكا. وحصلت المسيرات في نيويورك وشيكاغو وبوسطن ودنفر وسياتل إضافة إلى الكثير من المدن الأصغر، وذلك تحت شعار “مسيرة ضد الشريعة” بهدف حماية القيم الأميركية وحرية التعبير.

من جهةٍ أخرى قُوبلت المظاهرات المعادية للمسلمين، بمسيرات ضخمة مؤيدة للمسلمين، شارك فيها ممثلو الجمعيات الإسلامية والمعارضون لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفاق مجموع عدد المشاركين في المسيرات المؤيدة للمسلمين عدد المنضمين إلى المظاهرات المعادية بكثير. كما رفع المؤيدون للمسلمين في مسيراتهم، لافتات كتبت عليها عبارات مؤيدة للإسلام ومعارضة لسياسات ترامب وللعنصرية التي يتبناها. فيما جابت المسيرات منطقة مانهاتن بولاية نيويورك بالإضافة الى مدينة شيكاغو التابعة لولاية كاليفورنيا. وندَّد المشاركون بأساليب العنف والعنصرية التي يعتمدها ترامب في سياساته. في حين جابت مسيرات متناقضة مدينة بنسالفانيا، حيث طغت الأجواء المشحونة على المدينة، بين مؤيدٍ للمسلمين ومعارض.

التوتر يطرق أبواب السلطات الأمريكية!

من الشارع الأمريكي الى السلطات الرسمية الأمريكية والمنظمات المدنية، حيث تقدم مجلس العلاقات الأميركية – الإسلامية (كير)، والمعروف بأنه أكبر جماعة للدفاع عن حقوق المسلمين في الولايات المتحدة، بالطلب من المسلمين توخي الحذر من أعمال عنف محتملة. وقدَّم المجلس تقريراً حول ارتفاع الحوادث ضدد المسلمين بمعدل 57% خلال العام الماضي فيما ارتفعت بنسبة 44% جرائم الكراهية للمسلمين.

وليس بعيداً عن أجواء التوتر الأمريكي المحلي، أعلن وزير العدل الأميركي جيف سيشنز انه سيدلي بشهادته، أمام لجنة الإستخبارات في مجلس الشيوخ، والتي ستستجوبه حول لقاءاته مع مسؤولين روس خلال الحملة الإنتخابية عام 2016. واشار سيشنز في رسالة عن قراره الإدلاء بشهادته الى تصريحات المدير السابقق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، السابق جيمس كومي والذي تحدث امام اللجنة نفسها الخميس الماضي. من جهته، اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المدير السابقق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، بأنه جبان بعدما سرب للصحافة مضمون اجتماعات خاصة عقداها معا. وكتب ترامب على تويتر امس “أعتقد ان تسريبات كومي ستكون لها أهمية أكبر بكثير مما اعتقد البعض، إنها غير قانونية تماما، وتعكس جبنا كبيراً”.

الواقع الأمريكي: بين الأزمات المحلية والدولية رئيسٌ مُهدد بالعزل!

يمكن تحليل ما يجري من أزمات تواجهها أمريكا لا سيما داخلياً، كما يلي:

أولاً: جاء ترامب من خارج المنظومة السياسية التقليدية في بلاده ليواجه تحديات الواقع الأمريكي. الأمر الذي جعله حتى الآن غير موفقٍ في السياستين المحلية  والدولية. وهو ما أدخل النظام الأمريكي في نفقٍ مجهول المصير.

ثانياً: وصل ترامب إلى البيت الأبيض مُثقلاً بالإنتقادات، خصوصاً بعض أن دخلت الإتهامات بازار السباق الإنتخابي الديموقراطي الجمهوري. وهو ما يبدو واضحاً من خلال الفوضى التي تسود إدارته للبيت الأبيض. في حين يبقى ملف تواطئه مع روسيا، ومطالبة أصوات أمريكية بعزله، أحد أكثر الأمور التي قد تُساهم فيي إحداث مفاجآت جديدة مقبلة على الساحة السياسية الأمريكية المحلية.

ثالثاً: استلم ترامب إرثاً ثقيلاً من الأزمات لا سيما المعيشية، حيث بدأت حياته السياسية، بمحاولته حل الأزمة المالية التي يعيشها الشعب الأمريكي. لتواجهه تحديات تمرُّد الشعب الأمريكي على عدم اكتراث النخب بالشرائح الواسعة من المجتمع الأمريكي والتي تعيش على الهامش. الأمر الذي أفقد المؤسسات الديمقراطيةة والليبرالية الأمريكية ثقة المواطن دون وجود أي حلول مطروحة.

رابعاً: لا يمتلك ترامب منطق الجذب الشعبي. بل إن عنصريته الفاضحة، وعنجهيته التي تُميِّز أسلوبه السياسي، أفقدته القدرة على التمتع بالمواصفات التي يجب أن يكون عليها الرئيس. وهو ما يجعله أمام تحدي الشعبية، حيث يفتقر للقدرة على احتواء غضب المواطنين الذين باتوا يرون في رئيسهم خطراً يُهدد الأمن الإجتماعيي لأمريكا، وليس فقط السياسي.

إذن، يتخبط النظام الأمريكي بين السلطة والشعب، في فجوةٍ تزداد يوماً بعد يوم. فالرئيس الأمريكي المُثير للجدل، ليس مقبولاً من شعبه كما يبدو. كونه لا ينتمي لهموم الشعب وأزماته، على قدر انتمائه لطبقة رجال الأعمال التي باتت مرفوضة من الشعب الأمريكي. وبين الأزمات والتحديات المحلية والدولية التي تعيشها واشنطن، تسير أمريكا نحو مستقبلٍ غامض، في ظل رئيسٍ خاضعٍ للتحقيق في مدى ارتباطه بملف التعامل مع روسيا عدو أمريكا الأول. وهو الأمر الذي يُهدد رأس النظام الأمريكي بالعزل!

المصدر:  الوقت

التعليقات

تعليقات