المشهد اليمني الأول/

نعم ، هو مشهد فريد دون شك ، فريد في مقدماته وتفاعلاته ومتغيراته ونتائجه ، ذلك أنه ليس مكررا، لا في مكانه ولا في زمانه، ولا قياس عليه، لا عربيا ولا إقليميا، فهو سابق وليس مسبوقا، وإذا كان يشكل ظاهرة مصبوغة بلون عربي، كنمط مستحدث لحروب عربية عربية ، ببطانة طائفية، وباسم شرعية مستنفدة، فقد أطاحت نتائجه بقاعدة أريد لها أن تكون مقياسا لمشروعية استخدام القوة المسلحة في محيط عربي مضطرب ، تتحرك تناقضاته واختلال موازين القوى فيه ، بالحديد والنار، لتفرض موازين قوى جديدة ، تتصادم مع المُركّب الحضاري التاريخي له، وتفتح الأفق واسعا أمام جيوش من الفتن والاحتراب والانقسام، وكما أطاحت نتائجه بمحاولة تخليق مشروعية زائفة لنمط جديد من الحروب، فقد أطاحت – أيضا – بمحاولة تخليق قيادة للأزمة تفرض سطوتها استنادا إلى مبدأ القوة، سواء أكانت قوة المال، أو قوة السلاح، فالشاهد أنه لا قوة المال نجحت في شراء ما كان يلزم شراؤه للتعبئة، والحشد والحسم فوق الأرض، ولا قوة السلاح نجحت في تحقيق ما كان يتحتم تحقيقه من نصر استراتيجي حاسم.

لماذا ؟! لأن حسابات استخدام القوة في هذه البيئة الخاصة تتوقف على عوامل معقدة ، لا تقاس بمعادلات موازين القوى التقليدية ، على قاعدة حاصل ضرب الكمية أي القوات في النوعية ، وهي عوامل قد يكون في مقدمتها ، سياق استخدام القوة ، سواء بمعنى الشرعية السياسية أو القانونية أو الأخلاقية ، أو سواء بمعنى تجانس الفعل العسكري مع خصوصية البيئة ، أو عمق الذاكرة العسكرية ، والثقافة الاستراتيجية ، وخبرة القتال وقدرتها على الاستجابة للشروط العسكرية الميدانية المتغيرة ، أو توفر إمكانية ترجمة الانتصارات الجزئية والتكتيكية ، إلى انتصار استراتيجي حاسم ، وهو أمر يدخل في صلب تكوين العقيدة القتالية .

وفي كل الأحوال فإن حرب بلد عربي على بلد عربي ، أيا كانت المبررات والأسانيد ، لا تعني إلا أمرا واحدا ، هو دفع مدد جديد من النار ، لإشعال ما تبقى من جلد العروبة ، وإحراق ما تبقى من الهيكل العظمي للقومية العربية ، وهو أمر في حد ذاته ، لا يمنح مثل هذه السابقة أن تكون سبقا قابلا للتكرار ، وإنما أن تظل نموذجا تشريحيا لأخطاء فادحة في الرؤية ، وفي تقدير الموقف العسكري والاستراتيجي ، وفي حسابات الاحتمالات .

هذا حديث لا يدخل في باب الأيديولوجيا أو العقيدة أو المذهب ، بل هو لا يدخل من باب السياسة ، فقد غدت المعادلة مقلوبة بين الحرب والسياسة ، فبعد أن كانت الحرب امتدادا للسياسة بوسائل أخرى ، أصبحت السياسة امتدادا للحرب وأعمال العنف والإرهاب ، بوسائل أخرى.

غاية القصد هنا ، هو استخلاص الدروس التي تدخل في النطاق العسكري والاستراتيجي ، من خلال مراجعة الوقائع الميدانية ، كما تمت فوق الأرض وفي البحر وفي الفضاء ، في معركة ظلت ذات وجهين ، هجومي خالص لطرف من أطرافها ، ودفاعي خالص من الطرف الآخر لمدة خمسين يوما ، قبل أن تأخذ مسار الهجوم والدفاع لكل من طرفيها في آن واحد لمدة تجاوزت خمسة وعشرين يوما أخرى .

