المشهد اليمني الأول/

لطالما أضاءت الأزمات، على أنواعها، جوانب حقيقية يُخيفها الواقع، أو بعبارة أدقّ، القيّمون على هذا الواقع. والأزمة الخليجية بين قطر والدول الأربع ليست عن هذا الأمر ببعيد.

الإعلامي السوري الأصل، القطري الهوى، الدكتور فيصل القاسم، كتب مقاله الأخير تحت عنوان ” استراتيجية أمريكا الجديدة: ادفع تسلم!” قاصداً بذلك الابتزاز الأمريكي للدول الخليجية، حيث “لم تعد أمريكا ترى في حلفائها العرب حتى شركاء رمزيين، بل مجرد بلاد فيها أموال ولا بد من تجريدها من ثرواتها حتى آخر مليم مقابل الحماية الأمريكية”، وفق القاسم.

القاسم، الذي نختلف معه في مواقف عدّة، يمثّل كلامه هذا لسان حال شريحة واسعة من الشعب العربي بشكل عام، والخليجي على وجه الخصوص.

ربّما لم يكن القاسم ليخرج بهذا الكلام، لولا الأزمة الخليجية، وسعي قطر للإضاءة على هذا الجانب باعتبار أن السعودية هي المتورّط الأكبر في هذا الأمر، إلا أنّه أصاب كبد الحقيقة. نتّفق معه في العنوان والمضمون حول عبار “ادفع تسلم”، إلا أنّنا نختلف معه في كلمة “جديدة” إذا كان قاصداً بذلك الاستراتيجية الأمريكية، وهو ما قصده، وفي حال كان قصد القاسم أن الجديد في الأمر هو إخراجها إلى العلن، وهو ما لا نعتقده، نكون المخطئين في فهم مقصود الرجل. ما يعزّز هذا الكلام أمور عدّة، نذكر منها:

أولاً: بدا التغيير واضحاً في لهجة ترامب تجاه الدول الخليجية وتحديداً السعودية حيث انتقلت السعودية من بقرة حلوب يجب ذبحها متى جفّ حليبها إبان الحملة الانتخابية، وحتى الأمس القريب، إلى شريك استراتيجي، وفق ترامب، بعد الصفقات التي فاقت النصف ترليون دولار إبان زيارته إلى الشرق الأوسط. “بعد حصوله على جزء من الجزية، لم يعد يوجه ترامب التهديدات للسعودية، ونسي كل تغريداته الوقحة السابقة، لكنه راح يهدد بلداناً أخرى ويحرض عليها كي تفعل الشيء نفسه”، وفق القاسم.

ثانياً: ترامب أعلنها صراحةً ولعشرات المرّات على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي تويتر، أن بلاده مستعدة لتقديم الحماية للدول الخليجية، إلا انه على الأخيرة أن تدفع مقابل هذه الحماية. يقول ترامب في إحدى تغريداته قبل زيارته “التاريخية” إلى الرياض: “ينبغي على العرب أن يدفعوا مليارات كثيرة للولايات المتحدة مقابل دفاعنا عنهم، ومن دوننا سيسقطون”. ويضيف في تغريدة أخرى: “هؤلاء لا شيء سوى أبواق فارغة ومتحرشون وجبناء. لديهم المال وليست لديهم شجاعة”. يردف مغرّداً: “أخبروا العرب بأننا نريد النفط مجاناً على مدى عشر سنوات مقبلة وإلا لن نحمي طائراتهم الخاصة.. ادفعوا”. هل يكتفي بذلك، كلاّ،  بل إنّه يسخر من الرؤساء الأمريكيين السابقين قائلاً: “هل ترون كيف تتلاعب بعض الدول العربية بزعمائنا السياسيين الأغبياء جداً كي يحموها من الدولة الإسلامية…لماذا لا يدفعون؟”.

ثالثاً: لا يقتصر التغيير على ترامب وحده، بل إن آلة الرياض الإعلامية التي دافعت بكل قوّاتها عن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في وجه الموشّح الجمهوري دونالد ترامب الذي وصف بأقبح الألفاظ حينها انقلبت رأساً على عقب. على سبيل المثال كانت صحيفة الحياة، وعلى هذا فقس، تهاجم ترامب يومياً بعدة مقالات، صباحية ومسائية، وكان للكاتب الفلسطيني القدير جهاد الخازن مقال صباحي يتفنّن فيه في ذكر مساوئ وخفايا ترامب التي نوافقه عليها، ألا أنه بعد تحسين العلاقات الأمريكية السعودية كأن شيئاً لم يكن، بل بات ترامب شريكاً أساسياً للرياض في مكافحة الإرهاب.

رابعاً: في الحقيقة، إن هذه الاستراتيجية ليست بالأمر الجديد أبداً على العلاقة الأمريكية مع الدول الخليجية والسعودية تحديداً، بل إنها قائمة منذ اللقاء الذي حصل على المدمرة روزفلت بين الملك المؤسس والرئيس الأمريكي حينها. إلا أن فظاظة وصراحة ترامب أخرجتها إلى العلن وبشكل واضح، بل عبر استراتيجية قالها على الصفحة الآنفة الذكر “أنتم تجنون مليار دولار يومياً من النفط وأنتم تريدون مساعدتنا لحمايتكم، لهذا لا بد أن تدفعوا بسخاء..لا مجاملات”. بل يزيد في عبارة في غاية العنصرية: “أريد أن أعرف الذين نساعدهم كم مستعدون للدفع ثمناً لحفظهم من الانقراض الكلي..ادفعوا الآن”.

خامساً: هناك استغلال أمريكي واضح لأي تطوّر عسكري أو سياسي بغية تطويعة في خدمة استثمار الحماية أو “ادفع تسلم”، كما قال القاسم الذي لم يكن ليرفع الصوت لولا الأزمة الخليجية، وإدراكه سعي واشنطن لاستخدام العصا نفسها مع قطر، أي أن واشنطن تريد من تهديد السعودي لقطر ذريعة لنهب الأموال القطرية.

لم تكتفِ واشنطن بصفقة الأسلحة الأخيرة التي قاربت الـ12 مليار دولا، بل تريد المزيد. ترامب استخدم في أكثر من تغريدة سابقة تهديد داعش لتبرير الدفع العربي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى “البعبع” الإيراني بغية ابتزاز العرب، فقد كتب في إحدى تغريداته: “نحن نستعد لحماية بعض الدول العربية أمام إيران وآخرين عن طريق إرسال السفن الحربية. كم سيدفعون مقابل هذه الحماية؟”.

في الخلاصة، إن ترامب ينظر للعديد من الدول نظرة البقرة الحلوب، و”الأزمة الخليجية في عمقها لعبة ابتزاز وتشليح مالي بالدرجة الأولى” وفق قاسم، أي أنّه حتّى اتهام قطر بتمويل الإرهاب هو ابتزاز مفضوح لنهب ثروات البلدان التي لا تدفع الجزية لأمريكا، ثبتت التهمة أم لم تثبت.

الوقت

التعليقات

تعليقات