المشهد اليمني الأول/

بدأت الصين، ومنذ عقود، تفرض نفسها قوة إقليمية ودولية متحدية بهدوء وحكمة الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي استطاعت أن تكون بديلاً «لبريطانيا العظمى» في منطقة شرق آسيا.

إن هذه الثقة الصينية المتمثلة بالهدوء والعمل الدؤوب بدأت تقلق الولايات المتحدة التي حاولت فرض نفسها «حامية» لهذه المنطقة وخاصة في «بحر الصين الجنوبي». تضم منطقة بحر الصين الجنوبي الفلبين وفييتنام ولاوس وكمبوديا وتايلاند وبروناي وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا التي كانت، بما فيها الصين، تقع تحت نفوذ الإمبراطورية البريطانية السابقة.

وبعد أن تلاشى ظل هذه الإمبراطورية حلت محلها الولايات المتحدة الأمريكية التي أقامت عشرات القواعد العسكرية في تلك المناطق يحميها أسطول بحري حربي يعده البعض الأول في العالم.

لقد بدأت الصين تدرك خطورة الوجود الأمريكي في منطقة بحر الصين الجنوبي، التي تعدها مجالها الحيوي، وعملت بهدوء وصمت على تنمية قدراتها حتى أصبحت في مصاف الدول العظمى اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، الأمر الذي أثار حفيظة الولايات المتحدة التي شعرت بأن الصين تقوم بتصفية نفوذها في شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي، فبدأت تخلق العراقيل للوقوف في وجه المشروع الصيني الجديد.

هذا ما أوضحه موقع «مجلس العلاقات الخارجية» الأمريكي في دراسة تحليلية لما تتعرض له الولايات المتحدة من قبل زحف التنين الصيني نحو مواقع «نفوذ» الولايات المتحدة الأمريكية في تلك المنطقة، حيث جاء في الدراسة:

إن مخاطر النزاع الأمريكي -الصيني في بحر الصين الجنوبي مسألة مهمة، وتجدر الإشارة إلى أن منطقة «بحر الصين الجنوبي» لا تزال مسرحاً تتبارى فيه كل من الصين وتايوان وفييتنام وماليزيا وبروناي والفلبين لتحقيق مطالبها فيما يتعلق بحقوق استغلال احتياطي المنطقة من النفط والغاز، إضافة إلى حرية الملاحة هناك، التي تعد هي الأخرى قضية مثيرة للجدل، وخاصة بين الولايات المتحدة والصين بشأن حق السفن العسكرية الأمريكية في الإبحار في بحر الصين الجنوبي.

إن تصاعد نمو القوة العسكرية الصينية وتحركاتها الإقليمية في المنطقة أساس القلق الأمريكي غير المبرر، ولاسيّما أن الصين شرعت مؤخراً في تحديث فعلي لقواتها البحرية وقدراتها العسكرية للحفاظ على سيادتها وفرضها بالقوة إذا لزم الأمر، وهي باستمرار تعمل على تطوير قدراتها العسكرية في المنطقة المحيطة ببحر الصين الجنوبي للحد من نفوذ الولايات المتحدة في شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي تحديداً.

وتشير الدراسة إلى وجود العديد من الاحتمالات التي يمكن تصورها، لعل منها تلك التي تنطوي على اشتباك مسلح في بحر الصين الجنوبي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وهناك ثلاثة احتمالات تهدد المصالح الأمريكية خاصة، وقد تدفع الولايات المتحدة إلى استخدام العنف.

بدايةً، يعد الصراع الناجم عن العمليات العسكرية الأمريكية داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للصين أحد أكثر الاحتمالات خطورة لما قد ينجم عنه من رد فعل صيني مسلح، فالولايات المتحدة تزعم أنه لا يوجد في اتفاقيات الأمم المتحدة لقانون البحار «ما يمنع ممارسات الدول في المنطقة» وبشكل أدق «حق القوات العسكرية لجميع الدول في القيام بأنشطة عسكرية في المناطق الاقتصادية من دون إشعار أو موافقة من الدول الساحلية»، في حين تصرّ الصين على أن أنشطة الاستطلاع التي تجري من دون تصريح من الدول الساحلية تعد انتهاكاً واضحاً لكل من القانون الوطني الصيني والقانون الدولي على حد سواء، وهذا ما جعلها تعترض على طائرات الاستطلاع الأمريكية التي تحلق في منطقتها الاقتصادية، التي من شأنها أن تزيد خطر وقوع حوادث مشابهة لما جرى في نيسان عام 2011 عندما اصطدمت طائرة استطلاع أمريكية من طراز (إي بي 3) مع طائرة مقاتلة صينية من طراز (إف 8) بالقرب من جزيرة هانيان، كما يمكن أن تصطدم سفن بحرية صينية بسفن مراقبة تابعة للبحرية الأمريكية تعمل في منطقتها الاقتصادية كما جرى في حوادث عام 2009.

وقد يقود سوء التقدير أو الفهم إلى تبادل إطلاق النار، ما قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد العسكري ويعجل بأزمة سياسية كبرى. ومن شأن المنافسة الاستراتيجية الثنائية بين الولايات المتحدة والصين أن تقود إلى عدم الثقة بين البلدين ما يجعل إدارة مثل هذه الأزمة أكثر صعوبة.