أولا :
غاية الحرب – أي حرب – هي تحقيق هدف استراتيجي محدد ، ولذلك فإن السؤال الذي يسبق أعمال القتال دوما ، ما هو الهدف الاستراتيجي لها ، وهو أمر يتكفل بتحديده ، اتوجيه أو البيان الاستراتيجي للحرب، الذي تتم ترجمته إلى خطط وأهداف وأدوات ووسائط ، لكننا في الحقيقة أمام حرب لم يكن باديا أنها تمسك بهدف استراتيجي واضح ومحدد، بل كانت أغلب أهدافها المعلنة غائمة، ومتغيرة ، بل وغير متجانسة ، ولا أريد أن أقول كما قالت ( هيفنجتون بوست ) الأمريكية أنها ” بنيت على كذبة كبيرة “، وحتى إذا استخلصنا هذا الهدف الاستراتيجي غير المعلن من الشعار الرسمي لهذه الحرب ( عاصفة الحزم ) فالثابت أن العاصفة قد تحققت ، فقد أمطرت كثفا ثقيلة من النيران، واستخدمت قنابل وصواريخ لم يسبق لها الحضور في أي مسرح عمليات من قبل ، وكررت قصف بنك أهدافها عشرات المرات، وأنتجت بركا من الدماء ، وتلالا من الضحايا ، لكن الشق الثاني وهو ( الحزم ) لم يقدّر له أن يتحقق بأي درجة من الدرجات ، وبأي صورة من الصور ، فنحن أمام عاصفة عاتية لم تحقق حزما ، وأمام حزم ظل غائبا ، بل وأصبح العثور عليه يشكل ضربا من المستحيلات .

ثانيا :
إن ضبابية الهدف الاستراتيجي للحرب ، لم تخف شروطا كانت بادية في صلب مقدماته ، وهي شروط ربما كان حضورها أقرب إلى إعادة صياغة ذات الشروط التي بدت في صلب مقدمات الفتح الاستراتيجي لضرب العراق ، بأن تكون في إطار تحالف معلن واسع ، وأن تحظى إضافة إلى ذلك ، بعنوان عربي فضفاض ولو كانت المشاركة جزئية أحيانا ، ورمزية أحيانا ، بل وغائبة في بعض الأحيان ، وأن يكون السقف الزمني للحرب قصيرا إلى أقصى الحدود ، وقد كان التقدير الذي نقل إلى عواصم غربية وعربية ، أن أيامها لن تتجاوز عدد أصابع اليدين ، وأن تنتهي بنصر استراتيجي حاسم ، أو بحسم عسكري قاطع ، ثم أن تظل معزولة في مسرح عملياتها المختار ، دون أن تطول نتائجها السلبية أو خسائرها ، من امتدت أيديهم لإشعالها .

ثالثا :
إن تعويل عدم القدرة على الحسم ، على أساس أن القصف من الفضاء مهما كانت كثافة وزنة قنابله ، وطاقة صواريخه ، من المعروف أنه لا يحقق حسما ، ولا يطول مهما طال سقفه الزمني ، سوى تدمير 20% من القدرات والقوات العسكرية للخصم ، هو تعويل ليس صحيحا في هذه الحالة ، لأن سيناريو الحرب كان يمضي فعليا في اتجاهين واضحين : قصف مكثف من الفضاء ، وكتائب من الموالين والإرهابيين ، تسعى بكل قوة وطاقة ، لبناء قواعد ارتكازها على الأرض ، ثم توسيعها باستمرار ، ولقد جرى ذلك في مواقع عدة بالجنوب والوسط بل والشمال ، كما حدث في حضرموت ، والمكلا ، والحديدة ، وتعز ، الخ .. ، إضافة إلى وجود قواعد سابقة التجهيز للقاعدة ، كما كان الحال في مأرب مثلا .

