المشهد اليمني الأول/

قبل أيام أوردت مجلة “إنتلجنس أون لاين” الفرنسية خبراً مفاده إن ولي عهد أبو ظبي “محمد بن زايد” يدفع نحو الإطاحة بالرئيس اليمني المستقيل “عبد ربه منصور هادي”، وأشارت إلى أن نائب رئيس المخابرات السعودية اللواء أحمد عسيري سافر إلى أبو ظبي في حزيران /يونيو الماضي للقاء أحمد نجل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح للتباحث معه بهذا الخصوص بعد اختياره لقيادة مفاوضات تشكيل حكومة يمينية جديدة.

وأثار هذا الخبر موجة من التحليلات بعد الهزائم المنكرة التي مُنيت بها السعودية على يد قوات الجيش اليمني واللجان الشعبية، خصوصاً وإنه جاء بعد تولي محمد بن سلمان لولاية العهد بدلاً من محمد بن نايف.

ويبدو أن السعودية تسعى من خلال تبني هذا الاقتراح إلى تحقيق عدّة أهداف يمكن إجمالها بما يلي:

أولاً: إيجاد شرخ بين حركة أنصار الله وحزب المؤتمر الشعبي العام الذي يقوده علي عبد الله صالح بعد أن فشلت الرياض في تحقيق هذا الأمر بفضل الاتحاد والتعاون والتنسيق العالي بين الجانبين والذي ظهر بشكل جلي في مواجهة العدوان السعودي على اليمن منذ بدئه قبل نحو عامين ونصف العام.

ثانياً: إشاعة مثل هذه الأخبار تهدف إلى خداع الرأي العام بأن السعودية بصدد التوصل إلى تسوية مع اليمن في حين تؤكد جميع الشواهد والقرائن بأنها لم تألو جهداً بارتكاب شتى أنواع الجرائم ضد الشعب اليمني من أجل كسر شوكته وإخضاع إرادته، الأمر الذي أخفقت فيه الرياض أيضاً وبشكل مخزي بفضل صمود وصلابة اليمنيين بقيادة حركة أنصار الله.

ثالثاً: في حال قيام السعودية باستبدال عبد ربه منصور هادي الذي يعد من حلفائها المقربين جداً بنجل علي عبد الله صالح الذي كان موجوداً في الرياض قبل انطلاق العدوان على اليمن في آذار/مارس 2015، فهذا يعني أن الرياض بصدد تحقيق مصالحها فقط ولا يهمها أبداً التفريط بالأصدقاء وبيع الحلفاء في أي وقت وفق قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة”.

ثالثاً: تكشف مثل هذه الأخبار بأن السعودية منيت بهزيمة سياسية مرّة في اليمن وهي تسعى الآن لبث الفرقة بين المكونات السياسية الرئيسية في هذا البلد خصوصاً بين حركة أنصار الله وحزب المؤتمر الشعبي العام، إلاّ أن هذه المساعي ستبوء بالفشل أيضاً وستتحطم على صخرة الوحدة اليمنية التي أثبتت التطورات أنها لايمكن أن تتحطم أو تكسر بسهولة.

والتساؤل المطروح ما هي التداعيات التي ستطفو على السطح في حال تحقق الاقتراح الإماراتي من خلال عودة علي عبد الله صالح أو أحد أقربائه إلى السلطة في اليمن؟

قبل الإجابة عن هذا التساؤل لابد من التذكير بأن منصور هادي لم يعد يمتلك أي نفوذ بين القبائل والطوائف اليمنية بعد قبول استقالته من قبل البرلمان. ومن المعروف أن الرياض كانت منذ ستينات القرن الماضي تركز على استمالة رؤساء القبائل في اليمن كمدخل لاختراق المجتمع، لكنها باتت متيقنة الآن بفشلها في إنتاج أو إعادة تدوير أي قيادة يمنية تحظى بدعم قبلي شمالي، وتدرك أيضاً بأن منصور هادي لا يحظى بأي دعم قبلي حقيقي في منطقة “أبين” التي يتحدر منها.

وهناك عوامل عدّة قد تدفع السعودية لدعم نجل صالح منها أن قوات الحرس الجمهوري في اليمن لازالت تضمر ولاءً لشخص أحمد الذي كان سفيراً لبلاده في الامارات في عهد رئاسة هادي وتربطه علاقات جيدة مع المسؤولين الإماراتيين. لكن هناك مشكلة لازالت تؤرق كافة مشاريع الخارج والداخل، وهي محافظة تعز التي لا يتم وضعها في الحسبان، وكأنها مشكلة ستُحل ذاتياً بمجرد أن تحل السعودية خلافها مع صالح، وهو أمر مستبعد لاعتبارات عديدة ومتشابكة.

كما أن اليمن ورغم أزمته الاقتصادية الخانقة يتميز بحيوية مجتمعه السياسي، وتعدد الأقطاب الاجتماعية الصلبة فيه وفي طليعتها القبائل. وبالتالي فالدولة اليمنية لا يمكن أن تدار على المدى المنظور من دون حلّ جذري للمشاكل الاقتصادية والسياسية.

وهذا ما يغيب عن وعي الساسة السعوديين والإماراتيين الذين يفضلون التعامل مع الظواهر وليس الجذور، وعليه؛ فإن عودة أحمد نجل صالح في حال حصولها قد تنهي واحداً من مظاهر الإشكال اليمني جزئياً وهو الحرب، لكنها ستفاقم الإشكال نفسه وستبذر بذور حروب كثيرة قادمة.

وسواء تحقق الاقتراح الإماراتي أو لم يتحقق يبقى الجدل قائماً بشأن الفشل الذريع الذي منيت به السعودية رغم عدوانها الغاشم على اليمن بذريعة إعادة الشرعية إلى هذا البلد.

وتعكس موافقة الرياض على تبني الاقتراح الإماراتي مدى التخبط الذي تعيشه السعودية وافتقادها للعمق المطلوب في اتخاذ القرارات الاستراتيجية حيال قضايا المنطقة بشكل عام واليمن بشكل خاص.

الوقت

التعليقات

تعليقات