كتب: محمد ناجي أحمد

يصف «روز»، بحسب ما ينقله الدكتور أحمد يوسف أحمد، في كتابه «الدور المصري في اليمن»، استخدام المصلحة الوطنية في تفسير قرارات التدخل، بأنه يساوي في تضليله ولا تجريبيته كأداة للتفسير، أي مبدأ أخلاقي أو قاعدة قانونية؛ فالمصلحة الوطنية لا تعدو أن تكون مفهوماً واسعاً لا يميز بأي حال الظروف التي يحتمل أن تفضي بدولة إلى سلوك تدخلي.

ويقول «روز» إن تقديم النصح إلى صانعي القرارات بأن يؤسسوا قراراتهم على المصلحة الوطنية، ومن ثم يتخذوا قراراتهم بالتدخل حين يكون موقف ما «حيوياً لأمنهم»، يجب أن يكون حين تتهدّد مصالح حيوية بوضوح وعلى نحو «وشيك».

منذ أن تأسست الدولة السعودية الأولى في منتصف القرن الثامن عشر، لم يحدث أن كانت اليمن مصدر تهديد لها، بل كانت هي مصدر التهديد والاعتداء على مناطق شمال الشمال وتهامة اليمن والجزر البحرية اليمنية. لقد كان التهديد الذي تعرّضت له السعودية في القرن التاسع عشر وعمل على إزالة إماراتها في نجد، وتم فيه اعتقال أميرها وإرساله إلى الأستانة وإعدامه هناك، مصدره تركيا، عبر توجيه محمد علي باشا للقضاء على تمرّد نجد.

وحين شعرت السعودية بالخطر عام 1962م لقيام نظام جمهوري في اليمن، كانت مخاوفها التي عبّر عنها الأمير فيصل بن عبد العزيز عام 1961م قبل قيام الثورة السبتمبرية، هو رفض قيام نظام جمهوري في اليمن. فهم مع التغيير، ولكن على أن يكون نظاماً تابعاً لهم وغير جمهوري.

ولقد كانت مخاوفهم التي عبر عنها في ما بعد الملك سعود، والملك فيصل، هو أن طموح مصر في المنطقة يستهدف زعزعة السعودية والسيطرة على منابع النفط للاستفادة منها.

أي أن مخاوفهم كانت منصبة على طبيعة النظام القومي في مصر، وزعامته لحركات التحرر العربي، والعمل على إسقاط الأنظمة الرجعية في المنطقة. لهذا ركزت السعودية، هي والقوى السياسية القبلية والعسكرية والدينية، على تشويه الدور المصري في اليمن، والمطالبة بخروج مصر، وعدم السماح لها بالتدخل في الشأن اليمني، أي أن قلقها كان من مصر والمشروع القومي في المنطقة.هنا سنجد أن قلق وخوف الكيانين السعودي والصهيوني من مصر مبني على وعي تاريخي بدور مصر في النهوض بالمنطقة، والقضاء على وجود وطموحات الكيانين.

لم يكن الدور المصري في اليمن عام 1962م دوراً منقطعاً عن مسار التاريخ وحركته؛ فلقد تحركت مصر عام 24 ق.م للسيطرة على الجزيرة العربية بأمر من روما لحاكمها الروماني في مصر، الذي جهّز عشرة آلاف جندي سيطروا على الجزيرة العربية ووصلوا إلى نجران بعد ستة أشهر، وحين أرادوا التقدم إلى مأرب هُزموا ولم يعد منهم إلى مصر سوى العدد القليل، كما يذكر الدكتور أحمد يوسف أحمد، في كتابه آنف الذكر. وكانت الحملة الثانية بدعم من مصر الرومانية لحاكم الحبشة لاحتلال اليمن في القرن السادس الميلادي، كما يذكر الدكتور محمد علي الشهاري في كتابه «الخروج من نفق الإغتراب».

تدخلت مصر الفاطمية في اليمن بدعمها للصليحيين، وتدخلت مصر الأيوبية مباشرة حين أرسل صلاح الدين الأيوبي أخاه توران شاه، ثم طغتكين، فجاء مماليك الأيوبيين ودعموا الرسوليين في اليمن، وحين أراد الملك المجاهد علي أن يمد نفوذه إلى مكة اعتقله أمير الحج المملوكي وأخذه إلى مصر سجيناً لمدة ثلاث سنوات.