رابعا :
كانت موازين القوى الشكلية خادعة ومخادعة ، فإذا كان قصارى ما يملكه الجيش اليمني على صعيد الدفاع الجوي ، هو مضادات أرضية قديمة لا يتجاوز المدى المؤثر لأكثرها تطورا مع محدوديته، مسافة مائلة تقدر بخمسة كيلومترات ، الأمر الذي يعني أن طائرات F-15 بطاقة أدواتها التكنولوجية العالية، ستلعب في سماء مفتوحة بغير رادع، وإذا كان بنك الأهداف المسبق التجهيز يتضمن كافة المواقع الحيوية، ومراكز الدفاع الجوي، ومخازن الأسلحة، ومعسكرات وتجمعات القوات ، والمحاور والجسور والطرق الرئيسية والفرعية، فمعنى ذلك أن سيادة جوية مطلقة يمكنها أن تلحق دمارا شاملا بكل ما سبق، ويمكنها خلال أيام معدودة ، من كسر إرادة القوى المكشوفة فوق الأرض، وأن تفرض عليها استسلاما كاملا غير مشروط، وإذا أضيف إلى ذلك توفير قواعد لشن هجمات مضادة ، والسعي إلى توسيعها باطراد ، بينما يوفر الطيران حماية جوية لها ، ويقوم بتغذيتها بالأسلحة والعتاد باستمرار ، فإن التفاعل بين السيادة الجوية المطلقة ، وقواعد الهجوم النشط ، من شأنه أن يحدث خنقا استراتيجيا ، لقوى الجيش والحوثيين ولجان المقاومة ، وذلك كله متزامنا مع فرض حصار شامل برا وبحرا وجوا ، لا يحول فقط دون وصول أية إمدادات بالسلاح أو الذخائر ، ولكنه يحول فوق ذلك دون وصول أية إمدادات تخص مفردات الحياة اليومية ، من الوقود والقمح مرورا بالدواء ، مع تحويل المناخ داخل اليمن كله إلى حالة أشبه بما قبل الثورة الصناعية ، بضرب محطات الكهرباء والوقود والمياه ، وشبكات المواصلات ، ومنصات الإذاعة والتليفزيون ، وذلك كله تحت ضغط معنوي هائل ، تكفلت وسائل الإعلام المختلفة، التي سعت إلى أن تضخ في قلوب اليمنيين ، ما هو أكثر ثقلا وتأثيرا من جبال اللهب ، التي تكفلت الطائرات بإلقائها فوق رؤوسهم .

 

خامساً :
بعد إستهلاك الوقت المفترض ، لتحقيق نصر استراتيجى حاسم بدا واضحاً أن الثمرة عصّية على القطاف، وهكذا بعد أن تجاوز الوقت ضعف ما هو مقدّر ومحسوب ، لم يكن ثمة بديل عن اللجوء الى التصعيد الرأسيّ ، فلم يكن التصعيد الأفقىّ ، قد أثمر نتائج تتميز بالثبات ، وهكذا – أيضاً – جرى تكثيف الغارات الجوية باستخدام قنابل وصواريخ ذات طاقة تدميرية هائلة ، ينصرف جانب من طاقتها إلى توليد صدمات رعب وفزع ، تطول جموع المدنيين ، خاصة وأن بنك الأهداف الذى تكرر قصفه ، وقد أضيف اليه أهداف مستجدة لم تكن على قوائمه مسبقاً .

وفيما يبدو فإن منتوج هذا التصعيد الرأسى ، قد أدى إلى نقيض تقدير الموقف الذى أنبنى ، إذا كان التقدير غالباً ، أن تحويل الضربات الجوية إلى نمط أقرب إلى الضرب المساحىّ ، سوف يؤدى إلى أن يتحول من تطولهم الضربات من المدنيين إلى موقف مناهض لأولئك الذين يصرّون على المواجهة والقتال على الأرض ، وأنه مع نتائج الحصار ، وشحة الخبز والوقود والدواء ، سينتهى إلى تحميلهم عمليات القتل العشوائى والدمار الهائل الذى تصنعه أيدى سواهم ، مما سيخلق موجة شعبيّة عامة ضاغطة ، تفرض منطق الإستسلام غير المشروط ، وتؤدى إلى تفكيك نواة الصلابة الداخلية البادية .

واذا كان هذا هو تقدير الموقف الذى دفع فى اتجاه التصعيد الرأسى على هذا النحو ، فإنه ينم عن معرفة غير ناضجة بالخصوصية الوطنية اليمنية ، وبالتاريخ الحضارى والعسكرى لهذا الشعب ، إذا كانت النتيجة واضحة فى صورة منظورة متحركة أخذت تتسع مع مزيد من التماسك الشعبى والتوحد الوطنى ، خاصة فى جوانب مجتمع يحتل فيه ( القصاص ) و ( الثأر ) مكانة رفيعة فى ثقافته العامة.

سادسا:
يبدو أن المشهد الظاهر فى الحرب على اليمن بعد خمسة وسبعين يوماً ، فى ضوء موازين القوى العسكرية المتعارف عليها يمثل جنوحاً يكاد يقترب من وصف ( المعجزة ) – مع أننى لا أتعاطف شخصياً مع هذا الوصف – إذ أن النجاح فى أن تحقق المعركة الدفاعية غايتها فى إحباط العمل العسكرى الهجومى ، يتطلب ألا تتجاوز موازين القوى بين بنية المعركة الدفاعية والهجومية: 1 إلى 3 فى أقصى الحدود .

