كتب: صادق القاضي

لا يمكن بحال تبرئة جماعة «الإخوان المسلمين» من بذور العنف ونزعات الإرهاب المتجذرة في صميم البنية الايديولوجية للجماعة، والتي تجسدت في كثير من الممارسات الدامية خلال تاريخهم السياسي المتعدد والطويل.

في المقابل، لا يمكن بالتأكيد اعتبارهم جماعة إرهابية خالصة، فهم كما هو معلوم لديهم، بنفس القدر، الكثير من الكوادر والإمكانات المدنية، وبما تجسد أيضاً خلال بعض تجاربهم الوفيرة في الحياة السياسية العربية.

القضية نسبية عموماً، وقد تتعلق أحياناً بنوعية السياقات الخارجية التي يتعرضون لها، بما يوجه تجاربهم وممارساتهم باتجاه الإرهاب أو السلوك المدني.

لكن ليس دائماً. في اليمن، على سبيل المثال، ربما شاركت «أنصار الله» سابقاً في دفع «الإخوان» إلى اختيار أسوأ ما فيهم، وهو نزعة العنف والسلاح، غير أنه ربما لم يكن الحوثيون يملكون خياراً آخر، بل يرى بعضهم أن «الإخوان» هم الذين دفعوا «أنصار الله» دفعاً باتجاه خيار السلاح، على حساب بدائل مدنية طالما استخدمها الحوثيون خلال الأزمات السابقة.

كان أكثر ما جنى على «إخوان اليمن» نابعاً من داخلهم

أياً كان الأمر، فقد كان أكثر ما جنى على «إخوان اليمن» نابعاً من داخلهم. ويوماً بعد يوم، يتأكد تماماً أن اتخاذ «إخوان اليمن» موقفاً مؤيداً ومسانداً للعدوان، كان أخطر قرار اتخذته هذه الجماعة في تاريخها اليمني، ليس فيما يتعلق باليمن، بل بدرجة أولى بما انعكس على الجماعة نفسها من آثار وتداعيات سلبية مدمرة.

كان قرار «إخوان اليمن» الوقوف مع العدوان الأجنبي بمثابة انتحار سياسي، انتهى بهم كأكثر أطراف الصراع تضرراً من هذه الحرب التي كانوا أبرز مسعريها، وأكبر ضحاياها.

منذ البدء خسر «الإخوان» حاضنتهم وقلعتهم التقليدية، لتصبح جماعة محظورة بشكل غير معلن في المحافظات الشمالية، وفي الجنوب قام «المجلس الانتقالي الجنوبي» مؤخراً بحظر أنشطتها في كل المحافظات الجنوبية، باعتبارها جماعة متشددة إرهابية.

هذا على الصعيد الداخلي، وفي المقابل خارجياً من المؤكد أن الراعي السعودي الذي أعلن موقفاً عدائياً صارماً تجاه كل فصائل جماعة «الإخوان المسلمين» في العالم، سيستغني اليوم أو غداً عن خدمات «إخوان اليمن»، ويقلب لهم ظهر المجن، وتُجبر قطر على التخلي عنهم، وفي سياق محلي ودولي وإقليمي ضاغط، قد يقدمهم الجميع كبش فداء لكل الأزمات والحروب التي عصفت باليمن خلال السنوات الماضية.

هذا ما يجب أن لا يتمناه أحد لأحد في اليمن، وفي كل حال، فإن وصم «الإخوان» بالإرهاب، ووضعهم بجانب «القاعدة» و«داعش»، يجافي الحقيقة، كما هو خطير على الحياة السياسية ككل، بما يخبئ الكثير من القنابل الموقوتة للمستقبل القادم.

فرض العزلة على «الإخوان» قد يدفعهم إلى المزيد من الاعتزال، والتمادي في الركون على العنف والسلاح. على حساب خبرتهم وكوادرهم وكيانهم المدني الممكن والمفترض.

الترهيب قد يدفع الآخر باتجاه الإرهاب، وحتى تقول المدرسة السلوكية العكس، سيظل «الإخوان» يحتاجون، بدلاً من هذا الاستعداء والإقصاء، إلى استئناس واحتواء يتدارك البقية الباقية من استعداداتهم المدنية.

وفي حين تحتاج جميع الأطراف في اليمن إلى إعادة تأهيل، يحتاج «الإخوان»، بالذات، إلى مراجعة ذاتية جريئة وشاملة، مراجعة للإيديولوجيا وقيم الولاء والبراء لصالح القيم القومية والإنسانية والوطنية، فقد أصبح وجودهم ذاته على المحك، وهم منذ سنوات يخسرون أنفسهم أكثر مما يكبدون الآخرين من الخسائر.

التعليقات

تعليقات