 

لقد كانت ثورة اليمن مرتبطة في وعي عبد الناصر على أنها خطوة في طريق التخلص من الصهيونية

لقد كان تدخل صلاح الدين الأيوبي دافعه هو أن يجعل من اليمن عمقاً استراتيجياً لحكمه في مصر، إذا فكر محمود نور الدين بطردهم منها، ثم كان تدخله الثاني في اليمن ليمنع التحركات الصليبية / الإفرنجية من تطويقه من الجنوب في باب المندب، ومن الشمال في البحر الأبيض المتوسط. كذلك صنع عبد الناصر عام 1961م؛ فبعد أن سقطت الوحدة المصرية السورية بتآمر سعودي إسرائيلي أمريكي بريطاني فرنسي روسي، اتجه ناصر بتفكيره إلى تأمين مصر من بوابتها الجنوبية.

وقد توافق مع الإنفصال أو بني عليه تأسيس تنظيم الضباط الأحرار في اليمن عام 1961م. وكانت ثورة سبتمبر عام 1962م الرافعة التحررية التي أنقذت مصر من خلال عمقها القومي في اليمن، وأسقطت استراتيجية خنق مصر شمالاً وجنوباً. ففي ذلك التاريخ، أي 1961م، تحركت أمريكا والسعودية، وخططتا لعمل تغيير في الحكم يصب في مصالحهما، لكن مصر كانت الأسرع، والقوى الوطنية الشابة كانت الأكثر تأثراً وتنظيماً وتواصلاً مع مصر.

كذلك الشأن مع المماليك وتدخلهم في اليمن زمن الرسوليين؛ فالحملة الأولى لهم كانت عام 1325م، وترافقت مع محاولات أوروبية لخنق مصر اقتصادياً عن طريق المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وكانت الحملة المملوكية الثانية عام 1516م بسبب النفوذ البرتغالي، الذي سيطر على سقطرى عام 1507م، وحاولوا السيطرة على عدن عام 1513م، فما كان من السلطان قنصوة الغوري إلا أن جهز جيشاً عام 1515م لمنع البرتغاليين من السيطرة على مدخل البحر الأحمر وعلى عدن، وفي عام 1516م اتجه أسطول مصر البحري إلى الجنوب لطرد البرتغاليين وتدعيم سيادة مصر على البحر الأحمر.

تدخل محمد علي باشا في الحجاز عام 1813م، واحتلت قواته «رنية» و«بيشة»، مفتاحَي اليمن الشرقي في عام 1815م. وبرزت ملامح الدور المصري في إطار حملته على الحجاز واتصاله مع حكام اليمن للتعاون مع المصريين في الحرب ضد الوهابيين. وحين استولى محمد علي باشا في عام 1818م على مناطق واسعة من اليمن، أعادها إلى إمام صنعاء مقابل مبلغ من المال يرسل من محصول البن.

وعندما استولى عام 1835م على الساحل اليمني، وتوغلت قواته إلى الداخل، تعهّد لإمام اليمن بمساعدته ودعمه بالمال والسلاح إذا قام بمهاجمة الإنجليز وطردهم من عدن، وأنه سيقوم بتسليمه كل الأراضي التي تحت نفوذ الجيش المصري بمجرد الإنتهاء من الحرب، حتى يظل جنوب اليمن في أيد عربية.

لكن الدول العظمى آنذاك اجتمعت ووقفت مع تركيا، «الرجل المريض»، للقضاء على المشروع الحي الذي يتحرك لتحقيقه باشا مصر وابنه القائد إبراهيم باشا، الذي كان يردد أنه وإن لم يكن مصرياً فإن شمس مصر التي لفحته قد جعلته مصرياً. بل لقد كان يعي أهمية المنطقة العربية الممتدة من جنوب البحر الأحمر إلى الأستانة، وأنها تمثل مصالح واحدة وقوة للنهوض المشترك.

لهذا، حين تكالبت القوى العظمى على باشا مصر، وجه بجلاء قواته عن اليمن في مارس 1840م، وفي مايو 1840م غادرت القوات المصرية اليمن. وهنا نلاحظ أن الدور المصري، بمشروعه الذي يمثل نهضة المنطقة العربية ووحدة مصالحها وأمنها، لم يخرج من اليمن إلا بعد تكالب الغرب على مصر عام 1840م وهزيمتها وهي تدق أبواب الأستانة، وكذلك بعد هزيمة 5 يونيو 1967م.

