المشهد اليمني الأول/

تطرقت وكالة «بلومبيرغ» إلى التحديات المحدقة بالسعودية، على المستويين السياسي والاقتصادي، مع تقدم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خطوة إضافية على طريق العرش.

وأشارت الوكالة إلى أن المملكة العربية السعودية، بعد مرور أكثر من عام على طرح بن سلمان لرؤيته الاقتصادية (رؤية 2030)، ما زالت تواجه صعوبات كثيرة في تنفيذ الإصلاحات المندرجة ضمن أهداف خطة «القائد الأعلى» داخل المملكة، إذ يبدو العديد من الخبراء الاقتصاديين «أكثر تشكيكاً» بإمكانية تحقيق بعض «الأهداف المتوسطة الأجل»، مع استمرار أزمة انخفاض أسعار النفط، وتسجيل سعر برميل الخام حوالي 48 دولاراً لهذا العام، متراجعاً بنسبة 15 في المئة، وهو سعر «أقل بكثير من المستوى الذي تحتاج إليه المملكة لتحقيق التوازن في ميزانيتها». فالرقم الذي تطمح إليه السعودية للوصول إلى هذه الغاية، سوف يكون في حدود 70 دولاراً للبرميل، وفق تقديرات رئيس مركز بحوث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة «تشارترد»، ومقرها أبو ظبي.

أما السبب فيتلخص في أن انخفاض مداخيل النفط يحرم الحكومة السعودية من الموارد المالية المطلوبة لتحقيق التوزان المالي في أرقام الموازنة بحلول العام 2020، في وقت تسعى فيه إلى تحفيز النمو الاقتصادي، بغية تخفيف الأعباء عن كاهل مواطنيها على وقع ترشيد النفقات.

وكما هو معلوم، فقد شرعت الحكومة السعودية خلال العامين المنصرمين في تخفيض النفقات العامة، وفرض بعض الضرائب، كما خفضت الدعم الحكومي لبعض السلع، كالتبغ والمشروبات الغازية والوقود، إضافة إلى إعلانها عن عزمها بيع نسبة من أسهم شركة «أرامكو»، عملاق النفط، ورصد مبلغ 53 مليار دولار لتحفيز أعمال القطاع الخاص على مدى أربع سنوات.

وبحسب «بلومبيرغ»، فإن اتخاذ السلطات السعودية خطوات اقتصادية «أكثر عمقاً»، سيشكل اختباراً لعزم الرياض على مواصلة الإصلاحات، مع العلم أن النهج السعودي على هذا الصعيد «يسير عكس عجلة التاريخ» التي تفترض أن مخططات التنويع الاقتصادي تعتمد إلى حد كبير على السياسات الموضوعة ما قبل فترة انخفاض أسعار النفط، وليس خلالها، وفق «بلومبيرغ».

 

انخفاض مداخيل النفط يحرم الحكومة الموارد المطلوبة لتحقيق التوزان

المؤشرات السلبية لأداء السعودية المالي والاقتصادي، تبدأ بتخفيض «صندوق النقد الدولي» توقعاته بشأن نمو الاقتصاد السعودي لهذا العام إلى «ما يقرب من الصفر»، إضافة إلى توقع خبراء ماليين لدى «سيتي غروب»، و«ستاندرد شارترد» و«إي إف جي هيرميس» دخول المملكة العربية السعودية في فترة من الانكماش والركود الاقتصادي، للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية عام 2009. ففي تقرير صادر حديثاً، خفف صندوق النقد الدولي من توقعاته لنمو اقتصاد المملكة هذا العام من 0.4 في المئة إلى 0.1 في المئة، متوقعاً نمو الناتج المحلي غير النفطي للسعودية بنسبة 1.7 في المئة بالمقارنة مع توقعات سابقة وصلت إلى نسبة 2 في المئة، مع العلم أن نسبة النمو المحققة في القطاعات الاقتصادية غير النفطية لا تكفي لموازنة الصورة السلبية عن نمو القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على النفط. وبحسب ما أدلى به الخبير الاقتصادي المتخصص في «إي إف جي هيرميس»، محمد أبو باشا، فإن المشهد الاقتصادي في السعودية لا يلحظ «الكثير من علامات النمو الكيفي أو النوعي، في إشارة إلى هيمنة النفط على البنية الاقتصادية للبلاد. وزاد أن «نمو الإئتمان لا يعني شيئاً»، والمكافآت المخصصة لنشاط المشروعات (التي تتولاها الحكومة) تعد «ضعيفة»، ناهيك عن «ازدواجية البيانات» حول أرقام استهلاك الإسمنت داخل البلد، والتفاوت الحاصل في التقديرات بشأنها، بين مصدر وآخر.

بدورها، أفادت كبيرة الاقتصاديين لدى بنك «أبو ظبي» التجاري للوكالة، مونيكا مالك، بالقول إن الرياض ما لم تنجح في تحقيق اندفاعة اقتصادية، لن تكون قادرة على تسريع وتيرة الإصلاحات المالية، التي من المرجح أن تبقى أبطأ مما كانت عليه في العام 2016.

واعتبرت مالك أن احتمالات تسجيل الاقتصاد السعودي معدلات نمو طفيفة، واستمرار العجز في الموازنة «ما زالت مرتفعة»، الأمر الذي يشكل مؤشراً «بالغ الخطورة».

وفي هذا الإطار، لفتت الوكالة إلى قرار السعودية إعادة العمل بنظام المكافآت والعلاوات الممنوحة للموظفين العموميين، في أبريل الماضي، كانعكاس للأداء المالي الرشيد في الفترة التي سبقت القرار، وبشكل «أكثر مما كان متوقعاً». كما نقلت عن مصادر قولها إنه «من المرجح أن تقوم المملكة بتأخير الحزمة التالية من سلسلة تخفيض التقديمات الحكومية» إلى فترة لاحقة من هذا العام، أو إلى مطلع العام المقبل.

فالرياض تدرس ضبط وتيرة خفض الإنفاق العام خلال المرحلة المقبلة، بغية تحقيق نمو اقتصادي على المدى المنظور، على حد ما ذهبت إليه «بلومبيرغ». ومن منظور مدير مركز الأبحاث الاقتصادية في «مركز الخليج للأبحاث»، والذي يتخذ من الرياض مقراً له، فإنه «من شأن أي إجراءات تحفيزية دعم وتعزيز الثقة» بالبيئة الاقتصادية، إلا أن الأمر «قد يستغرق وقتاً من أجل دعم مؤشرات النمو الرئيسية، كما فعلنا خلال النصف الأول من العام الجاري».

ومع الإشارة إلى هبوط أبرز مؤشرات سوق الأسهم في الرياض، أضافت الوكالة أن استمرار انخفاض أسعار النفط «يعوق الخطط الاقتصادية» لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، فيما تهدد التحديات الخارجية، مثل الحرب المكلفة في اليمن، والأزمة المستمرة مع قطر، بالإطاحة بـ«رأس ماله السياسي».

التعليقات

تعليقات