لكن الشاهد هنا أن الفجوة فى إطار موازين القوى التقليدية بين بنْية المعركة الدفاعية والهجومية تتجاوز عشرات المرات ، فكيف لبنية الدفاع أن تدير معركتها الدفاعية فى ظل هذا الخلل البالغ فى موازين القوى ، وأن تتحول بعد خمسين يوماً لإدارة معركة هجومية فى الوقت ذاته .وإذا لم يعترف الغرب بأن الفجوة فى موازين القوى فى حرب السويس عام 1956 تنطق بدورها بمعجزة فإن لدى الغرب فى تراثه ما يعترف به قياسا على ذلك وما يطلق عليه بنفسه وصف المعجزة ، أو ما يطلق عليه نصا معجزة ( ال براندنيورج) ، عندما تعرضت ألمانيا لحملة عسكرية قوامها جيوش ضارية لثلاث دول هى فرنسا والنمسا وروسيا ، فقد كان الخلل فى موازين القوى على جانبى المعركة يشكل فجوة تتسع لخمسين ضعفاً ( 50:1) ، ولكن الملك فريدرك الثانى الذى أمر بأن تنقش على مدافع جيوشه العبارة التالية { الحجّة الأخيرة للملوك } لم يكن حكيماً ألمانياً فقط وإنما كان قائداً عسكرياً من طراز فريد ، ولهذا رفض مبدأ الإستسلام غير المشروط ، وأدار رغم أشباح اليأس المتربصة ،معركة دفاعية صلبة ، كان وقودها المتجدد ترميم موقفه الدفاعي باستمرار ، لقد طال سقف الحرب ، ولكن قبيل انكسار الدفاعات الألمانية ، حدثت المعجزة التى أطلق عليها تاريخياً ” معجزة أل براند نيورج ” ، فقد ماتت ( اليزابيث ) امبراطورة روسيا وحل محلها وريثها ( بيتر ) الذى سعى بنفسه الى فريدرك الثانى ووقع معه معاهدة سلام ، غير أن المقاومة الصلبة لفرديدرك الثانى فى قلب معركة مختلّفة الموزاين والقوى على النحو السابق ، لم تمنع ( نابليون بونابرت ) من أى يطلق بعد ذلك مقولته التى بدت جسدا صوفيا فى رداء عسكري ” إن الله يساعد الجيوش الكبيرة ” .

لقد قلت أننى لست من أنصار استخدام تعبير المعجزة فى وصف مثل هذه الحالة التى قد تبدو استثنائية ، لأن ذلك يعنى أن هناك شيئا يستعصى على الرؤية ، ويستعصى بدوره على التفسير ، ولابد وأن هذه الخصوصية التى أطلت بقوة وثبات عبر جبال اليمن وشعابه ووديانه فى ظل موازين قوى عسكرية بالغة الاختلال ، قابلة للرؤية ، كما هى قابلة للبحث عن تفسير ، واذا كان الوصول الى تفسير كامل لها ، يحتاج الى ما هو أقرب الى الرؤية من بعيد ، فإن الاقتراب غير المباشر من ملامحها العامة ، قد يكون فى نطاق ما هو ممكن ومتاح :

أولا : إذا وصّفنا الطبيعة الطبوغرافية الخاصة باليمن أو خصوصية تضاريسه ، فإن اليمن كله من أوله الى آخره ، لا يشتمل الا على سهلين ساحليين قاحلين ، إحداهما ضيق للغاية يطل على بحر العرب وخليج عدن ، وثانيهما لا يزيد عرضه عن 70كم ويطل على البحر الاحمر ، أما الهيكل كله فهو جبال بركانية عالية ، تشرئب غرباً على ساحل البحر الاحمر ، وتنحدر شرقا نحو صحراء الربع الخالى ، بينما تتخللها الأودية ضيقاً واتساعاً ، وهو أمر قد يجعل من الطبيعى استعادة ذلك الدرس الذى صاغه ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ، عندما كان مراسلا حربيا فى الحملة البريطانية التى تجرعت هزيمة ثقيلة فى أفغانستان ، آواخر القرن التاسع عشر ، وقد كان منطوق الدرس كما صاغه نصّا : ” لا تحارب الجبال والاسلام معاً ” وهو درس لم يقرأه الأمريكيون فى أفغانستان ولم يقرأه غيرهم .

