المشهد اليمني الأول/

عندما يملك جيش الاسد كفة الرجحان في ساحة المعارك ويحقق الانتصارات الواحدة تلو الاخرى دون الحاجة الى استخدام السلاح الكيمياوي، فما الضرورة لإستخدام هذا السلاح وكيف يمكن للحكومة السورية أن تتخذ هكذا خطوة وتغير ظروف المعركة لصالح العدو وتجعل نفسها في ظرف حرج؟!.

لايخفى على أحد أن الامريكان لايريدون محاربة داعش ولا القضاء على التنظيمات الارهابية؛ بل يعملون على ادارة تلك المجاميع بما يضمن لهم مصالحهم. وكما صرحت بذلك هيلاري كلينتون عندما اعترفت بأن امريكا هي من أسست داعش وكان من المقرر الاعلان عن هذه الحركة عام 2012م ولكن حركة الصحوة الاسلامية في المنطقة حالت دون ذلك. إن المنطق والمخطط العملي لأمريكا يفرض قواعد الغابة على العالم ففي هذا المنطق الحديث عن الاخلاق لايتجاوز حدود الشعارات والتي ايضاً تستخدمها السلطات في واشنطن كوسيلة للاعتداء. ولايمكن لأحد الاعتراض في ظل تغلب قواعد الغابة على العالم، فهذا ما عرفت به شخصية واخلاق رجال الدولة في البيت الابيض.

وفي هذا الصدد، قام الامريكان بإحتلال العراق بذريعة وجود اسلحة الدمار الشامل في هذا البلد، وراح ضحية هذه الحرب اعداد كبيرة من الأبرياء ليعلنوا فيما بعد عدم كشفهم لهكذا اسلحة في العراق. ومؤخرا في اذار من هذا العام وبذريعة استخدام الجيش السوري للسلاح الكيمياوي في خان شيخون، قام الامريكان بإطلاق 59 صاروخ توماهوك امريكي على قاعدة الشعيرات الجوية في سوريا. وبالرغم من اصرار روسيا، سوريا وايران بإجراء تحقيق دولي في هذا الامر لكن الامريكان لم يسمحوا بذلك مطلقاً. فمن الواضح ان هذه الادعاءات كانت مجرد ذريعة للإعتداء. والان وفي ذريعة اخرى ادعى الامريكان أن جيش الاسد يحضر لهجوم كيمياوي ومن الضروري القيام بحملة خاطفة لصد هذا الهجوم. لكن في ظل أي ظروف ولماذا تطرح هذه الذريعة الان؟ .

الحقيقة هي ان الامريكان يعتقدون ان الظروف في المنطقة وفي سوريا على وجه الخصوص لاتسير في صالحهم. فهم يدعمون الاكراد في شمال سوريا في حين اولا: حليفهم الاستراتيجي أي تركيا تعارض هذا الدعم وثانيا: تقدم الجيش السوري وحلفاؤه في الجبهات الشمالية والشرقية نحو الرقة والمناطق التي يسيطر عليها الاكراد مما يزيد الخناق على الامريكان ايضا. وفي الجنوب قامت امريكا بتأسيس جيش يتكون من عشائر المنطقة لكن هذا الجيش يفتقر لكل المقومات العسكرية وأشبه بمجاميع المرتزقة التي لا تملك اي دوافع دينية او وطنية. من جانب اخر كان ينوي الامريكان السيطرة على الشريط الحدودي الشرقي لسوريا بعرض 80 كيلومترا (غالبيته من الاراضي السورية وجزء من الاراضي العراقية) ليقطعوا الارتباط البري بين بغداد ودمشق، لكن الجيش السوري وحلفاءه بتقدمهم الى هذه المنطقة هزموا المخطط الامريكي. فهم الان يشعرون بخسارة كل شيء في سوريا واصابهم القلق من نفوذ روسيا وايران في سوريا والذي يهدد بدوره امن الكيان الصهيوني المحتل. وعلى هذا الاساس تحاول امريكا إتخاذ خطوات لتغيير المعادلة لصالحها. فذريعة استعداد الجيش السوري لإستخدام السلاح الكيمياوي تصب في مصلحة هذه المعادلة وهنا نطرح بعض الاستفهامات والمواضيع:

1-ما هي ادلة الامريكان حول استعداد الجيش السوري لهجوم كيمياوي؟ الهجوم الذي سيخلف خسائر كبيرة؟! وكان حرياً بالامريكان ان يعلنوا مقدما عن العدد الدقيق للقتلى والجرحى ايضا!