لقد كان واضحاً كل هذا التاريخ والدور المصري في المنطقة في وعي جمال عبد الناصر؛ ففي كتابه «فلسفة الثورة» الذي طبع عام 1953م، وقبل رفع شعارات القومية العربية، كان هناك وضوح استراتيجي لديه ووعي بضرورة أن تقوم مصر «بدور البطل» في هذه المنطقة، ووعي بأهمية هذا الدور وما يمليه من ضرورة تصفية القواعد العسكرية البريطانية في عدن، والتي تدخلت في ما بعد في حرب السويس 1956م، وفي حوادث الأردن 1958م، وفي مشكلة الكويت 1961م باعتبارها أهم قاعدة عسكرية للاحتلال البريطاني في الشرق الأوسط، ما يؤكد ضرورة الدور الذي تحدث عنه جمال عبد الناصر في «فلسفة الثورة». لهذا يصعب وضع استراتيجية دفاع للمنطقة العربية دون طرد الإحتلال البريطاني من اليمن.

إذا كانت مصر عبد الناصر قد تحركت ضمن الدور الوطني والقومي العربي في عام 1962م، فإن الكيان السعودي تحرك في عدوانه المباشر عام 2015م ضمن استراتيجية ومصالح أمريكية بريطانية في البحر الأحمر، وهذا يعني أن مشيخات الخليج تريد تأميناً مطلقاً وسيطرة نهائية على مدخل البحر الأحمر شمالاً وجنوباً، وعلى مدخل خليج العقبة من خلال انتزاع جزيرتي «تيران وصنافير»، بحيث تصبح إسرائيل هي القوة المسيطرة، وفي وضع استراتيجي هو الأقوى والوحيد في المنطقة. لهذا اختلق تحالف «إمارات العائلات العربية المتحدة»، وعلى رأسه السعودية، خرافة محاربة النفوذ الإيراني في اليمن!

لقد كانت ثورة اليمن مرتبطة في وعي عبد الناصر بأنها «خطوة في طريق التخلص من الصهيونية»، كما جاء في خطبته بعيد النصر السادس بتاريخ 23 – 12 -1962م. فالمواجهة مع إسرائيل لا تنفصل عن المواجهة مع الرجعية العربية التي تمثل سنداً وظهيراً لإسرائيل، بل أصبحت في أيامنا هذه تقوم بدور رأس الحربة في تذليل كل معوقات التمكين الصهيوني في المنطقة. فهي تقف في نفس الموقع الصهيوني ضد طموحات الأمة العربية في التقدم والعدالة الإجتماعية والكفاية والعدل. إن تحرير اليمن جزء من المعركة ضد الصهيوينة، والعدوان على اليمن من قبل تحالف «العائلات المتحدة» هو جزء من معركة الصهيونية ضد الأمة العربية واستقلال أوطانها وسيادتها على أرضها وبحرها وجوها ومياهها وثرواتها.

لقد كان موقف السعودية السلبي من محمد البدر، وتخطيطها للتخلص منه سببه، كما تقول بعض التقارير والتحليلات الغربية آنذاك، هو اتفاق البدر مع جمال عبد الناصر في عام 1958م من أجل زعزعة نظام الحكم السعودي في الجزيرة العربية، بل وتفكيك هذا الكيان لصالح الأمة العربية. لقد استثمرت السعودية صراع القوى السياسية في اليمن حول السلطة والثروة، وشجعت المواجهات بين توازنات الضعف .كل ذلك ساعدها في حرب 1994م، ثم انتخابات 2006م، ثم أحداث 11 فبراير 2011م، وصولاً إلى العدوان العسكري المباشر منذ 2015م تحت ما يسمى «التحالف العربي» الذي تقوده السعودية ورديفتها الإمارات، مع مشاركة سودانية بجنودها الفقراء، ومشاركة مصرية محدودة.

كل ذلك يحدث في اليمن، والكيان السعودي يستمتع بدور المحرك والمحرض والقائد والمنفذ لعدوان سماه «العاصفة» و«إعادة الأمل» لمطامع الكيان الصهيوني، وقدم نفسه على أنه وسيط بين القوى السياسية والعسكرية والقبلية والقوى السياسية الدينية المتصارعة في اليمن.

التعليقات

تعليقات