ثانيا : لابد من التأكيد على أن ” خبرة القتال ” هى أرقى أشكال المعرفة النظرية فى الحروب ، وأنها قد شكلت عنصراً هاماً من عناصر هذه الخصوصية فى المسرح اليمنى ، وليس مرد ذلك أن أنصار الله قد خاضوا خلال سنوات قريبة ماضية ستة حروب دامية ، جرت سادستها على الجبهة الشمالية وداخل الجنوب السعودى بعمق عدة كيلومترات ، ولكن مردّ ذلك فى الحقيقة إلى أن هذه الخبرة العملية ، قد وجدت من يستخلص أهم دروسها ، وأن يثبتّها فى الذاكرة العسكرية ، ويستعيدها ويطورها فى حرب مفروضة جديدة ، ولقد كان واحداً من أهم الدروس التى وضعت موضع التطبيق العملى ، هو أنه فى ظل سيادة جوية مطلقة فإن التمدد الأقصى للقوات فى شكل مجموعات منفصلة قليلة العدد ، مع الانتشار الواسع والسريع والسعى فى كسب أرض جديدة ، والدخول فى اشتباكات متلاحمة مع قوات الخصم ، من شأنه أن يقلل من فاعلية القصف من الفضاء إلى الحدود الدنيا ، وبالتالى فأنه يشكل فى حد ذاته حماية طبيعية للقوات والمعدات والأسلحة معاً ، ويمنحها فرصة إضافية للاستفادة القصوى من الطبيعة الخاصة للبيئة التى تجرى فيها أعمال القتال .

ثالثا: لابد من التأكيد على أن الحسابات التقليدية لموازين القوى قد أضيف اليها ، إضافة الى العناصر السابق ذكرها كسياق استخدام القوة ، والاستجابة للشروط العسكرية الميدانية .. الخ عنصراً بالغ الأهمية والتأثير ، وهو القدرة الخاصة لكل طرف على امتصاص الخسائر مع الاستمرار فى القتال .

لقد كانت المعادلة القديمة لموازين القوى بين طرفين ( أ ) و ( ب ) على النحو التالى : 
ميزان القوى بين (أ) و (ب) = 
كمية ( أ ) × نوعية ( أ ) 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
 كمية ( ب) × نوعية (ب)

أما المعادلة المستجدة التى برهنت على صحتها أكثر من حرب ومن مواجهة ، فى ظل موازين قوى مختلة فهى كالتالى :

ميزان القوى بين (أ) و (ب) =

كمية ( أ ) × نوعية ( أ ) 
ـــــــــــــــــــــــ 
كمية ( ب) × نوعية (ب) 
(x) 
قدرة (ب) على أمتصاص الخسائر 
ـــــــــــــــــــــــ 
 قدرة(أ) على أمتصاص الخسائر

ولو تصورنا – مثلا – عند تطبيق المعادلة الأولى أن نوعية ( أ ) = 10 بينما نوعية ( ب ) = 2 مع ثبات الكمية على الجانبين ، لكانت النسبة فى موازين القوى بين الاقوى ( أ ) والاضعف ( ب ) هى 5 : 1 أما اذا طبقنا الثانية ، وكانت نسبة الأقوى ( أ ) فى امتصاص الخسائر = 1 بينما كانت نسبة الاضعف ( ب ) فى امتصاص الخسائر = 10 فإن الناتج سيعنى أن نسبة موازين القوى قد إنقلبت الى 2:1 لصالح الأضعف .

رابعا : لابد من التأكيد على أن العنصر الأكبر والأقوى والأكثر فاعلية فى تقدير نتائج المواجهات بالقوة المسلحة ، بل وفى تحديد مصائر الشعوب والأمم قبل الجيوش ، هو التمسك بـ ” إرادة القتال ” ، إنها التميمة السحرية التى تبقى الرؤوس مرفوعة ، والرايات خفاقة ، والبنادق مشرعة ـ بل أنها الجسر الواسع الذى يفصل بين التماسك والانهيار ، والصعود والهبوط ، والنجاح والفشل والنصر والهزيمة .

