كتب: جمال عامر

مشهد الإنقسام الحاد الحاصل في الجنوب يؤكد المؤكد: الغياب الكلي لهادي بصفته رئيساً شرعياً مفروضاً من المملكة السعودية، وبكونه أحد أبناء الجنوب الذي من المفترض أن يكون له تأثير باعتباره ينحدر من إحدى محافظاته (أبين)، التي لا يجد فيها أياً من المؤيدين له، حتى في منطقة الوضيع، مسقط رأسه.

وعكست المظاهرتان اللتان أقيمتا، عصر أمس الجمعة، في المعلا وساحة العروض بخور مكسر في عدن، على الرغم من عدم تكافؤهما لصالح الأولى، مدى انحسار الحس الوطني وإن بحده الأدنى، حين تبارى الجميع لتقديم أقصى حدود الولاء للنظامين الإماراتي أو السعودي، فيما غاب علم الجمهورية اليمنية الذي تستظل الحكومة بشرعيته عن التظاهرتين، ليحل بدلاً منه علم دولة اليمن الديمقراطية التي كانت انصهرت بوحدة اندماجية مع الجمهورية العربية اليمنية في مايو 90م.

وكان اللافت، وعلى غير عادة حضور السلطة بجيشها وأمنها لتأمين الفعاليات، أن أمن وجيش من تطلق عليهم «متمردين» غطّى أمن الفعاليتين، في مشهد مهين لسلطة الشرعية، التي بدت مكشوفة إلا من ورق التوت الذي أصبغتها عليه المملكة السعودية، في إطار تدخلها لدى الإمارات لترك مساحة تُعطى لهادي وحكومته لحفظ ماء الوجه، بالسماح لجموع بسيطة بالتظاهر، لا بمنحه السلطة على الأرض.
لقد عاد قادة «المجلس الإنتقالي» من أبوظبي، ومن ضمنهم مدير أمن عدن الذي لم يجرؤ هادي بعد على إقالته، ليحضروا فعالية ما يمكن تسميته إعلان إحكام القبضة الفعلية على عدن، دون أن تعترض المملكة. وتمثّل ذلك بإصدار قرارات جاءت من خلال بيان الفعالية الجماهيرية، وفي كلمة رئيس «المجلس الإنتقالي» عيدروس الزبيدي، يُفترض أنها من صميم اختصاصات الدولة.

 

لا شك في أن «الإصلاح» يمر في أسوأ مراحله، وهو الذي لم يعش إلا في حماية السلطة

ومن ذلك، قرارات لها علاقة بحظر نشاطات اعتبرها «إرهابية»، وأكد على وقفها باعتبارها تخل بأمن منطقة الجزيرة والخليج والقرن الأفريقي والعالم؛ حيث تم الإعلان عن «حظر نشاط المنظمات والجماعات الإرهابية والمتشددة المتمثلة في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وتنظيم القاعدة، وداعش، وجماعة الحوثي، في كل محافظات الجنوب، واتخاذ الخطوات اللازمة حيال ذلك بالشراكة مع دول التحالف العربي والدولي»، وهو تصعيد إضافي سيكون له ما بعده.

لقد بدت جلية قوة الحضور الإماراتي في ما له علاقة بالتصعيد ضد «الإخوان المسلمين» في اليمن، وهو ما سيخلق المزيد من تصعيد العنف على مستوى الصراع على الأرض وعلى المستوى الإعلامي، على الرغم من محاولة حزب «الإصلاح» في اليمن، والجنوب على وجه الخصوص، التواري، في مواجهة المجلس السياسي الجنوبي والإمارات، خلف قنوات خاصة يدعمها، أو من خلال وسائل الإعلام التي تدعمها الشرعية، ومنها قنوات رسمية تُموّل من قبل الرياض.

لا شك في أن «الإصلاح» يمر في أسوأ مراحله، وهو الذي لم يعش أو يتنفس إلا في حماية السلطة وفي جلبابها. كان ذلك في عهد الرئيس الراحل، إبراهيم الحمدي، الذي أسس المعاهد العلمية في اليمن، والذي جعل من القائد «الإخواني»، القاضي يحيى الفسيل، رئيساً لهيئتها العامة، وكان يرافق الحمدي في أغلب سفرياته. كما استمر في عهد الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، الذي وفر له التنظيم الصيغة الشرعية للاستمرار والتفرد في السلطة، حتى انفرط العقد حين قرر الأخير حل المعاهد العلمية، وإعلانه بشكل واضح أن حزب «الإخوان المسلمين» في اليمن (الإصلاح) لم يكن أكثر من ورقة تم الإستغناء عنها.

وعقب إرغام صالح على نقل السلطة إلى نائبه عبد ربه هادي وفق ما اقتضته المبادرة الخليجية، نقل «الإصلاح» ولاءه إلى هادي، معتبراً أنه سيكون أضعف بكثير من سابقه، وبالتالي يمكن التحكم في مجمل قراراته وتسييره وفقاً لمصالح التنظيم. إلا أن هدفاً مثل هذا لم يتحقق؛ بفضل مراوغة هادي واختياره القضاء على «الإصلاحيين»، حين استدعى دون قدرة أو فهم ما كان ينتهجه سلفه صالح من اللعب على تناقضات الخصوم للإيقاع بهم والنيل منهم، وهو ما تبدى حين ظن أن بإمكانه استخدام الحوثيين للنيل من خصومه وإضعافهم، ليكون صاحب السلطة الأوحد، قبل أن يقوده سوء تدبيره إلى خارجها.

واليوم، يعود حزب «الإصلاح» إلى تحالف الضرورة مع هادي، بعد أن صار النظام السعودي هو ساعده القوي وعصاه التي يضرب بها. وحجّت قياداته مكرهة أو بدافع استجلاب النجدة إلى الرياض، واضطرت إلى مداهنة من تكره، ولكن دون أن تحصل على وعد بمستقبل آمن، يضمن أن يكون للحزب مكان في مستقبل الخارطة السياسية، وهو أمر سيطيل من أمد الحرب، حتى مع تشكل تحالفات جديدة.

التعليقات

تعليقات