كتب: جمال عامر

تتسارع المتغيرات في المنطقة العربية، وبالذات في دول الخليج العربية، مؤذنة بظهور سياسات وتوجهات جديدة واضحة، وحدية لا مكان فيها لمنطقة رمادية أو القبول بنصف ولاء .

وكما كان متوقعاً، وصل محمد بن سلمان إلى ولاية العهد على حساب ابن عمه محمد بن نايف، الذي كان أول من بايعه، في مشهد جثى فيه الخلَف تحت أقدام السلَف، مقبلاً ركبتيه في مراضاة معلنة أرادها أن تكون ثمناً لملك تم انتزاعه تعسفاً ودون وجه حق.

محمد بن سلمان، صار اليوم هو الملك الفعلي الأصغر في تاريخ المملكة، لبلد تختزن في جوفها بحر من النفط وتضم أكثر الأماكن قدسية وأهمها. إلا أنه وبالمقابل، فإن عليه أن يواجه قضايا جسام على مستوى الداخل والخارج سيمثل الخوض فيها بمثابة السير على حقول مليئة بالألغام .

وإذا كان قد استهل حكمه برشوة شعبه بإعادة كافة مستحقات الموظفين من بدلات وحوافز، كان قد تم حسمها أثناء فورة الإصلاحات التي انتهجها عقب توليته نيابة ولي العهد، وأيضاً تمديد إجازة العيد لأسبوعين بما يمثله أيضاً من اللعب على عامل الوقت لتهدئة الغاضبين من القرارات الجديدة، فإن معارك ولي العهد لازالت مفتوحة مع الدول المحيطة بحكمه، كما هو حاصل مع قطر، التي يبدو أن أميرها قرر المضي بتحدي المملكة وحلفائها من خلال رفضه المسبق للطلبات التي تم تقديمها كأساس لعودة العلاقات كما كانت.

كما أن الحرب المفتوحة في اليمن لازالت هي المعضلة والهم الأكبر لمن أصبح بمثابة الحاكم الفعلي، حيث تعد هي التحدي الأكثر خطورة على مستقبل بن سلمان، لما تمثله من استنزاف مروع لاقتصاد بلاده، وللجيش الذي لم يتمكن من إحراز انتصارات على خصومه، فضلاً عن حماية مواقعه ومدنه الحدودية.

 

لا شك أن الفترة القادمة ستشهد فرزاً أكبر وعملية استقطاب واسعة يمكن أن تغيّر سياسات وتبدل تحالفات

 

وفي هذا السياق، لا يعلم بعد أي وجهة سيختارها ولي العهد الجديد بعد أن أصبح في الواجهة وصاحب القرار بحسب منصبه، بعد أن كان الرجل الثالث بحسب التوصيف الوظيفي لا الفعلي.

وفي حال تم اعتبار ما أعلن عنه ولي العهد عقب الاتصال الهاتفي الذي أجراه هادي لتهنئته، وعبّر فيه الأخير عن مواصلة حربه ضد اليمن استمراراً لم بدأه، فإن المأزق السعودي سيستمر بما يعنيه من تواصل لإنهاك دولته وابتزازها دولياً ومن حلفائه في الداخل اليمني.

المرحلة القادمة لن تكون مفروشة بالورد لمحمد بن سلمان، باعتبار أنه سيكون وحيداً ولن يلقى دعماً مخلصاً من الأسرة، التي يبدو أن كثير من أمرائها ممن هم ضمن الدولة قد تضرّروا بشكل أو بآخر من توليه ولاية العهد، خصوصاً وأن والده الملك سيتوارى بعد أن اطمأن على مستقبل نجله، وهو ما يعني تحمّل الأول كل تبعات القرارات التي سيتم اتخاذها، والتي لن تكون سهلة، وبالذات ما له علاقة بالمضي قدماً في التطبيع مع إسرائيل، كاستحقاق يجب على بن سلمان دفعه دون مواربة، وكذا التصدي لمواجهة إيران من خلال تصدّر المملكة لقيادة ما اصطلح على تسميته «الحلف السُنّي» في مواجهة «الحلف الشيعي»، وستكون في هذه المرحلة أكثر تعقيداً، في ظل انفراط هذا العقد بعد الاتجاه الأخير لتركيا ووقوفها مع قطر، الذي يجمعهما ذات التوجه المساند والحامي لجماعة «الإخوان المسلمين» التي تصنفها المملكة والإمارات جماعة إرهابية، بالإضافة إلى عدم اتخاذ الدولتين موقفاً مناوئاً لإيران، وهو ما يمثل انتكاسة للمحور السُنّي باعتبار ما تمثله تركيا من ثقل كدولة كبيرة محسوبة عليه.

الفترة القادمة ستشهد لا شك فرزاً أكبر وعملية استقطاب واسعة، يمكن أن تغيّر سياسات وتبدل تحالفات، وهو ما يمكن أن يخلق واقعاً جديداً في الدول التي تعاني صراعات مسلّحة كسوريا واليمن وليبيا، وهي الدول التي أصبحت ساحات لتصفية حسابات دول عربية عبر الجماعات المسلحة التي تتقاسم دعمها الإمارات والسعودية وقطر، والتي السبب الرئيس في استمرار نزيف الدم بين أبناء هذه الدول، يصبّ في صالح التنظيمات المتطرفة كـ«داعش» و«القاعدة»، ويتحمّل نظامَي الرياض وقطر، بدرجة رئيسية نمو وتوسّع هذه التنظيمات، وبالذات في سوريا وليبيا، في لعبة قذرة مارستها الدولتان بحثاً عن هيمنة على حساب خراب وأشلاء وبقايا دول.

التعليقات

تعليقات