كتب: أحمد عايض أحمد

ليس الحديث عن الشهادة في سبيل الله أو الشهيد في سبيل الحق بالأمر الهيّن ، فالمسألة كبيره وعظيمه وهنا لا تتعلق بحديثٍ عن حدثاً بسيط يمكن التعبير عنه بجمل منمقة وعبارات مزخرفة، بل إن الأمر يستلزم نوعاً من المشاركة الانسانيه والاخلاقيه و الروحية كيما يتم التواصل مع عظمة الموقف والانصهار في بوتقته القدسية.

وإذا كان هذا هو حال الحديث الجليل عن الشهادة والشهيد بالمطلق، فكيف يكون الأمر إذا ما كان الحديث عن شهادة أمير المؤمنين وسيد المتقين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)…..

لقد ارتقى أمير المؤمنين الامام الوصي الشهيد عليّاً (سلام الله عليه) شهيداً بالكوفة على يد اشقى الاولين والاخرين . أشرّ خلق الله اللعين الملعون المخلّد في النار عبد الرحمن بن ملجم لعنة الله عليه وهو من المارقين وذلك في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وكان للامام علي عليه السلام من العمر يومئذ ثلاث وستون سنة قضاها في سبيل الله ومن أجل إحلال العدل وإقامة حكم الله في الأرض.

مدينة علم رسول الله الامام عليّاً هذا عليه السلام ، هو ابن عم الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفته وزوج ابنته فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين الشهيدين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أول من آمن برسالة النبي ودعوته، وأول من صلى معه، كما أنه لم يسجد قط للأصنام، وهو الذي افتدى الرسول الاعظم بروحه إذ بات على فراشه يوم تآمرت القبائل وتألبت لقتله.

ولقد قال فيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (( علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار )).

وقال أيضاً: (( يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انه لا نبي من بعدي )) .

هذه المزايا الفريدة التي تُعدُّ غيضاً من فيض الخصائص المتميزة لهذا الإمام تكشف بعض جوانب شخصيته الفذة وبلوغه قمة الكمال الإنساني، حيث أمر الله رسوله أن يوصي به خليفة على المسلمين من بعده: ( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ) ، وهو ما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أثناء حجة الوداع في منطقة تدعى غدير خم ، حيث جمع المسلمين وخطب فيهم ، ونادى علياً وأوقفه إلى جانبه ورفع له يده , وقال : (( ألست أولى بكم من أنفسكم )) ، قالوا: بلى يا رسول الله ، فقال: (( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللَّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيثما دار )) .

على أن ما نريد التعرض إليه هنا هو حادثة استشهاده المفجعة وما أظهره أثناءها سيد الأوصياء (عليه السلام) من أمثولات ودروس تثير الإعجاب والإكبار.

ففي سكون الليل وهجعة الناس كان علي يقوم في جوف الليالي الحالكات يتعبد ويناجي ربه في بيت الله ، فيتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول:
(( إلهي إنك كما أحب فاجعلني كما تحب يا رب العالمين )).
يغشى عليه المرة تلو المرة من خشية الله وتجليات عظمته.

سار أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى دخل المسجد، والقناديل قد خمد ضوؤها، فصلى في المسجد وحده , وكان في المسجد ثلاثة رجال أحدهم اللعين ابن ملجم قاتل الإمام أما الآخران فهما شبيب بن بحيرة ووردان بن مجالد ، فلما أذّن (عليه السلام) ونزل من المئذنة جعل يسبح الله ويقدسه ويكبره واتجه إلى محرابه وقام يصلي فتحرك إذ ذاك ابن ملجم وقف بإزاء الاسطوانة التي كان الإمام (عليه السلام) يصلي عليها، فأمهله حتى صلى الركعة الأولى وركع وسجد السجدة الأولى منها ورفع رأسه ، فعند ذلك أخذ السيف، ثم ضربه على رأسه الشريف ، فوقع الإمام (عليه السلام) على وجهه ولم يتأوه بل قال: (( بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ))، ثم صاح وقال: (( قتلني ابن ملجم ، قتلني ابن اليهودية فزت ورب الكعبة ، فزت ورب الكعبة )) .

وأحاط الناس بأمير المؤمنين (عليه السلام) في محرابه وهو يشدّ الضربة ويأخذ التراب ويضعه عليها.
ثم تلا قوله تعالى: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) طه / 55.

لم تكن مؤامرة قتل الإمام صلوات الله وسلامه عليه مقتصرة على المارقين فحسب بل أن بني أمية كان لهم الأثر الفاعل في التخطيط والتمويل والتأسيس لهذه الحادثة الرزية التي أصيب بها الإسلام واستفاد منها أهل النفاق والكفر، وعلى هذه المشاركة الأموية في قتل الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه توجد شواهد عديدة منها:
أولا: إن أبا الأسود الدؤلي صاحب أمير المؤمنين ألقى تبعة مقتل الإمام على بني أمية، وذلك في مقطوعته التي رثى بها الإمام والتي جاء فيها:
ألا أبلغ معاويـة بـن حـرب
فلا قرت عيون الشامتـينا
أفي شهر الصلاة فجعـتمونا
بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا
ورحلها ومن ركب السـفينا
ومعنى هذه الأبيات أن معاوية هو الذي فجع المسلمين بقتل الإمام الذي هو خير الناس، فهو مسؤول عن إراقة دمه، ومن الطبيعي أن ابا الأسود لم ينسب هذه الجريمة لمعاوية إلا بعد التأكد منها، فقد كان الرجل متحرجا أشد التحرج فيما يقول…هكذا ارتكب مجرمي عصرهم ” بني اميه” الجريمه الكبرى في حق الامام الشهيد عليه السلام وفي حق الامّه الاسلاميه المشبّعه قلوب رجالها ونسائها بحب عليّا صلوات الله عليه وسلامه….

فسلام الله على سيد الاوصياء والمتقين الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ولعنة الله على ابن ملجم وبني اميه الى يوم الدين….

التعليقات

تعليقات