كتب: جميل الجعدبي

خلافاً للتوقّعات المتفائلة بإمكانية انعكاس الأزمة الخليجية بين قطر من جهة ودول السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة ثانية إيجابياً على الحالة اليمنية، تذهب رياح الأزمة الخليجية بعيداً عن سفن أطراف الأزمة اليمنية، وتنتقل من طور إلى آخر بانسيابية لافتة، وربما آلية مزمنة غير معلنة، مقابل انسحاب صامت للقضية اليمنية بتعقيداتها المتداخلة، جنوباً وشمالاً، «شرعية وانقلاباً»، وتوارٍ تدريجي خجول ، حتى من عناوين وسائل الإعلام الخارجية، لتصبح واحدة من أوراق ملف أزمة خليجية متخمة هي الأخرى بالقضايا الشائكة.

دخول الأزمة الخليجية مرحلة «حرب الوثائق»، وماراثون استمالة المواقف الدولية الحقوقية والإنسانية لجهة طرفي الأزمة، يعني اتجاهها نحو التصعيد، وأن المخازن الإستراتيجية المخصصة وقوداً لنيران هذه الأزمة كثيرة ومتنوعة وتلبي جميع الإحتياجات والمقاسات، كما أنها لا تخلو من عناصر الإثارة والتحولات المفاجئة.

وهي صورة – باعتقادي – تعيد إلى الأذهان واقع الأزمة اليمنية السياسية في أيامها الأولى أواخر العام 2006، ومطلع العام 2007م، وحالة التهافت حينها على انتزاع مواقف سفارات ومعاهد وخبراء أجانب، لتقوية مواقف الأحزاب السياسية اليمنية الممثلة في مجلس النواب آنذاك، ودعم حججها في قضايا الأزمة (3 قضايا خلافية على قانون الإنتخابات)، قبل أن تتسارع خطواتها، وتتفاقم تداعياتها، وصولاً حد الإقتتال المسلح، والتدخل العسكري الخارجي، ومصادرة حق اليمنيين في تقرير مصير خلافهم وحروبهم، كما هو الواقع اليوم.

وفي ظل السباق المحموم حالياً بين فريقي الأزمة الخليجية لكسب وسطاء دوليين أقوياء، وتأمين خطوط معركة النفوذ الدبلوماسي داخل أروقة ودهاليز صناعة القرار في العاصمة الأمريكية واشنطن، وتخصيص مبالغ مالية ضخمة تُقدّر بمئات ملايين الدولارات لتلك المهام، أو عبر التعاقد مع عدد من كبار المستشارين هناك، فإن ذلك سيعني بوضوح إنشاء مؤسسات استثمارية، ولوبيات اقتصادية، وتخلق مصالح وشبكات واسعة، ستشكل جميعها مستقبلاً واحدة من عوامل ديمومة الأزمة وتنمية الصراع، كما هي اليوم حالة «التحالف العربي» في اليمن، والذي بدأ مهمته بـ«الحزم» السريع، دونما حزم يلوح في الأفق للرصاصة الأخيرة، وذلك للعام الثالث على التوالي.

 

الأزمة الخليجية باتت حقلاً استثمارياً خصباً، مفعماً بروائح الغاز القطري والنفط السعودي

الانتعاش المبكر لسوق المواقف المساندة / المضادة، لمنظمات حقوقية وإنسانية دولية، في الحالة القطرية حديثة الولادة ، وموجة إنعاش الضمير الإنساني اللافتة تجاه الحصار الرباعي على قطر، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم وأكبر مصدر للغاز بعد روسيا، تعني، هي الأخرى، أن الأزمة الخليجية التي يحلو للصحف الغربية توصيفها بالأزمة الدبلوماسية «الأسوأ» في منطقة الخليج، باتت حقلاً استثمارياً خصباً، مفعماً بروائح الغاز القطري والنفط السعودي، في آن واحد.

وهو ما يعني يمنياً، وفي ظل هكذا بيئة أخلاقية دولية «نفاقية» وغير مسبوقة، أن دماء اليمنيين المسفوكة بشكل شبه يومي، قتلاً وحصاراً وأوبئة، ستصبح نسياً منسيّاً، ما لم تستعد القوى السياسية اليمنية في ميدان الأزمة وجبهات الحروب زمام المبادرة أولاً، ولو ضد بعضها البعض، وتجترح تحولاً نوعياً يفجر حالة الإنسداد والتبلد الفكري والسياسي، ويفضي إلى حسم عسكري عاجل، أو مبادرات سياسية شجاعة.

أزمة قطر والدول الأربع المقاطعة لها تسير نحو العالمية، وسيكون من المؤسف يمنياً أن تبقى الحالة اليمنية في وضعية «خدّام خدّام خدّام الجرافي»، أو أن يسمع العالم صراخ 4 مواطنين قطريين انقطعت عنهم علب الشوكولاته لـ3 أسابيع بفعل حصار 4 دول، ولا يسمع أنين 27 مليون يمني قطع عنهم الغذاء والدواء، منذ أكثر من 112 أسبوعاً، ويقتلون يومياً بطيران وبوارج وقوات 17 دولة عربية وأجنبية. أقول سيكون من المؤسف والمؤلم أن لا يتم استثمار أو تطويع هذه الحالة الإنكشافية الإزدواجية الدولية لمصلحة الحالة اليمنية.

ومن هنا يمكن إثارة التساؤل، وفي حال تعذر اجتراح الحلول يمنياً: لم لا تكون الحالة اليمنية اصطفافاً صريحاً وواضحاً في سياق الأزمة الخليجية وأدواتها؟ صحيح أن مثل هذا الإصطفاف قد يبدو مستحيلاً للوهلة الأولى، وسيكرس الإنقسام اليمني – اليمني، لكنه، في المقابل، سيحقق نوعاً من التوازن، إن لم يشكل الفرز النهائي في صفوف القوى المتصارعة في المنطقة، أي أنه سوف يختصر المراحل، عوضاً عن تحقيقه – شريطة إدارته باحترافية سياسية عالية – تهشيماً أولياً في جدار الحصار الإقتصادي والإعلامي والسياسي المفروض على اليمن للعام الثالث على التوالي، إن لم يبكِ العالم دماء أطفال اليمن بأثر رجعي، وقد باتت ساعتها مصبوغة إما برائحة الغاز القطري، أو النفط السعودي.

التعليقات

تعليقات