المشهد اليمني الأول/ العربي

لم تنحصر مآسي الحرب التي تقودها السعودية في اليمن على السكان في الداخل الذين يرزحون، ولأكثر من عامين، تحت وطأة الحرب والحصار والجوع والمرض، بل طالت المأساة المغتربين اليمنيين في المملكة «الشقيقة». أكثر من مليون مغترب يمني بطريقة نظامية ملزمون، بدءاً من يوليو الجاري، بدفع رسوم شهرية إضافية استحدثتها الحكومة السعودية تحت مسمى «رسوم العمالة الوافدة»، لسد عجز الموازنة، وتعويض خسائر الحروب التي يمولها النظام السعودي، وصفقات الأسلحة التي تتوالى في «العهد السلماني».

بحسب تصريحات وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، فإن على كل عامل وافد ومرافق في المملكة دفع 100 ريال سعودي شهرياً بدءاً من يوليو الجاري وحتى نهاية العام 2017 م. وفي العام 2018م، تتضاعف الرسوم إلى 400 ريال شهرياً عن كل عامل وافد ومرافق، لترتفع في 2019 إلى 600 ريال شهرياً، و800 ريال شهرياً في العام 2020. تعوّل الحكومة السعودية على تحصيل 65 مليار ريال سعودي من هذه الرسوم.

عدد من المغتربين اليمنيين في المملكة، اشترطوا عدم الإفصاح عن أسمائهم، عبروا، لـ«العربي»، عن صدمتهم من قرار فرض الرسوم الإضافية عليهم، مجمعين على أن الإغتراب في السعودية لم يعد مجدياً بعد تفاقم معاناتهم جراء الحرمان من حقوقهم، وتخفيض أجورهم، وسعودة الكثير من الوظائف، وتعدد الرسوم المفروضة عليهم.

 

حقوق مسلوبة

المغتربون اليمنيون في السعودية هم الأكثر عدداً والأدنى أجراً. وتوصلت دراسة في العام 2015 م إلى تحديد عدد من المشكلات التي تواجه العمالة اليمنية في السعودية، منها طول فترة الدوام (تصل إلى 12 ساعة يومياً)، وكثرة أعباء ومهام العمل، وغياب التأمين الصحي، والصعوبة في استقدام العائلة، وضعف الأجور والحوافز المعنوية، والحرمان من الأجر أثناء الإجازة السنوية، وعدم الحصول على مكافأة نهاية الخدمة، وعدم وجود يوم راحة أسبوعي، والتعرض للتعسف من قبل بعض الكفلاء، وعدم وجود عقد عمل رسمي يحدد علاقة العامل بالعمل، وغياب اللوائح التنظيمية الموضحة لحقوق العامل وواجباته.

وبحسب الدراسة، فإن متوسط الأجر الشهري للمغترب اليمني في السعودية ألفا ريال سعودي. ومع ذلك، يقول المغترب م. السريحي، لـ«العربي»، إنه يقوم بتسديد رسوم تجديد رخصة العمل بـ2500 ريال سعودي سنوياً، ويدفع 650 ريالاً رسوم تجديد إقامة لـ12 شهراً. وعند نقل الكفالة، يتوجب على كل مغترب دفع ما بين 10 – 20 ألف ريال سعودي للكفيل، إلى جانب تكلفة التأمين الطبي، التي تتوزع إلى ثلاث فئات بالنسبة للموظف وعائلة من زوجة و3 أبناء؛ فهناك «الفئة الذهبية» التي تكلّف 12170 ريالاً سعودياً سنوياً، وفئة ثانية تكلّف 6750 ريالاً، وفئة ثالثة بـ3500 ريال.

المغترب السريحي أكد أن العديد من الشركات استغنت عن آلاف العمال، وخفضت أجور من لا يزالون يعملون لديها، مضيفاً أن قطاع الإنشاءات والمقالاوت شبه متوقف في المملكة، وأن الكثير من الشركات تماطل في صرف مرتبات موظفيها بحجة عدم تسلمها استحقاقات مالية لدى الحكومة السعودية.

 

سعودة الوظائف

آلاف المغتربين اليمنيين خسروا وظائفهم خلال العامين الماضيين بعد سعودة العمل في محلات بيع الهواتف النقالة وصيانتها، وكذا المولات التجارية. وبسبب تعثر قطاع الإنشاءات والمقاولات في المملكة، فإن الكثير من العمالة اليمنية تصارع من أجل نقل الكفالة والبحث عن أعمال أخرى.