2-في عام 2014 أعلن الامريكان أن جيش الاسد قام بتسليم الاسلحة الكيمياوية وعلى هذا الاساس قرروا ايقاف الحرب ضد سوريا. فيكف يدّعون هذا الادعاء الان على جيش الاسد؟!

3- عادة عندما يتعرض جيش لهزيمة او انكسار يسعى الى استخدام اساليب غير تقليدية ومحظورة كالسلاح الكيمياوي، لكن الجيش السوري الان يملك كفة الرجحان ومنذ فترة بدأ يحقق انتصارات عديدة فما الحاجة به لإستخدام السلاح الكيمياوي؟! ولماذا يرتكب الجيش السوري هكذا خطأ ليعطي فيه الحجة للأعداء ويجعل نفسه في ظروف حرجة؟! وبعبارة اخرى لماذا يسمح الجيش السوري بتغيير المعادلة لصالح العدو بهذه البساطة؟!

4- امريكا وعملاؤها يستطيعون استخدام السلاح الكيمياوي ببساطة وثم يتهمون الحكومة السورية بذلك. ويستطيعون ايضا ان يقوموا بهذه الخطوة من خلال معارضين للدولة ثم لا يسمحون بإجراء اي تحقيق في الموضوع كما فعلوا ذلك في قضية الشعيرات.

5-من وجهة نظر الامريكان، إن هذا التصعيد والضغط يمكن له أن يؤثر سلباً على تقدم الجيش السوري وحلفائه- وبالأخص في العمليات التي تستهدف حلفاء امريكا- ويمنح القوات الضعيفة التي تدعمها امريكا كالجيش الجديد في الجنوب الحافز والجرأة على الاستمرار.

6- ماضي اميركا والكيان الصهيوني وحلفائهم يشير الى انهم يستخدمون السلاح الكيمياوي متى ما شاؤوا. كما فعل الكيان في حرب الـ 33 يوما ضد غزة. او استخدام السعودية لهذه الاسلحة في حربها ضد اليمن دون ان تستطيع المنظمات الدولية إتخاذ اي خطوة مؤثرة في ذلك الشأن. اذن يستطيع هؤلاء ايضا استخدام هذا السلاح في سوريا ويتهموا الجيش السوري بذلك.

7-الامر الخطير الاخر، في هذا الشأن تحدثت امريكا عن القيام بهجوم خاطف لصد الهجمات الكيمياوية. لكن طبق القواعد المعمول بها عندما يتعرض مكان الى هجوم كيمياوي في البدء يتم تشكيل لجنة تحقيق دولية، وحتى لو فرضت هذه اللجنة بصحة وجود هجوم كيمياوي فهناك قواعد دولية للتعامل مع هذه القضية من قبيل توقيع الاتفاقيات في مجلس الامن. لكن اللامنطقية واللاخلقية الامريكية لاتلتزم بهذه القواعد والاصول.

فهي من تختلق ذريعة الاستعداد للهجوم الكيمياوي وهي من تقرر بمفردها كيفية التعامل مع هذا الامر! في حين الامريكان لديهم المام كامل بالتحديات والقيود التي تقف حائلا دون هذا الهجوم في سوريا ويعلمون ان في ظل هذه الظروف المعقدة والحساسة التي تعيشها المنطقة فان القيام بأي خطوة غير مدروسة يمكن ان يؤدي الى زيادة حدة الصراعات ووقوع حرب تشارك فيها قوى دولية.

الوقت

التعليقات

تعليقات