أما الاحتمال الثاني فإنه ينطوي على استخدام الولايات المتحدة النقاشات التي تجري بين الصين والفلبين بشأن عائدات الغاز الطبيعي وخاصة في منطقة (ريد بنك)، الواقعة على بعد 80 ميلاً بحرياً من جزيرة بالأوان، كورقة رابحة لإثارة النزاع في المنطقة، خاصة بعد أن تعرضت سفن المسح النفطي الأمريكية العاملة في (ريد بنك) عقوداً من الزمن إلى التدقيق مؤخراً من جانب السفن الصينية، لكن احتمالاً كهذا قد يصعد بسرعة العنف مع الصين إذا ما تدخلت لوقف الحفر.

أما الاحتمال الثالث فيتمثل في أن تعمل الولايات المتحدة على إثارة صراع بين الصين والفلبين، وهو ما بدا واضحاً في معاهدة الدفاع المشترك بين الفلبين وواشنطن عام 1951، التي تعد إحدى الحلقات الرئيسة في مجموعة التحالفات الأمنية التي تقوم بها الولايات المتحدة مع دول في منطقة آسيا ومنها الفلبين.

في العديد من التصريحات يزعم المسؤولون الأمريكيون أن واشنطن «لا تتخطى حدودها» في النزاع الإقليمي في بحر الصين الجنوبي، وترفض في الوقت ذاته التعليق على كيفية الرد الأمريكي على أي تهديد لمصالحها، ومع ذلك هناك فجوة واضحة بين وجهات النظر الأمريكية بخصوص الوفاء بالتزاماتها وتوقعات الدول منها.

ذكر متحدث باسم الرئاسة الفلبينية أنه في حال النزاع المسلح مع الصين تتوقع مانيلا(عاصمة الفلبين) أن تقدم الولايات المتحدة مساعداتها، لكن تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين تشير إلى خلاف ذلك وأن الولايات المتحدة لن تقدم مساعدات عسكرية مجانية للفلبين إذا ما هاجمت الصين القوات الفلبينية في جزر سبراتلي المتنازع عليها.

إن الولايات المتحدة تدرك تماماً أن عدم وقوفها إلى جانب حلفائها، ومنهم الفلبين، لن يؤدي فقط إلى عرقلة العلاقات بينهما، ولكن من شأن ذلك أيضاً أن يقوض مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة مع شركائها على نطاق واسع، بيد أن قراراً أمريكياً بإرسال سفن بحرية إلى المنطقة قد يؤدي إلى مواجهة بحرية أمريكية -صينية.

وفي سياق سيناريو استفزاز الولايات المتحدة للصين يمكن لواشنطن أن تجر الصين إلى صراع مع فييتنام، وعلى الرغم من أن هذا الاحتمال يبدو أقل من سابقه مع الفلبين، هنا قد تقوم الولايات المتحدة بإرسال سفن بحرية إلى المنطقة للإشارة إلى «اهتمامها بالسلام والاستقرار الإقليميين»، ويمكن أن تطالب فييتنام، وربما الدول الأخرى، بمساعدة من الولايات المتحدة في مثل هذه الظروف.

وفي حال انخراط واشنطن بذلك يمكن أن تقوم الصين بإطلاق النار على السفن الأمريكية ما قد يؤدي إلى حدوث أزمة، وفي حال حدوث ذلك، فإن مصالح الولايات المتحدة سوف تتعرض للخطر لأن تحويل سفن الشحن إلى طرق بحرية أخرى سيضر بـ«الاقتصادات» الأمريكية نتيجة ارتفاع أسعار التأمين والعبور الأطول، إضافة إلى ذلك، ونظراً لما تتمتع به منطقة بحر الصين الجنوبي من موقع جغرافي مهم يربط بين المحيطين الهندي والهادئ، ويمر عبره في كل عام ثلث سفن شحن التجارة العالمية، أي ما قيمته أكثر من 5,3 تريليونات دولار من التجارة عبر بحر الصين الجنوبي،

تزيد قيمة التجارة الأمريكية وحدها عن 1,2 تريليون دولار من هذا المجموع، ما يؤكد أن المخاطر المترتبة على أي توتر أمريكي – صيني أكبر بكثير من الاحتمالات المذكورة سابقاً، فالولايات المتحدة لديها مصلحة دائمة وكبيرة في الحفاظ على استقرار العلاقة مع الصين لضمان تعاون بكين مع الولايات المتحدة في قائمة القضايا الإقليمية والدولية، ومن شأن ذلك أن يقوض الثقة بالولايات المتحدة من قبل حلفائها، ولاسيّما أنها تعد نفسها «الضامن الأمني والإقليمي الرئيس» وهو ما لا يصب في مصلحتها إن فشلت في طمأنة حلفائها في المنطقة، ويمكن أيضاً أن يقوض ضمانات الأمن الأمريكية في منطقة (آسيا- الباسفيك)، وخاصة مع اليابان وكوريا الجنوبية في الوقت الذي يزداد فيه النفوذ الصيني اتساعاً. وهنا ينبغي أن تستمر الجهود الدولية لحل الخلافات بشأن السيادة الإقليمية على بحر الصين الجنوبي والولاية القانونية على المياه وقاع البحر.

وفي غضون ذلك ينبغي على الولايات المتحدة أن تركز على الحدِّ من نشوب اشتباكات مسلحة ومحتملة ناجمة عن سوء تقدير أو تصعيد غير مقصود للنزاع، الذي تدل كل المؤشرات بأنه سيسير لمصلحة الصين وربما يؤدي أيضاً إلى تقليص نفوذ الولايات المتحدة في منطقة بحر الصين الجنوبي.

التعليقات

تعليقات