المغترب اليمني، ص. زياد، يقول، لـ«العربي»: «خلال العامين الماضيين لم أشتغل في المملكة سوى 4 أشهر، وبقية الشهور عاطل عن العمل». ويضيف: «كنت في ما مضى أعمل مقاولاً في بناء منازل لمواطنين سعوديين، لكن الكثير منهم يواجهون أزمة مالية، ويعرضون علي بناء منازل لهم مقابل تسلم أجري سيارات، لأن الأزمة المالية طالت المواطن السعودي».

 

تعسف

أُبلغ المغترب اليمني، عبد الله ناشر، بأن الطيران السعودي قصف منزله في محافظة عمران، وقتل 2 من أفراد أسرته، لتنهال دموعه ويصرخ بالسخط على النظام السعودي، فكان العقاب من رب العمل الإبلاغ عنه كـ«حوثي» داخل المملكة، ليقبع في أحد السجون بخميس مشيط 7 أشهر، وبعدها تم ختم جوازه بـ«خروج نهائي».

مغترب آخر من محافظة عمران، يُدعى محمد فرحان، اختلف مع كفيله في الرياض، فطلب الأخير منه هاتفه الجوال، وعند تصفحه إياه وجد صوراً لزعيم «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، والرئيس السابق، علي عبد الله صالح، فكان مصير فرحان السجن لأكثر من عام، وخُتم جوازه بـ«خروج نهائي». كما شكا مغتربون يمنيون من ممارسات تعسف لا إنسانية يواجهونها على أيدي كفلائهم، عند مطالبتهم بزياد مرتباتهم الشهرية أو نقل كفالتهم، حيث يتم تخييرهم بين الصمت وبين إبلاغ مكتب العمل بأي ذريعة تخرجهم من المملكة.

 

تسلط «الهيئة»

إلى جانب تعسف أرباب العمل والكفلاء تجاه المغتربين اليمنيين، فإن سياط «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» تطال أجسادهم. فهذا م. الصلوي، مغترب من محافظة تعز، يقول، لـ«العرب»: «في العام 2016 داهمني مجموعة من رجال هيئة الأمر بالمعروف، وأنا أعمل في محل لخياطة وبيع العبايات النسائية في مدينة جدة أملكه مع 2 من إخوتي. تفصح رجال الهيئة المحل ليصادروا علي 30 عباية نسائية بذريعة خياطها الضيق الذي يظهر عورة المرأة». ويضيف: «إقتادوني إلى مقر تابع للهيئة، وهناك تعرضت للجلد على يد رجل دين، وبعدها تم احتجازي هناك لمدة شهر، وإلزامي بحفظ 3 أجزاء من القرآن الكريم، ليفرج عني بعد تعهدي بعدم خياطة عبايات ضيقة، ولم يعيدوا لي ما صادروه من العبايات التي كلفتني الكثير من المال».

 

مغترب أجير

وبسبب ارتفاع تكاليف الحصول على فرصة عمل في السعودية إلى ما قبل العام 2015م، وتحول «الفيز» إلى تجارة مربحة للعاطلين السعوديين عن العمل، اضطر الآلاف من اليمنيين للدخول إلى المملكة عبر التهريب، وتعرض الكثير منهم لصنوف التعذيب ومواجهة الموت برصاص حرس الحدود السعودي.

ومع بداية التدخل العسكري لـ«التحالف» في اليمن، اضطر النظام السعودي لمنح «هوية زائر» لليمنيين الذين دخلوا المملكلة عبر التهريب؛ ليس مكرمة من النظام السعودي كما يحاول الإيهام بذلك، وإنما بدافع المخاوف الأمنية منهم. أكثر من 600 ألف يمني لم يتمكنوا من الحصول على إقامة نظامية رغم تجديد «هوية زائر» 6 أشهر للمرة الخامسة؛ بسبب الشروط التعسفية من قبل الحكومة السعودية، حيث تشترط ادارة الجوازات في المملكة على اليمني الحامل لـ«هوية زائر»، والذي يطلب الحصول على إقامة نظامية، أن يكون عاملاً لدى مؤسسة أو شركة سعودية أو فرد سعودي، وليس لدى مستضيف يمني.

وبهذا الشرط، لم يتمكن سوى 4 ألف يمني من الحصول على إقامة نظامية، كما كشفت عن ذلك إدارة الجوازات في المملكة، فغالبية اليمنيين بـ«هوية زائر» في ضيافة وضمانة يمنيين بـ«هوية مقيم». ولا يزال المغترب اليمني لدى النظام السعودي «أجيراً»، كما تقول إدارة الجوزات على حسابها الرسمي في «تويتر»، من أن جميع الإجراءات تتم إلكترونياً للمستوفين الشروط عبر موقع «أجير».

تقرير ـ فايز الأشول

التعليقات

تعليقات