المشهد اليمني الأول/

لم تكن وسائط الميديا العالمية الفضائية والاجتماعية لتحتفي كل هذا الإحتفاء بمعتقلات حفلات الشواء النازية السرّية الأمريكية الإماراتية، التي جرى اكتشافها في حضرموت اليمنية، لو لم يُذيّل التحقيق الصحافي المعدّ حولها بتوقيع «أسوشايتد برس» ومن ثم «هيومان رايتس ووتش»، وهما ماركتان تتوافران على كاريزما آسرة ومسيِّلة للعاب والدموع معاً.

إن زاوية نظر الرأي العام العالمي للعدوان على اليمن لن تتغير كثيراً بعد مشاهد «أبو غريب 2 ـ الأمريكي الإماراتي» تلك، إلا أنه بات واضحاً بما فيه الكفاية للأوساط الغربية غير الرسمية أن ما تسمى «عاصفة الحزم» لا تتنزَّل مَنَّاً وسلوى على رؤوس شعبنا طيلة نحو العامين ونصف العام من عملياتها العسكرية في اليمن.

في ثمانينيات القرن الفائت، صرخت امرأة نيكاراغوية متهكمة على قرار واشنطن وقف الدعم العسكري لحكومة بلدها الموالية للولايات المتحدة، عقب مقتل صحافي أمريكي على أيدي القوات الحكومية ذاتها، قائلة: «هل كان يتعين على شعب نيكاراغوا أن ينزف كل هذه الدماء بانتظار أن يشفع له مقتل مواطن أمريكي عابر؟!».

 

عبوراً على أضلاع ضحايانا تمر جنازير الميديا تماماً كجنازير الأبرامز

تذييل الأكاذيب بتوقيع وكالة أنباء أمريكية ناجعٌ في لفت أنظار العالم، تماماً كتذييل الحقائق، على أن دوائر الميديا وصناعة الرأي العام الغربي بالعموم تفعل كلا الأمرين، فتكذب أو تصدق بدوافع لا صلة لها بشح المعلومات ولا بوفرتها ولا بضبابية الصورة حيال قضية ما أو نصاعتها ووضوحها، وإنما لأسباب تتعلق بحاجة صُنَّاع القرار تارة إلى القبض وأخرى إلى البسط تبعاً للمصالح المتوخاة في الحالين.

قبل بضعة أشهر من تحقيق «أسوشايتد برس» حول «18 معتقلاً سرياً إماراتياً حافلاً بألوان الإنتهاكات وبإشراف أمريكي»، كنا قد نشرنا (في الصحيفة التي أرأس تحريرها) تقريراً مفصلاً عن حالات تعذيب واعتداءات جنسية وإخفاء قسري لآلاف اليمنيين من أبناء الجنوب، في أقبية الإحتلال الإماراتي بحضرموت «المحررة»، لكن القيمة الإخبارية ليست لصحة المعلومة وفداحة محتواها في ميزان المراقب الإقليمي والدولي، وإنما لكاريزما الوسيلة الإعلامية الناقلة للخبر، والتي يتعين أن تكون غربية، أمريكية بالأحرى، لتتوافر على عنصر الإستقطاب وإثارة مياه الرأي العام الآسنة.

إن «أبو غريب 2 في اليمن» ـ بطبيعة الحال ـ لم يهتك الستارة السميكة عن بشاعة ما تتعرّض له مجتمعات البقاع المحتلة من اليمن تحديداً، ولا بشاعة ما يتعرّض له الشعب اليمني بالعموم من عدوان أمريكي سعودي إماراتي صهيوني، قدر ما عمدت وسائط الميديا الدولية إلى إحالة هذه الظاهرة الفضائحية صوب وجهة أخرى تتعلق بـ«تباينات مصالح دول تحالف العدوان واحتراباتها الباردة في ما بينها»، بحيث وفرت ـ فحسب ـ مادة للسجال جرى استثمارها – على سبيل المثال – قطرياً للنكاية بالجارة اللدود، الإمارات المتحدة، كما وجدت فيها «روسيا اليوم» طوبة ثقيلة ملائمة لأن ترشق بها العامود الحقوقي الفقري لأمريكا ازدراءً وتهكماً بمُثُلها ودعاواها الإنسانية الملائكية.

عبوراً على أضلاع ضحايانا تمر جنازير الميديا تماماً كجنازير الأبرامز، وتنتقي من عجينة اللحم البشري المفروم ما يلائم نواجذ مذيعاتها الحسناوات من علكة قهر يتمطّق بها على رأس الساعة الأخبارية، ولا عزاء للمقهورين سوى زناد البندقية المصوبة ـ قُدماً ـ في نحور وصدور تحالف الإستكبار الكوني.

بقلم/ صلاح الدكاك

التعليقات

تعليقات