المشهد اليمني الأول/ العربي

عودة رئيس الوزراء اليمني السابق، المهندس خالد بحاح، يوم الإثنين الواقع في 26 يونيو الجاري إلى مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، على متن طائرة إماراتية خاصة، ووسط استقبال رسمي عسكري ومدني لافت، لم يكن إلا مؤشراً واضحاً ودلالة قطعية على أن الرجل لم يعد فقط إلى بلاده، بل هي عودة له، وبقوة، إلى الساحة السياسية اليمينة برغبة خليجية، إماراتية بالتحديد، وبرغبته طبعاً، بعد أسابيع من لقاءات مكثفة عقدها مع عدد من المسؤولين الشماليين والجنوبيين والخليجيين، تشي بأن ثمة أشياء كثيرة قد نُسجت خلف الحجب.

ففي منشور له على صفحته في «فيسبوك» غداة وصوله، تحدث الرجل بلغة الواثق من نفسه ومن الدور الرسمي الذي سيلعبه في قادم الأيام، وبثقة كبيرة تنم عن أنه أصبح يحظى برضا ودعم، ليس فقط أبوظبي، بل الرياض أيضاً.

فهو، وبرغم عدم امتلاكه الصفة الرسمية، إلا أنه تحدث عن إعادة تشغيل مطار الريان (المكلا) قريباً. وبدا في منشوره وكأنه يحدد الخطوط العريضة للسياسة التي سينتهجها مع الجميع مستقبلاً، والتي على ما يبدو من كلامه ستكون الأولوية فيها لإيقاف الحرب ومحاربة الإرهاب ومكافحة الفساد، حيث قال: «نتطلع للمعنى الحقيقي للعيد… يوم ينعم كل فرد في بلادنا بالعيش الكريم… يوم ننتصر على الحرب ونوقف القتل ونتجاوز المرض والخوف والدمار… يوم ندحر الإرهاب والانقلاب ونستعيد الدولة المدنية… دولة الشراكة والعدل والمساواة… يوم ننتصر للوطن ونضع حداً للأنانية والعبث واللامسؤولية، يوم نستأصل الفساد بكل أشكاله وأبطاله، يوم تتعافى صنعاء وتشرق عدن».

الدور المفترض الذي سيضطلع به بحاح سيكون هذه المرة برغبة سعودية

 

من ثنايا هذا الكلام نستشف، بالإضافة إلى ما ذكرناه آنفاً، ما يلي:

– بصرف النظر عن المنصب الذي سيسند إليه، والذي لا شك أنه سيكون كبيراً ومهماً، سينتهج بحاح لغة تصالحية مع القوى في صنعاء (الحوثيين وصالح)، كانعكاس للرغبة الإماراتية التي تبدّت بشكل واضح مؤخراً تجاه الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، ونجله أحمد الذي يقيم في أبو ظبي، لاستمالته في حربها ضد حركة «الإخوان المسلمين» الدولية، وذراعها في اليمن، حزب «الإصلاح»، الخصم اللدود لصالح.

تضاعفت هذه الرغبة الإماراتية أكثر بعد استعار الأزمة مع قطر. ولإنجاح هذه المهمة، تراه (بحاح) قد أغفل عمداً ذكر المرجعيات الثلاث (قرار مجلس الأمن 2216، والمبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار)، والتي دأب مسؤولو شرعية عبد ربه منصور هادي على ترديدها. وبلغة ناعمة لا تخلو من أسلوب المهادنة حيال الطرف السياسي في صنعاء، استخدم عبارة: «يوم تتعافى صنعاء وتشرق عدن».

بعد مسألة وقف الحرب، وضع مسألة مكافحة الإرهاب، التي تبدو أيضاً رغبة إماراتية في المقام الأول، ومنسجمة مع قناعة الرجل كذلك، بناءً على تصريحاته المتكررة بهذا الشأن حين كان يشغل منصب رئيس الحكومة. تحاشى ذكر مصطلح «الدولة الإتحادية»، واستعاض عنها بمصطلح «دولة الشراكة»، وهذه إشارة أخرى إلى أن شكل الدولة التي تحدث عنها ليست هي الدولة التي يريد أن يفرضها حزب «الإصلاح» والرئيس هادي عنوة، والتي كانت مخرجات حوار صنعاء قد أقرتها، علماً أنه تم تغييب الطرف الجنوبي تغييباً كلياً عن ذلك الحوار، لتفرض قوى حرب 94م مخرجاته (المؤامرة) على الجنوب وقضيته من طرف واحد.

قال: «… ونضع حداً للأنانية والعبث واللامسؤلية». وهذه وخزة في العمق يضعها بحاح في ظهر هادي وإدارته الفاسدة، والتي لطالما شكا بحاح كثيراً من فوضويتها وفسادها، وتدخلات فجة لأشخاص فيها مقربين من هادي في شؤون الدولة، وكانت من أهم نقاط الخلاف مع هادي، والتي أفضت حينها إلى إقالة بحاح من رئاسة الوزارة اليمنية.

تبقى الإشارة إلى أن هذا الدور المفترض الذي سيضطلع به بحاح، سيكون هذه المرة برغبة سعودية إلى حد كبير وليس فقط إماراتية، لاسيما بعد أن رأت الرياض أن حزب «الإصلاح» قد قلب بوجهها ظهر المجن، واصطفت كثير من قياداته ورموزه السياسية والإعلامية، ناهيك عن الدينية المتأدلجة، إلى جانب الخصم الجديد، دولة قطر. وبهذا، ارتأت الرياض أنه لا بد من تأديب هذا الحزب في أرضه. وليست إعادة بحاح، وهو خصم «الإصلاح»، إلى المسرح السياسي اليمني في هذا التوقيت، إلا بداية لذلك التأديب، إن لم يغير الحزب من موقفه.

ــ صلاح السقلدي

التعليقات

تعليقات