خامسا : لا فواصل بين المعركة الدفاعية والمعركة الهجومية ، أو قل أنها فواصل وهمية ، فليست هناك معركة هجومية ناجحة وقابلة لتحقيق أهدافها ، دون أن ترتكز على أوضاع دفاعية صلبة فوق الأرض ، ولذلك فإن إدارة هجوم قوى فى ظل دفاع لا يتميز بالصلابة والتماسك ، هو من قبيل المغامرة غير المحسوبة ، فإذا استطاع الخصم استيعاب الهجوم والتكيفّ معه ، والتحول من المعركة الدفاعية البحته الى المزج بين الدفاع والهجوم ، ولو فى صور اختراقات فى العمق بأسلوب حرب العصابات ، مستهدفا الوحدات الصغرى والتجمعات ومراكز القيادة ، فإن ذلك من شأنه أن يضرب قواعد المعركة الهجومية للخصم فى القلب ، ليس بمعنى اجهاض نتائجها فحسب ، وإنما بمعنى ارتداد نتائجها الى الجانب الأخر.

سادسا: لا يمكن فصل المعركة دفاعية أو هجومية أو جامعة ، عن شرفة القيادة العالية التى تديرها ، وفى الحرب بالدرجة الاولى فان قيادة المعركة تلعب دورا مؤثرا للغاية فى مجرى الحرب.

لقد صمم علماء الاستراتيجية الفرنسيون نموذجا لدور القائد فى التأثير فى مراحل المعركة ونتائجها اعتمادا على دور نابليون بونابرت فى المعارك التى خاضتها قواته تحت قيادته ، فى اطار فرضية تحقق هذه المعارك بذاتها تحت قيادة عسكرية آخرى ، وانتهت نتائج المقاربة الى ان وجود نابيلون على رأس قواته فى كل معركة من هذه المعارك ، كان يعادل اضافة 40 الف مقاتل محترف الى هذه القوات ، وبالنظر الى حجم الجيوش فى تلك المرحلة ، فان ذلك يعنى أن دور القائد فى المعركة ، وفقا لهذا النموذج يعادل ما بين 30% الى 40% من قوة الجيش لكنها قد تحسب بالجمع او تحسب بالطرح .

سابعا : عندما تبدأ المعركة الهجومية فان التأثير فى مجراها فى المرحلة الاولى يبقى معلقاً بالدرجة الاولى بادراة المعركة الدفاعية اى بالقدرة على ترميم اوضاع الدفاع والقدرة على امتصاص الخسائر ، الى غير ذلك من العوامل المؤثرة فى نتيجة الحرب ، لكن عاملا مؤثرا آخر ينمو طبيعياً نتيجة النجاح فى اطالة أمد الحرب ، وهو فتح الباب امام تأثير العوامل الخارجية فيها ، بقدر أكبر من الفاعلية .

وربما أكبر من العوامل المادية المباشؤة فى الميدان ، فإطالة السقف الزمنى للحرب الدفاعية من شأنه تفعيل هذه العوامل الخارجية بمرور الوقت ، على غرار الرأى العام المحلى والاقليمى والدولى ، إضافة الى أن إطالة هذا السقف دون السماح للخصم بجنى ثمار الحرب ، يؤدى الى تأثير متعاظم بالسلب فى روحه المعنوية .

يبقى بعد ذلك كله ، بل وقبل ذلك كله أن المنتوج النهائى لأعمال القتال ، ليس نتيجة عامل واحد من هذه العوامل وانما نتيجة تفاعلها فى دائرة مفتوحة تغذيها عوامل متعددة ، ويبقى بعد ذلك كله ، وربما قبل ذلك كله ، فاعلية وتأثير المضمون الأعمق لتلك المقولة الخالدة ” لأفلاطون ” ” إن الحكمة السياسية هى أم ” الحكمة العسكرية ” فعندما تغيب الحكمة السياسية تغيب الحكمة العسكرية ، ولا تكون فاعلية القوة العسكرية بالتالى – متناسبة مع وزنها ، ولا معبرة عن درجة الاختلال فى موازين القوى ، ولذلك فإنها لا تنتج تأثيرا عسكريا معادلا لها ، ولا تنتج وهو الاهم تأثيرا استراتيجياً معادلا لتأثيرها العسكرى ، بل أن منتوجها لا يلبث أن يحول الطموح الى جنون ، والصعود الى هبوط ، والاصرار الى انكسار . !

* الكاتب والمحلل الاستراتيجي المصري: أحمد عز الدين

التعليقات

تعليقات